«الفوترة».. إشكالات في التطبيق!

علاء جوزيف أوسي
2014 / 3 / 13

الفاتورة عماد أي نظام اقتصادي، والهوية لكل نوع من أنواع البضائع، وتعرّف بأنها وثيقة تجارية إجبارية تبرم بين البائع والشاري، وتسلّم بمجرد إجراء البيع أو تأدية الخدمات، فهي المستند الذي يدل على حدوث الصفقة وهي أساس في نظام ضرائب المبيعات، إذ إنها تسهّل إحكام الرقابة على السوق وضبط المجتمع الضريبي، ولذا فإن أكثر الطرق شيوعاً في التهرب الضريبي يتمثل في عدم إصدار فاتورة عن كل صفقة خاضعة للضريبة أو عدم صحة البيانات الواردة بها، فهي تتضمن غالباً نوع البضاعة ومواصفات السلعة وتاريخ عملية البيع ورقم السجل التجاري، فالفاتورة وثيقة قانونية لاحتساب أرباح التجار، وهذه إشكالية كبيرة كان يجري القفز فوقها في بلادنا، وبقيت زمناً طويلاً باباً من أبواب التهرب الضريبي والفساد الإداري.

وللفاتورة أنواع عديدة منها فاتورة الاستيراد أو الفاتورة الأولية، وفاتورة تصدير، وفاتورة أسعار...

أما الهدف العام من تطبيق الفوترة فهو أولاً ضمان حق المستهلك في الحصول على منتج آمن، تاجر يمكن الرجوع إليه في أي وقت، وهو ما يحتّم الرقابة على إصدارها، وثانياً إلزام التاجر بألا يغالي في الأسعار وأن يكون سعر بيع السلعة بهامش ربح معقول، وثالثاً ضمان حق الدولة في تحصيل الضريبة، بدل التهرب وحرمان الخزينة منها، فالضرائب حالياً قائمة على التخمين لا على المستندات العلمية، وبالتالي هناك غبن للمكلف أحياناً، وفي أكثر من الأحيان تبقى الخزينة هي المغبونة، ومن ناحية أخرى فقد دخلت إلى سورية في ظل انعدام تداول الفاتورة بضائع سيئة النوعية، كان نتيجتها أن دفع المستهلك الثمن وربح التاجر، بينما الوضع الأسلم أن توضح الفاتورة حركة البضاعة.

الفاتورة ليست وسيلة لابتزاز المستهلكين وزيادة سعر الخدمة أو السلعة، بل هي وسيلة لضمان حقوق الأطراف كافة، ولكن هل الوقت ملائم لتطبيق نظام الفوترة مع تردي الأوضاع الاقتصادية وتقلص القدرة الشرائية للمواطنين وغياب الأمن والأمان عن الطرقات، وعدم القدرة على حماية عدد كبير من المنشآت وخروجها عن الخدمة؟، أيضاً هل القانون وحده كافٍ لتطبيق نظام الفوترة وضبط الأسعار المعلنة في الأسواق وإلزام الفعاليات الاقتصادية على اختلاف أنواعها وأحجامها بتطبيقها..؟!وهل يمكن لأي منتج أن يعطي الإدارات الحكومية بياناً بتكاليف الإنتاج الحقيقية ؟ أم أنه لا يوجد إثباتات على كل ذلك، فمثلاً هل بالإمكان تحديد التكلفة الحقيقية لنقل البضائع من المرفأ إلى المستودعات؟

أسئلة كثيرة وغيرها تطرح في وقت تجدد فيه الحديث عن قرار وزارة التموين وحماية المستهلك تطبيق نظام الفوترة بدءاً من تجار سوق الهال بدمشق، وهذا يعني ببساطة شديدة إلزام تجار الجملة بإعطاء تجار التجزئة فواتير نظامية مختومة بختم السجل التجاري لتاجر الجملة، مع الإشارة إلى أن معظم السلع التي يتم التعامل بها ضمن سوق الهال من إنتاجنا المحلي، الأمر الذي يسمح بالحصول على فاتورة حقيقية التكاليف، نسبياً، مع وجود ضوابط رادعة، ويختلف الأمر عند حديثنا عن السلع المستوردة وغيرها، مع ما يكتنفها من تلاعب بالفواتير والبيانات الجمركية وتزوير بالأسعار والكميات.

فالقضية معقدة وليست ببساطة إصدار قرار تطبيقها في أسواق تشهد في الوقت الحالي انفلاتاً وعدم استقرار لأسباب كثيرة تعود في جانب منها للأزمة التي جاءت في أحد وجوهها رد فعل على السياسات الاقتصادية السابقة.
ولتطبيق نظام الفوترة نحتاج بداية إلى تهيئة المناخ المناسب لتطبيق هذه الإجراءات الجديدة، بغية تجريم عدم إصدار الفواتير، فالعشوائية في التطبيق قد تسهم في رفع الأسعار، الأمر الذي يتطلب إحكام الرقابة والسيطرة على الأسواق ووقف التلاعب والمخالفات، مع الإشارة إلى وجود تحديات كبيرة أمام التعامل بالفاتورة، أهمها نقص الثقافة الضريبية، وعشوائية قطاع التجارة الداخلية، وانتشار اقتصاد الظل بكثرة حيث يتم تداول نسب كبيرة من السلع على الأرصفة دون فواتير، وغيره من الأشكال ، فالقانون وحده غير كافٍ لتفعيل الفاتورة في المعاملات التجارية والمالية، وترقى عملية الإلزام إلى كونها ثقافة عامة يسهم في خلقها العديد من الأطراف، منها الإعلام، والجهاز الضريبي، والجهاز التشريعي، إضافة إلى (حماية المستهلك) التي يجب أن تكون لديها أساليب التعاون مع الإدارة الضريبية والجمركية، من خلال استراتيجية واضحة ومحددة، واتخاذ إجراءات مناسبة في المخالفات، ومراقبة ومساءلة من يبيعون بأسعار أعلى. فدور الدولة يبدأ من تحديد تكاليف المنتجات، وينتهي بتحديد هامش الربح لتجار المفرق، وكذلك الجمارك ومصلحة السجل التجاري والتموين والنقابات التي يجب أن تتيح التعامل بعد الاطلاع على شهادة تفيد الالتزام بإصدار الفواتير، وصولاً إلى تداول الفواتير النظامية بدءاً من المصدر (المنتج أو المستورد)، مروراً بتاجر الجملة ونصف الجملة وانتهاء بباعة المفرق وإعطاء فاتورة للمستهلك في نهاية الأمر.

ختاماً المهم إلزام التجار بنظام الفوترة واستمرار متابعة الجهات المعنية بتطبيقها، علها تكون بارقة أمل في خفض معاناة الطبقات الكادحة التي اكتوت بنار الأزمة والسياسات الاقتصادية المتخبطة واستغلال أسياد الأسواق والمحتكرين.