ماذا تبقَّى من الربيع العربى؟

جلبير الأشقر
2014 / 2 / 21

لعله من روح زمننا الحاضر ــ زمننا هذا المتزايد القِصَر وقِصر النظر ــ أن يُطرح هذا السؤال على أنغام أغنية المطرب الفرنسى شارل ترينيه Charles Trenet: «ماذا تبقّى من أيامنا الحلوة؟». والحال أن نشوة 2011 قد حلّت محلّها سوداوية المحبطين الذين خابت آمالهم من الثورة، إن لم تحلّ محلّها غبطة أنصار «النظام القديم» الإقليمى، المعادون أصلا للانتفاضة تحت زعم أنها لم تكن لتفضى إلى شىء مفيد.

ولنبدأ بهذه الحجة الأخيرة: فإن الفكرة القائلة بأن النظام القديم، الغارق فى الظلم والاستبداد، شكّل متراسا ضد «التطرف الإسلامى» فكرة لا تقل غباء عن الاعتقاد بأن إدمان الكحول علاج واقٍ من أزمة الكَبِد! والحقيقة أن مظاهر التطرف الدينى التى نشهدها هنا وهناك ليست سوى تجليات لميل قائم منذ عقود، أفرزه بشكل مباشر وغير مباشر على السواء هذا النظام الإقليمى نفسه الذى انفجر فى 2011.

ولنأخذ الحالة السورية مثالا: من الواضح أن تحويل حافظ الأسد للقوات المسلحة إلى حرس بريتورى للنظام يقوم على عامل طائفى أقلوى، كان من شأنه أن يغذّى ضغائن طائفية فى صفوف الأغلبية. فلنتخيل أن الرئيس المصرى قبطى، وأن أسرته تسيطر على اقتصاد البلد، وأن ثلاثة أرباع ضباط الجيش المصرى أقباط كذلك، بينما تكاد تقتصر قوات النخبة فى الجيش المصرى على الأقباط وحدهم. هل يدهشنا عندئذٍ أن نرى «التطرف الإسلامى» مزدهرا فى مصر؟ والواقع أن نسبة العلويين فى سوريا قريبة من نسبة الأقباط فى مصر، أى زهاء عُشر السكان.

هذا ولابد أن يكون المرء قليل الاطلاع على الأمور كى يجهل أن نظام بشار الأسد قد تعمَّد تغذية التيار الجهادى السنى السورى، سواء عبر تيسير تدخله فى العراق فى زمن الاحتلال الأمريكى أو بإطلاق سراح رجال هذا التيار من السجون السورية فى 2011، فى الوقت ذاته الذى كان النظام يقمع فيه بوحشية مناضلى الانتفاضة السورية الديمقراطيين، ويزج بهم فى زنازينه.

والواقع أن انتشار الأصوليين الغلاة فى الشرق الأوسط هو النتاج المباشر للإرث الكارثى للدكتاتوريتين البعثيتين المتعاديتين فى سوريا والعراق، مضافا إليه الأثر الذى لا يقل كارثية للاحتلال الأمريكى لهذا البلد الأخير، وكذلك المنافسة المحمومة الجارية منذ عقود بين معقلى الأصولية الإسلامية الإقليمية المتعاديين: المملكة الوهابية السعودية والجمهورية الخمينية الإيرانية. أما أن يُطلق عنان هذا الانتشار فى ظل حالة نزع الاستقرار العميقة التى تنجم بطبيعة الحال وحتميا عن كل انتفاضة سياسية، فما هذا إلا أمر عادى. فعند شق الخُرّاج، يخرج منه القيح؛ بالغ الحماقة من يظن أنه كان من الأفضل الإبقاء على الخُرّاج.

لنعد إذا إلى سؤالنا الأصلى: ماذا تبقّى من الربيع العربى؟ الإجابة بسيطة: ليست السيرورة الثورية الإقليمية سوى فى بداياتها. وسيستغرق الأمر سنوات عديدة، إن لم تكن عقودا، قبل أن تفضى الموجة الصدمية المنبثقة من أعماق النظام الإقليمى بالغ الفساد إلى استقرار جديد للمجتمعات العربية. ولذا تحديدا كانت عبارة «الربيع العربى» خاطئة من البداية: فقد استوحت من وهم وديع مفاده أن الانتفاضة الإقليمية لم يحركها سوى عطش إلى الديمقراطية من شأن انتخابات حرة أن ترويه.

انطوى ذلك الوهم على جهل بالمحرك الرئيسى لانفجار 2011، الذى هو اجتماعى ــ اقتصادى، يتمثل فى انسداد التنمية الإقليمية منذ عقود، ذلك الانسداد الذى أفرز معدلات بطالة قياسية، لاسيما فى صفوف الشباب والخريجين. والنتيجة الملازمة لهذه المعاينة هى أن السيرورة الثورية التى انطلقت سنة 2011 لن تبلغ نهايتها إلا حينما يظهر حلٌّ يتيح الخروج من المأزق الاجتماعى ــ الاقتصادى ــ وهو حل يمكن أن يكون تقدميا أو رجعيا على حد سواء، بالتأكيد، إذ إن الأفضل ليس دائما مؤكدا للأسف، مثله فى ذلك مثل الأسوأ!

ولهذا السبب تحديدا، فإن «الشتاء الإسلامى» فى تونس ومصر، الذى تعجَّلت طيور الشؤم لترى فيه المآل النهائى للسيرورة فى كلا البلدين، كان بالغ القصر. ذلك أن فشل حكومتى النهضة والإخوان المسلمين حدَّده فى المقام الأول عجزهما عن توفير أدنى حل للمشكلة الاجتماعية ــ الاقتصادية فى سياق من تفاقم البطالة. كان من الممكن توقع هذا الفشل، وقد تم توقعه بالفعل. وبوسعنا بالمثل أن نتوقع اليوم أن استعادة النظام القديم فى القاهرة على يد المشير السيسى ستفشل للسبب عينه، إذ تنتج الأسباب نفسها النتائج ذاتها وتؤدى السياسات الاقتصادية المتناظرة إلى آثار مماثلة.

لكى تفضى الانتفاضة العربية إلى تحديث حقيقى للمجتمعات العربية، سوف يتعيَّن أن تبرز قيادات جديدة تُجسِّد التطلعات التقدمية لملايين الشباب الذى ثاروا فى 2011، وأن تتمكن تلك القيادات من الانتصار. وبهذا الشرط وحده ستشق السيرورة الثورية طريقها الأصيل، على مسافة متساوية من النظام القديم، ومن المعارضات الرجعية التى أفرزها هذا الأخير بالذات.