السعر والبعد الاجتماعي للاقتصاد

علاء جوزيف أوسي
2014 / 2 / 12

يعد السعر التعبير النقدي لقيمة السلع والخدمات في وقت محدد ومكان معين، أي أنه كمية النقد التي يجب دفعها للحصول على وحدة من السلع أو الخدمات المتبادلة، كما أنه العنصر الوحيد من المزيج التسويقي الذي يمثل إيرادات المنشأة، فهو جزء أساسي من العملية التسويقية والعلاقة التبادلية بين البائع والشاري. ويؤثر التسعير على المركز التنافسي للمشروع ونصيبه من السوق، وبالتالي من الأرباح التي يمكن تحقيقها، مع أخذ العلاقة بين العرض والطلب بعين الاعتبار، إذ كلما زاد سعر تلك السلعة قلّت الكمية المشتراة منها، وكلما انخفض زادت الكمية المطلوبة منها، فالسعر يشكل منظومة توجيه ومؤشر دقيق لتوجيه الاستثمارات نحو الفروع التي يزداد الطلب على منتجاتها، كما يقود إلى تلافي زيادة الاستثمارات في الفروع التي تعاني فوائض الإنتاج.

يتأثر السعر المقترح للمنتج بعوامل عديدة، بعضها داخلي، كالأهداف المرجو تحقيقها من المشروع لتحقيق أقصى عائد على الأموال المستثمرة أو إغراق الأسواق، ومدى توافر الموارد المالية والبشرية والطبيعية، وتكلفة إنتاج السلعة، وعناصر المزيج التسويقي.. أما العوامل الخارجية فتتمثل في الطلب، والمنافسة، والأحوال الاقتصادية العامة، والعرف السائد في التسعير، والقوانين والقرارات الحكومية.. ولكن ليؤدي السعر دوره على نحو أمثل في الاقتصاد الوطني يُفضل أن تلجأ الدولة، بصرف النظر عن نظامها الاقتصادي الاجتماعي، إلى التدخل في اعتماد سياسة سعرية تيسّر قيام الأسعار بوظائفها الاقتصادية عند حدوث أي خلل في هذه الوظائف.

وتتعدد أشكال السعر المستخدم وأنواعه فمنها السعر الاحتكاري، والتنافسي، والإنتاجي، وسعر السوق، إضافة إلى السعر المدعوم الذي تقرّره الدولة لبعض السلع بغضّ النظر عن التكلفة، وهو الأسلوب الذي تستخدمه سورية في عدد من المواد، ومنها الخبز أهم السلع المدعومة. وقد تجلت أهمية التدخل الحكومي في التسعير في ظل الأزمة التي تشهدها سورية منذ آذار 2011 فمثلاً يكلف تصنيع الكيلوغرام من الخبز من حبة القمح حتى الرغيف أكثر من 35 ليرة سورية، فيما يباع للمستهلك بتسع ليرات، وسعر ربطة الخبز 1400 غرام 15 ليرة، وقد وصل سعر الربطة في بعض المناطق إلى نحو الألف ليرة سورية بسبب الحصار، فأضحى الخبز الوجبة الأساسية لشريحة كبيرة من السوريين مع تفاقم معدلات الفقر والبطالة لمعدلات غير مسبوقة، فلم تلجأ الدولة إلى رفعه أسوة بالسلع الأخرى، على الرغم من ارتفاع تكاليفه في محاولة منها لسد الفجوة بين الدخل وأسعار السلع والمنتجات الضرورية، حفاظاً على دورها الاجتماعي من جهة وخوفاً من توسع دائرة الاحتجاجات من جهة أخرى، فالسعر يلعب دوراً في زيادة معاناة المواطنين، خاصة بعد أن تضاعفت أسعار المنتجات والخدمات نتيجة العقوبات الاقتصادية الجائرة التي فرضت على الشعب السوري، فارتفعت أسعار مدخلات الإنتاج وأسعار الشحن والتأمين، وترافق ذلك مع صعوبة تأمينها إلى الأسواق المحلية، فأثر نقص المستلزمات وتذبذب أسعارها وشح المواد الأولية إلى توقف العديد من المنتجات، بالتوازي مع انعدام الأمن على الطرقات وصعوبات نقل البضائع، كل ذلك مع انخفاض القدرة الشرائية للعملة السورية تماشياً مع ارتفاع نسب التضخم إلى معدلات وصلت قرابة 300%، فانخفض معدل الاستهلاك إلى 47% عام ،2013 وتدنى الإنتاج فانخفضت نسب المنتجات في الأسواق، وهو ما أدى إلى إفراط في الطلب على السلع وخاصة الأساسية، فكان التفاعل بين العرض والطلب كفيلاً بعلاج هذا الإفراط عن طريق ارتفاع الأسعار، وهو ما كان له نتائج اجتماعية خطيرة فاقمت الوضع السياسي المتأزم أصلاً، فلجأت الحكومة، للحد من ذلك، إلى التسعير الإداري الذي يفرض على الدولة القيام بمسؤولياتها التي لا تعني محاربة القطاع الخاص وإنما تقليم رؤوس الاحتكار ورموزه، فالتسعير الإداري مهم، لأنه يهدف إلى استقرار الأسعار، وهو ما يتطلب جهداً حكومياً استثنائياً، وجماهير شعبنا بانتظار النتائج، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا ممكن في ظل الظروف الحالية؟!.

فللحد من تذبذب الأسعار في الأسواق في ظل الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، تجد الحكومات نفسها عادة مضطرة للتدخل في تحديد الأسعار، ويكون تدخل الحكومات إما مباشرة بتحديد حد أعلى للأسعار في حال ميل الأسعار إلى الارتفاع، لضمان مستوى معيشة ذوي الدخل المحدود، أو بتحديد حد أدنى للأسعار لتحقيق سعر مضمون للفلاحين وصغار المنتجين من أجل حمايتهم من الإفلاس، كما يكون تدخل الحكومات أحياناً على نحو غير مباشر، سواء بتشجيع الإنتاج عن طريق تقديم الإعانات، مما يزيد من كمية المعروض من السلع فتتعدل الأسعار دون تدخل مباشر من الدولة، أو بتشجيع الاستهلاك عن طريق تقديم المعونات للضعفاء اقتصادياً، فيزداد الطلب على السلع وتتحسن أسعارها. وغالباً ما تعتمد الدول الطريقتين معاً لتحقيق التوازن بين الأسعار ومستويات الدخول مع توفير هامش ربح مقبول للمنتجين يساعدهم على زيادة الإنتاج وتحقيق النمو الاقتصادي. ولكننا في سورية غالباً ما يُدعم رأس المال على حساب السواد الأعظم من الجماهير الكادحة التي تكتفي الحكومات بدعمها بالشعارات والهتافات الرنانة، ومن ناحية أخرى قد تلجأ الدول لدعم منتجاتها وبيعها بأسعار أرخص من تكلفتها للمنافسة في السوق الدولية كبيع القمح على سبيل المثال.

السعر عامل مهم في الاقتصاد، ويوفر إشارات مهمة إلى النقص في بعض السلع، والفائض في بعضها عن الطلب عليها، كما أنه يشكل منظومة لتوزيع الدخول أيضاً، ويحفز زيادة الإنتاجية ومكافآت عوامل الإنتاج، وبذلك يوجه الموارد نحو القطاعات الأكثر تقدماً في الاقتصاد، مع التأكيد على أهمية البعد الاجتماعي للسياسة التسعيرة ومنعكساتها على المستوى المعيشي للسكان.