رجل فقد وطنه

سلمى مهنا
2014 / 1 / 31

رحت ابحث عن حبيبتى التى كنت اعشقها بجنون فوجدت بينى وبينها الاف الاميال،وقفت من بعيد تنظر لى باستغراب كانها لم تعرفنى وكانى اصبحت شخصا بلا ملامح ،بلا هوية ،كل الوجوه تناسبه ،كل الاوطان وطنه ،فانا رجل فقد هويتة بين طيات الزمان ،لم يتبقى بداخلى سوا الحطام ، ،لقد اصبحت شخصا اخر اكرهه يحمل على كتفه اقنعه يرتديها وقت ما يشاء واينما يشاء ،هذه لعنة البشر .
نظرت اليها باشتياق ،هذه حبيبتى التى عادت لى بعد الفراق،انتظرت ان تخبئنى بين ثنايا حضنها الدافىء عن اعين الناس والزمن ،وان تطبع على وجنتى قبله حانيه تمحى بها عنى قسوة السنين ،ولكنى عندما نظرت فى عينيها لم اجد غير نظرات بارده تمزق شراينى من شدة قسوتها ،فقد كنت ابحث بداخلها عن وطن يحتوينى ويداوى ما بى من الم ،حينها فقط احسست بان الف الف طعنة خنجر تمزق ضلوعى ،لم اقوى على البوح باوجاعى من شدة الالم ،حاولت الاقترب منها ،ولكنى كلما اقتربت منها ابتعدت هى عنى ،لماذا؟لماذا كل هذا الجفاء؟فانتى فى يوم ما كنتى لى وطن ،ظلت تنظر لى وهى صامته وعلى شفتيها ترتسم ابتسامه ساخره،وكان ما عاد حديث يجمعنا،وفجأه توقف الزمن واذا بنور ياتى من بعيد يحمل معه نسمات الامل ،وعندما اصبح على مقربة منا خفت النور واخذ يعرض ذكراياتنا معا ،فتذكرت ما كنت انا عليه ،كم كنت رجل طيب القلب عطوف ومحب ،كم كانت هى جميله عذبة الصوت تحمل ملامح طفله بريئة،تذكرت كم كنا سعداء نجرى ونلعب ونضحك معا ،ناخذ لحظات مسروقه من الزمن بعيدا عن كل البشر،هذه لحظات العاشقين ،قبلات مسروقه وهمسات ،وحضن يملئه الحنين الغير منقطع ابدا ،وكنت انظر لذكرايتنا معا وانا سعيد وبداخلى امنية واحده فقط ،ان تتذكر حبيبتى كم كنا اسعد عاشقين فى الوجود وتعود لى كسابق عهدها معى ،وعندما نظرت مره اخرى لشريط الذكريات رئيتها تغتصب، مطعونه ملاين الطعنات ،لقد مزقوا اوصالها ثم فرقوها بينهم ،نثروا دمائها فى شتى بقاع الارض ،امام عينى ولم احرك ساكنا ،ويحى ! ماذا فعلت؟،اتركتهم يغتالون حبيبتى؟!،نظرت اليها فوجدت عينيها تدمع دما ،كل قطرة تزرفها تلومنى على ما فعلته بها ،فانا الجبان الذى ترك حبيبته يهتك عرضها ،انا الاحمق الذى ترك غيره يمزق من احب ويرحل دون عقاب ،انا من خان عهود الهوى ،انا من ليس له ولاء لمعشوقته.
اخذت انظر اليها وانا اطلب الغفران ثم قولت لها الا يوجد هناك امل ؟،ابتسمت واقالت لى لم يتبقى من وطنك شىء ليعطيك الامل،اشجاره جفت وزهوره ذبلت وارضه سادها الضباب ،فكل ما تبقى فيه لك مجرد ذكرايات ،ارحل،ارحل كما رحلت من قبل ابحث لك عن وطن او عدة اوطان،لن انتقم منك ،واذا كنت تريد الصفح فانا صفحت عنك فهذا اشد عقاب،مثلك تائه، باع وطنة وقبض الثمن ثم يتبجح ويريد وطن !،يلا العجب،ارحل وخذ معك ذكرياتك السعيده قبل ان تضيع هى الاخرى كما ضاع وطنك ،واذا اردت التخلص منها فقم ببيعها لعل ثمنها يغنيك عن الوطن،اذهب بعيدا تجرع من كاس الذل ابدا الدهر،قولت لها ارجوكى لا تبتعدى عنى ،ولكنها اشاحت بوجهها عنى ورحلت وتركتنى وحيد ابكى على ما اضعته من بين يدى .
لم اعد لوطنى ولم احصل على السكينه ،فعدت اتسكع فى الطرقات وسط الضباب ،وسوف اظل هكذا الى ان يحتوينى الموت ،وان تحتضن الارض جسدى .