عن النظام الديموقراطي وفيروس العسكر والدين

رياض حمادي
2014 / 1 / 28

يناقش أرسطو في كتابه الثاني من مؤلفه "السياسة" ستة أنظمة سياسية يتخيلها لستة أنواع من المواطنين. واحد من هذه الأنظمة هو النظام الديموقراطي, فهل هذا النظام مناسب للمجتمعات العربية ؟!

المثاليون الذين لا يستطيعون الفصل بين رغباتهم وآمالهم أو الذين لا يستطيعون النظر أبعد من أنوفهم بالرغم من ثقافتهم الواسعة, سيجيبون بنعم !
الواقعيون سيطرحون المزيد من الأسئلة مثلاً : ليس السؤال هل النظام الديموقراطي مناسب للمجتمعات العربية الإسلامية وإنما هل هو ممكن ؟!

فشل مصر في الدرس الديموقراطي, كمثال أو كنموذج للتجربة الديموقراطية, يصلح للجواب على السؤالين المطروحين, بعيداً عن الإجابة بالنفي والإيجاب. في هذه الحالة علينا أن نستنجد بعلوم الكمبيوتر !
لو تخيلنا أن الديموقراطية نظام تشغيل والناس هي الأجهزة, يمكننا حينها برمجة أو تنصيب النظام الديموقراطي على أي جهاز لو لم نعرف حقيقة برمجية أو "كومبيوترية" هي وجود أنظمة مختلفة تصلح فقط للعمل على أجهزة معينة دون غيرها !
ينبغي أولاً, وقد استعرنا مثال الكمبيوتر, التخلص من الفيروسات حتى لا يكون النظام الديموقراطي قابلاً للانهيار في أي لحظة !

تدخل الجيش في شئون الدولة والسياسة والحياة المدنية, وفي حال اعتباره أحد فيروسات النظام الديموقراطي إلى جانب فيروس التدخل الديني, لا يمكن الحد منه أو منعه ما لم تكن العتاد أو الأجهزة مزودة بمكافح فيروسات! والحال أن أغلب الأجهزة العربية بيئة جاذبة لفيروسات التدخل العسكري والديني في شئونها المدنية والسياسية. والمشكل أن بيئة تنصيب مكافح الفيروسات تتطلب برنامج طويل المدى يقوم على نوعية التعليم والثقافة وهذه خطوة ليس لها بوادر وتشي في الظروف الراهنة بإمكانية الإجابة بلا على السؤالين المطروحين أعلاه.

ومثلما هو الحال مع الفيروسات الناقلة للأمراض التي لا تخلو من فائدة مثل تقوية المناعة ضدها. هذه الفائدة تتحقق في الجسم البشري لوجود قاعدة بيانات بيولوجية تقوم برصد الفيروس وتسجيله كعدو ليتم الاستعداد للتعامل معه في حال أي تدخل جديد. أما في حالة المجتمعات العربية الإسلامية فهذه القاعدة غير متوفرة وذاكرتها مصابة بعطب يمنعها من التذكر فتعيد تجريب المجرب الذي ثبت فشله مرة أخرى !

التعريف المبسط لكلمة ثقافة هي تلك التي تجعل صاحبها قادراً على النظر أبعد من أنفه ! والحال أن "الربيع العربي" منع أغلب المثقفين العرب وهم في غمرة حماسهم من إمكانية إعادة تجريب المجرب ! بل وربما الأسوأ منه . لم يكتفوا بهذا بل كفروا كل من حاول النظر إلى أبعد من أنوفهم واتهموهم بالخيانة والتملص من دور المثقف, على اعتبار أن تعريف دور المثقف في قواميسهم هو من يقول : "اللي يجوز أمي أقله يا عمي"!

لكن إذا لم تكن هذه المجتمعات أو القوى التي تسيره مهيأة بعد لتجريب النظام الديموقراطي فأي نظام يصلح لها وأي نظام هو السائد ؟!
القول بغياب بيئة صالحة لاستزراع أو تنصيب النظام الديموقراطي شيء, والقول عن الكف عن التجريب شيء آخر لم نقله, على اعتبار ان التجريب مرادف للتمرين وهو مقدمة لتهيئة البيئة المقصودة. أما النظام السائد قبل وبعد "الربيع العربي" فليس النظام العمودي الفراهيدي ولا هو النظام التفعيلي, وإنما يمكن تسميته بالنظام "الحلمنتيشي" نسبة إلى الأحلام, غير المتحققة, هذه المرة, وليس إلى "الحلمية" كما هو عند الشاعر حسين شفيق المصري الذي ابتكر هذه التسمية نسبة, على غير قياس, إلى قهوة الحلمية التي كان يرتادها ويكتب فيها معظم أشعاره. كما يمكن تسميته بالنظام "الفهلوي" و "الخلطبيطي" أو أي تسمية تفيد غياب هدف واضح من وجوده!

مثل هذه المجتمعات لا يصلح لها شيء ويصلح لها أي شيء إلا النظام الديموقراطي لأنها ستلفظه تارة بربطه بالكفر والإلحاد وتارة بمفهوم "الحق الإلهي" و "التمكين الرباني" ! وفي كل مرة تلفظه فيها ستلجأ إلى خيارها الأثير, وهو لزوم قائد "دكر" و "فحل" يفكر وينفذ ويخطط عنها بشرط أن يوفر لها "لقمة العيش"!

في هذه المجتمعات التي يرتبط فيها تعريف الفيروس في أذهان الجماهير الغفورة كمرادف للخير والصالح العام, من السهل وصولها إلى سدة السلطة والحكم عبر صناديق الاقتراع وباختيار ورضا الأغلبية. ويمكن حينها اعتبار هذه الأنظمة ديموقراطية في الظاهر كونها تحظى بقبول أغلبية الشعب والنخب! لكن جوهرها يفتقر لمضامين الديموقراطية وتوأمها العلمانية والحداثة.

في هذه الحالة من اختلاط المفاهيم لا يمكن فرض نظام بعينه. لأن صبغة الحكم تاريخية وتنبع من المجتمع نفسه والحركة هنا تكون من الأسفل إلى الأعلى, كما قال عبدالكريم سروش في كتابه "الدين العلماني, "فليست الحكومة العلمانية هي التي جعلت الناس علمانيين, بل أن الناس العلمانيين هم الذين جعلوا من حكومتهم علمانية. ونفس هذه الحكاية تصدق مورد الحكومة الدينية, فالحكومة الدينية لا تجعل الناس متدينين, بل أن الناس المتدينين هم الذين يفرضون على حكومتهم أن تلتزم بتعاليم الدين وتحترم أحكام الشريعة".

وبلغة الدين {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لجعل مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ ديموقراطيين أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ علمانيين } !!

الانتقال من هذا الطور "الحلمنتيشي" و "الخلطبيطي" أو "الديموقراطي" في ظاهره, إلى الديموقراطية الحقيقية, لن يكون بأن يقيض الله له علي بابا أو "الربيع العربي", الذي اعتبره البعض كلمة السر لفتح المغارة والتخلص من الأربعين حرامي !, ولا بتبني نظام هجين تحت ذريعة "الخصوصية" و "الثوابت", وإنما يتطلب وقتاً إلى أن يتخلق مكافح يعي خطورة هذه الأنظمة. هذا المكافح يتخلق بطريقتين : بالاستفادة من قانون "لا يلدغ المرء من جحرٍ مرتين" مع الاستمرار ببث برنامج "التنوير" الذي يجب نقله على الهواء مباشرة على قناة "الحرية" دون تدخل من عبدالرقيب !

وسلام مربع يا جدعان !!