الصناعة السورية... خسائر «بالجملة» تفوق الدمار

علاء جوزيف أوسي
2014 / 1 / 22

انعكست الأزمة الراهنة سلباً على القطاع الصناعي، بإضافة أمراض جديدة لأمراضه المزمنة التي كان يعانيها سابقاً فبلغت قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاعين العام والخاص منذ بداية الأزمة 336مليار ليرة سورية، منها نحو 230 مليار ليرة أضرار القطاع الخاص، وأضرار القطاع العام نحو 106مليارات ليرة، وذلك وفق ما أفاد به وزير الصناعة بداية تشرين الثاني الماضي، مؤكداً أن هذا الرقم ليس نهائياً، لعدم القدرة على الوصول إلى بعض الشركات والمنشآت لوجود العصابات الإرهابية فيها أو في محيطها، وتقدير الأضرار بشكل واقعي، إلى جانب حساب بعض الأضرار في شركات القطاع العام حسب القيمة الدفترية فيما القيمة الفعلية تتجاوز ذلك بكثير. فقد أدت الأزمة إلى خروج 49 شركة ومعملاً ومحلجاً من المنشآت التابعة للوزارة إضافة إلى 14 شركة ومحلجين كانت متوقفة قبل الأزمة، كما أدت إلى انخفاض نسبة تنفيذ الاستثمارات في مؤسسات القطاع العام الصناعي إلى 15% فقط في عام 2012 وإلى 2% في النصف الأول من عام 2013.

وحسب دراسة لوزارة الإدارة المحلية فقد بلغت قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت باستثمارات المدن الصناعية الأربع في سورية (عدرا، الشيخ نجار، حسيا، دير الزور) بسبب الأزمة الراهنة نحو 417 مليون ليرة منها 180مليون ليرة سورية أضرار خاصة بالاستثمارات في هذه المدن، فيما بلغ عدد المنشآت المتوقفة عن البناء 3360 منشأة، وعدد المنشآت المتوقفة عن الإنتاج 548 منشأة، في حين تعطل 87484عاملاً عن العمل في هذه المدن، وهو ما يشكل خسارة مضاعفة خاصة بعد سفر جزء كبير من العمالة المدربة إلى الخارج، علماً أن تكلفة فرصة العمل للمنشآت تتراوح بين مليون ومليون ونصف ليرة سورية، وهو ما يحتاج إلى مبالغ طائلة لإعادة استقطاب العمالة الهاربة، وإنشاء مشاريع تستوعب العاطلين عن العمل.

يضاف إلى ذلك الأضرار وخسائر المنشآت الصناعية الخاصة والمصانع المتناهية الصغر والورش التي كانت تزود المعامل الأخرى الصغيرة والمتوسطة بمنتجاتها وخدماتها في المحافظات الأخرى، فقد تجاوزت الخسائر في (دمشق وريفها وحلب وحماة) عتبة الـ67 مليار ليرة سورية، إضافة إلى توقف آلاف المنشآت الصناعية الحرفية. ففي حلب وحدها استبيحت 33 ألف منشأة صناعية وحرفية موزعة ضمن 44 منطقة صناعية، ووفق تصريح سابق لوزير الصناعة فإن إجمالي عدد المنشآت المسجلة حتى نهاية عام 2012 بلغ 130216 منشأة صناعية وحرفية، أيضاً بلغت خسائر المصرف الصناعي في عامي 2011و 2012 نحو 4 مليارات ليرة تتكون بمجملها من القروض التي لم يتمكن مقترضوها من سداد أقساطها المتراكمة، هذا عدا خسائر المصارف العامة والخاصة الأخرى.

إن الأرقام المذكورة هي أرقام أولية معرضة للزيادة في ظل استمرار أعمال العنف والتدمير، وهو ما يؤكد الخسائر الكبيرة التي طالت الاقتصاد السوري، بسبب الأضرار المباشرة إضافة إلى فوات أرباح وخسائر الشركات في القطاعين العام والخاص عن خزينة الدولة لثلاث سنوات تقريباً، إذ تقدر نسبة هامش الربح الصناعي بين 9-16% وهي أرقام كبيرة توازي في حجمها أضرار الدمار والسرقة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أدت الأزمة الراهنة إلى تراجع مساهمة القطاع الصناعي أكثر من السابق في الناتج القومي نتيجة حرق الأبنية والمستودعات والآلات مع تفاقم صعوبات النقل وإيصال البضائع، وصعوبة تأمين حوامل الطاقة اللازمة وارتفاع أسعارها كثيراً، إضافة إلى صعوبات فتح الاعتمادات اللازمة لمستلزمات الإنتاج، ما أدى لإغلاق الكثير من الفعاليات الصناعية والتجارية، بسبب ضعف الإجراءات والتدابير الأمنية المتخذة لحماية المنشآت الصناعية العامة والخاصة، وهو ما تجلى بسرقة المعامل وبيعها إلى تركيا، إضافة إلى العقوبات الجائرة التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الصناعي، وتراجع الاستثمارات وارتفاع نسب البطالة بعد هجرة المعامل والرساميل إلى الخارج، وبعضها خرج بإذن من وزارة الصناعة، وهو ما قررت الوزارة متأخرة- في بداية شهر تشرين أول 2013 عدم منح أية موافقة أو وثيقة لتصدير أية آلات أو معدات صناعية خارج سورية، فتدنت معدلات الإنتاجية وتعطل العديد من الأجهزة الإنتاجية في القطاع الحقيقي المحلي، وأدى بالتالي إلى حالة من القصور في العرض الكلي.

إن حماية الصناعة الوطنية ضرورة مهمة حالياً تتطلب مساعدة القطاع الصناعي العام والخاص على إعادة إعمار ما تهدم من المنشآت، وتأمين مستلزمات الإنتاج، مع تسهيل سياسة الإقراض والتمويل الصناعي، بتقديم قروض طويلة الأمد من دون فوائد أو بفوائد مخفضة جداً مهما كان حجم المشروع متناهي الصغر، أو صغيراً، أو متوسطاً والمشاريع الكبيرة، ومعالجة وضع المشاريع المتعثرة عن السداد، مع تقديم إعفاءات ضريبية عن المواد الأولية والآلات اللازمة لدوران عجلة الإنتاج.

إن إعادة بناء الصناعة واستقطاب الصناعيين المهاجرين يتطلب تقديم التسهيلات والدعم الكافي للاستثمارات الصناعية وتبسيط الإجراءات الحكومية البيروقراطية لتوفر الظروف المناسبة للعمل والإنتاج الصناعي، وإعادة النظر بالاتفاقات التجارية الموقعة مع الدول الأخرى بشكل يستجيب لمصلحة الاقتصاد الوطني والصناعة الوطنية.