إشراقات فنية في ديوان الأخوين الشهيدين باسم وحسين لوالدهما الأستاذ صادق صبيحات

عمر عتيق
2014 / 1 / 16




إشراقات فنية في ديوان الأخوين الشهيدين باسم وحسين
لوالدهما الأستاذ صادق صبيحات
د. عمر عتيق



تعاين الدراسة ثمانية محاور تشكل الفضاء الدلالي والمعمار الفني لقصائد الديوان ، وهي شبكة العلاقات الدلالية لغلاف الديوان ، ودلالة التقديم والإهداء ، والتجديد في قصيدة الرثاء ، والعلاقة بين عنوان القصيدة ومضمونها ، والمرجعيات الثقافية التي استعان بها الشاعر في تجربته الشعرية ، وذاكرة المكان ، والأساليب اللغوية ، ونبض الذاكرة في يوميات الشاعر المعلم .
الدلالة السيميائية لغلاف الديوان
يشكل غلاف الديوان لوحة من ثلاثة أبعاد متداخلة ومتكاملة ؛ الشهداء والوطن والاحتلال ؛ أما الشهداء فقد اختزلهم الغلاف بالشهيدين باسم وحسين ، وعلى الرغم من علاقة الأبوة بين الشاعر والشهيدين إلا أن الشهيدين يجسدان الشهداء جميعا في ذاكرة الشاعر ووجدانه ، ويعبران عن نبض الأرض في القصائد الوطنية . وأما الوطن فيمثله العلم الوطن الذي اندغم بصورة الشهيدين ،إذ لا انفصام بين الشهيد والعلًم ؛ لأن العلاقة بينهما علاقة الدم بالجسد والنبض بالقلب . وأما الاحتلال فقد تجسد بالأسلاك الشائكة التي بدت صورة خافتة منطفئة ، وأرى أن هذا الخفوت والانطفاء في لون الأسلاك الشائكة يعبر عن تفوق الإرادة على الاحتلال ، وعنفوان الحرية المنتظرة على القيود والحصار .
عتبات الديوان ( المقدمة والإهداء)
اختار الشاعر أن يكون متميزا عن غيره من الشعراء في عتبات الديوان ، وأعني بالعتبات المقدمةَ والإهداء ؛ فكتب المقدمة بقلمه معللا فيها تسمية الديوان ، وملخصا سيرته الذاتية في سطور . وقد جرت العادةُ أن يكتب ناقد أو كاتب مقدمة الديوان قبل إصداره ، ولكن شاعرنا تولى المهمة بنفسه ليكون المقدم والشاعر .ويحفزني هذا التجديد في الإصدارات الأدبية أن أدعو الشعراء إلى الإفادة من تجربة شاعرنا فيكتبون مقدمات دواوينهم على غرار الشعراء المتميزين كالشاعر أحمد دحبور والشاعر يوسف الخطيب اللذين قدما لأعمالهم الشعرية بسيرة ذاتية مهدت للقارئ تلقي قصائد الديوان . ولا يخفى الفرق بين ديوان يستهله شاعره بمقدمة ترسم فضاء دلاليا ونفسيا للديوان ، وديوان يطل علينا بقصائده دون تمهيد .
كما عمد الشاعر إلى التجديد في الإهداء ، فاختار أن يكون الإهداء قصيدة على خلاف عبارات النثر المعهودة في صفحة الإهداء للإصدارات الأدبية . واختيار الشعر دون النثر في عتبة الإهداء يؤكد أن لغة الشعر هي الأكثر تأثيرا وإثارة في وجدان الشاعر في مناجاة ولديه الشهيدين ، وأن مشاعره في لحظات كتابة الإهداء تدفقت شعرا يفيض حبا وفخرا. فاللغة بنت المشاعر ، والكلمات بنات القلب ، ومن يتأمل العلاقة بين القصائد ومناسباتها يجد أن لغة الشعر هي أسلوب الشاعر في التعبير عن القضايا المصيرية وعن القضايا المألوفة التي تواجهنا في تفاصيل الحياة ، وما دام هذا نهج الشاعر في التعبير عن موقف أو إحساس فكيف لا تكون لغة الإهداء شعرا ؟!
التجديد في قصيدة الرثاء
تتجلى في رثاء الأب الشاعر لابنه الشهيد باسم في القصيدتين الأولى والثانية من الديوان تقنيتان فنيتان في بناء قصيدة الرثاء ؛ الأولى : تقنية الربط بين الشهيد باسم ورفاقه في مجموعات الفهد الأسود التي جسدت مرحلة ثورية في بدايات الانتفاضة الأولى ، فالرثاء أو النعي لم يعد دموعا وآهات وحسرات بل أضحى النعي صفحة من التاريخ الثوري ، وسجلا بطوليا يُضاف إلى ذاكرة الوطن . والثانية : تقنية الصورة البصرية التي ترسم أجواء المعركة والمواجهات التي أفضت إلى ارتقاء باسم شهيدا ، وما زالت تفاصيل المواجهة البطولية تشكل نبض ذاكرة الشاعر وتحدد مشاعره تجاه ابنه الشهيد ، ولهذا تكررت الصورة البصرية في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد باسم في القصيدة الثانية للديوان ، وأكاد أجزم أن تفاصيل تلك الصورة ما تزال خلية نابضة لأية قصيدة تولد بعد هذا الديوان .
كما تكررت الصورة ذاتها في قصيدة ( الشهيد المستحق لاسمه ) التي نظمها في الذكرى الخامسة لاستشهاد باسم . ويبدو أن ذاكرة الشاعر الأب قد توهجت بعد خمس سنوات فأضاءت تفاصيلَ لم ترد في قصائد الرثاء الأولى ، إذ أضافت القصيدة مشاهد جديدة تصور جبن جنود الاحتلال الذين لم يجرؤوا من الاقتراب من جثمان الشهيد فأطلقوا الكلاب قبل أن يقتربوا من الجثمان !! فإذا كان جثمان الشهيد يُرعبهم فكيف كان خوفهم من باسم حيا مقاوما ؟!! وهذه هي الدلالة التي تكمن في الصورة الجديدة التي توهجت بها ذاكرة الشاعر بعد خمس سنوات على رحيل الشهيد .ونجد بعض مكونات الصورة السابقة ماثلة في القصيدة التي نظمها في الذكرى السابعة لرحيل باسم .
وتجمع قصائد رثاء الشهيدين بين الشعور بالفجيعة وعنفوان الإرادة ، نحو قصيدة ( للأوطان في دمنا حقوق ) التي تبدأ بانكسار قلب وتنتهي بانتصار إرادة ..تبدأ برثاء أب لابنه ، وتنتهي برثاء العربان الذين ناموا عن واجبهم تجاه القدس ، فالرثاء لدى الشاعر يتحول تدريجيا في القصيدة الواحدة من رثاء شخصي إلى رثاء وطني .


العلاقة بين عنوان القصيدة ومضمونها
قد تبدو بعض القصائد مرتبطة بمناسبة خاصة أو موقف محدد كما يوحي عنوانها ، ولكن من يتأمل حنايا القصائد يجد أن الخصوصية في عنوان القصيدة تتحول تدريجيا إلى موقف عام يغلب عليه الموقف الوطني والفضاء السياسي كما هي الحال في عنوان قصيدة ( حصار الرئيس ) التي ترتبط ظاهريا بمناسبة محددة لكن مضمون ابياتها وبخاصة الأبيات الأولى تصور العلاقة الوجودية الوجدانية التي تربط القدس بالفلسطيني ، ومن المعلوم أن السبب الجوهري لحصار الرئيس هو تمسك الرئيس الشهيد بالقدس ، ورفضه لخطة كلينتون المشهورة ، وبهذا تتحول القصيدة من مناسبة خاصة إلى موقف وطني سياسي .
المرجعيات الثقافية في القصيدة
يحفل الديوان بالإشارات التاريخية التي تؤكد الوعي التاريخي للشاعر ، وقدرته على استحضار المواقف والشخصيات من الماضي البعيد وتوظيفها في سياق الواقع السياسي الفلسطيني ، وهي سمة تُسجل للشاعر الذي أثبت قدرة تاريخية وفنية في ربط النص الغائب بالنص الحاضر . ففي تصويره لاعتقال بعض رفاق الشهيد باسم يستحضر شخصية " قراقوش " ليرمز بها للسخرية مما يُسمى " محكمة إسرائيلية " ، ويستدعي من عبق التاريخ شخصيات هارون الرشيد والمعتصم وصلاح الدين في سياق قصيدة حصار الرئيس الشهيد عرفات ليربط بين المواقف البطولية التي أدت إلى حصار الرئيس الشهيد والمواقف المشرفة تلك الشخصيات .


كما يتجلى التناص الديني في الديوان ، وبخاص حينما يمتص الشاعر دلالة قوله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ-;- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) ، فيعمد الشاعر إلى توظيف الآية في قصيدته ( ولدي حسين ) التي جاء مطلعها معطرا بدلالة الآية :
ولدي حسين لمن بعتم تجارتكم إني استرحتُ بأن قلتم من الشاري
بشراكم بربح جل مجزلُه جل الكريمُ فنعم البيعُ والشاري
وتتجلى المرجعيات الدينية في توظيف المعجزة الربانية التي تمثلت بالإسراء والمعراج في قصيدة ( القدس في قلوبنا ) ، إذ يسعى الشاعر من استحضار تفاصيل الإسراء والمعراج إلى مواجهة سياسة التهويد والتغريب والطمس التي تتعرض لها أولى القبلتين .
ويحفل الديوان بالمرجعيات السياسية في غير قصيدة يذكر فيها الشاعر أسماء السياسيين الين يتحكمون بمصير الشعوب المقهورة ، ويدل تكرار أسماء الساسة على متابعة الشاعر للأحداث المعاصرة ووعيه بالمخططات السياسية ، ولكنه يحرص على توظيف تلك الأسماء في السياق السياسي الفلسطيني.
ويستحضر الشاعر اسماء الشهداء من الأحداث المعاصرة ، ويختار أكثر الأسماء إثارة وتأثيرا في الوجدان الفلسطيني بل الإنساني عموما حينما يقارن في قصيدة ( إني فلسطيني ) بين الطفلة الشهيدة (إيمان حجو ) وجبروت أوغاد الاحتلال بهدف الكشف عن سادية الاحتلال الذي لا يفرق بين براءة الطفولة والمقاتل الذي يمتشق سلاحه . ويلجأ في القصيدة نفسها إلى التجانس اللفظي في الربط بين جريمة نيرون وجرائم شارون ، ليؤكد أن الجريمة في التاريخ لا تتجزأ على الرغم من اختلاف الأسماء والأزمان .ولأن شارون ولغ من دمائنا كما يلَغ الكلب فلا يكفيه ربط اسمه باسم نيرون ، إذ يُفلح الشاعر بربط اسمه بـ هولاكو في سياق دلالي منسجم .
ويستحضر الشاعر من جيوب الذاكرة صورا بطولية ذات صبغة قومية من خلال استدعاء الحادثة التي ضرب فيها الصحفي العراقي منتظر الزيدي بالحذاء وجه الرئيس الأمريكي بوش في قصيدة ( سلمت يداك يا زيدي ) ، وبهذا يكون حذاء الزيدي قد دخل بوابة التاريخ في حين عجز أشباه الرجال عن دخول التاريخ من النافذة .وفي السياق العراقي يسجل الشاعر الجريمة الكبرى في قصيدة ( العيد الأكدر) عيد الأضحى الذي شهد إعدام الرئيس الشهيد صدام حسين .
ذاكرة المكان
يشكل المكان في قصائد عدة نبضا وجدانيا وفضاء مثقلا بالذكرى ، نحو الأماكن التي شهدت مواجهات بين الشهيدين وجنود الاحتلال أو المكان الذي ارتقى فيه باسم وحسين شهيدين ، ففي قصيدة ( إرادة شهيد ) يجسد ( مفرق عناب ) علامة مكانية فارقة في الوجدان والذاكرة ، وهو المكان الذي ارتقى فيه الشهيد حسين .
أساليب لغوية
يوظف الشاعر حزمة من الظواهر الأسلوبية للتعبير عن الفكرة والعاطفة ، فيميل إلى توظيف تقنية التكرار الإفرادي والتركيبي للتعبير عن إلحاحه على الفكرة ، وكأن اللفظ المفرد أو الجملة الواحدة لا ينهضان بكثافة الدلالة وتوهج العاطفة ، نحو التكرار الذي ورد في مستهل قصيدة ( إني فلسطيني ) في قوله :( إني فلسطيني في أجدادي .... / إني فلسطيني في نسب الأولى / فالقدس قدسي والبلاد بلادي / القدس قدسي رغم كل أنوفهم ) ، وكذلك في قصيدة ( شدوا الرحال ) التي تكرر عنوانها في مستهل الأبيات الثلاثة الأولى ، ويجسد التكرار هنا رغبة الشاعر بالزحف لتحرير القدس ، ذلك الزحف الذي طال انتظاره ، ومن المألوف أن الرغبة حينما يطول انتظارها تستدعي منا تكرارا لتحقيقها .
نبض الذاكرة في يوميات معلم
في الجزء الثاني من الديوان الذي اسماه شاعرنا بـ ( متفرقات وفكاهات ) يحرص الشاعر على تسجيل يومياته التربوية فيبدأ بيوم أحال نفسه على التقاعد في قصيدة ( قفلت مودعا روحي ) التي يتجلى فيها حرص الشاعر المعلم على منظومة القيم التي زرعها في أذهان الطلاب ووجدانهم ، ويبدو الشاعر في القصيدة موزعا بين السكينة والقلق على مستقبل طلابه . ويستذكر في قصيدة ( زهور الشباب ) الجهود المباركة والمضنية الي بذلها في سنوات عمله في التدريس ، ولكن عزاءه الوحيد أن مهنة التعليم واجب وطني .وفي قصيدة ( سيد الأعراس ) يوثق الشاعر ممارسات سياسة الاحتلال التي كانت تتخذ من العقاب الجماعي وسيلة ، حينما يتعرض الأب أو أحد أفراد الأسرة للفصل من وظيفته أو لإجراءات عقابية أخرى بسبب النشاط السياسي لأبنائه .