تأملات نقدية في نصوص الأديبة سحر أبو ليل

عمر عتيق
2014 / 1 / 15

تأملات نقدية في نصوص الأديبة سحر أبو ليل

يبدو أن الأديبة تتنفس الطبيعةَ حينما تكتب ، وأن معجمها الأدبي مستل من مفاتن الطبيعة ، وأكاد أجزم أن قدرتها على التماهي مع الطبيعة يشير إلى مهارة في الرسم ،ترسم بالكلمات لوحات للورد والبحر والسماء كما يرسم الفنان بألوانه ، فالقارئ لنصوصها لا يكتفي بتحصيل المعنى وفهمه ؛لأن الصورة الخيالية تطفو على سطح المفردات ، وكأن المتلقي يرى صورا بصرية ولا يقرأ جملا لغوية ، وربما تكشف هذه العلاقة الحميمة بين الطبيعة والنص عن النسيج الوجداني للأديبة
ففي نص ( الرجل الذي أحب ) تتجلى الصورة العنقودية التي تمتد من بداية النص إلى نهايته ، وقد اشتملت الصورة العنقودية على أكثر من ثلاثين وصفا فنيا للرجل الذي أحب أو تحب ، وتدل هذه الكثافة التصويرية على توهج في الوجدان وتوقد في الخيال ، كما تدل على أن ذلك الرجل الموصوف هو رجل الاستثناء بامتياز ، فهو لا يقبع في زاويا الذاكرة ، ولا يلامس شغاف القلب من بعيد ،بل هو وشم الذاكرة ورحيق الحلم ، ويوسف القلب إن جاز التعبير ، ولو كان غير ذلك لما امتدت الصورة العنقودية على مساحة النص .ولا يقتصر إبداع الصورة العنقودية الفنية على سمة الامتداد والتنوع بل إن اللافت فيها صورة حركية نابضة بالحيوية ، نحو قولها : (نبيٌّ من الطل يترقرقُ فجراً يترنحُ ليلاً ربيعٌ ينثر نوّار اللوزِ ويعلو بنا الحب كي يصير للفضاء عينان. قوافلُ فراشاتٍ تتأهبُ للخروج...) فالترقرق والانتثار والترنح والعلو والتأهب هي صور حركية تُضمر خفقات قلب ودفقات وجدان ، وخلجات حلم ، وهذه الحركات تجسيد للانفعالات في لحظات كتابة النص ؛ إذ إن الكتابة انفعال واحتراق وتوهج مع اللغة .
كما يكشف النص عن تموجات صوتية في أعماق الكاتبة ، أصوات تحرصُ ألا يسمعها أحد لكن لغة النص أسمعتنا إياها ، ففي قولها :( لهاثُ الشهوةِ في تأججها على سطورِ الليل/ انت العندليب وأنا شدو الحنينِ على اغصانك/ بيدرٌ من صواعق الحبِّ لا يحصدُ/ هو الذي يجذب النساءَ كأغنيةٍ ويرقصُ كالأطفال/ وفي حديثهِ تعدو الزنابقُ حافيةً نحو بحارٍ وردية اللون.....الخ / فاللهاث والعندليب والشدو والصواعق والأغنيات هي أصوات يسكن بعضها على شرفات الذاكرة ، وبعضها ما زال صوت حلم قادم . كما يحفل النص بحزمة من الصور الضوئية التي تشبه عين كميرا التقطت مشاهد من الماضي أو مشاهد ما زالت في رحم الأمنيات نحو قولها :( برقُ الجموحِ في خيال الفرس/ نورُ إله يتجلى في لوحة الشفق،/ هو الرسّامُ والألوانُ الهاربة من لوحته....الخ / وما هذه الصور الضوئية إلا ومضات ذاكرة أو إشراقات في دهاليز الانتظار .
ويتكئ البناء الفني للنص السابق على تقنية الثنائيات ، نحو ثنائية الفجر والليل في قولها (يترقرقُ فجراً/ يترنحُ ليلاً )، وثنائية الصخب والهدوء (صاخبٌ كفكرةٍ نائمةٍ/ هادئ كذئبٍ/) وثنائية الحضور والغياب ... وتعبر هذه الثنائيات وغيرها عن التموجات النفسية ، وما يعتري الوجدان من التحليق والانكسار. كما أن بداية النص ونهايته تشكل ثنائية لافتة ؛ فقد بدأ النص متدفقا بالصور الفنية الممتدة أفقيا وتخيليا ، وانتهى النص بوصف ذلك الرجل بكلمات مفردة مجرة من سياقها الوصفي في قولها :(كن ما شئت / عصفورا / وردا حبقا ) .
ويتكون نص ( فتاة اللوز ) من فضائين ؛ فضاء رمزي تعبق منه الأنوثة التي تتجلى على مرايا الجمال ، وفضاء مكاني يتجسد بمدينة نابلس ، وبين الفضائين حكاية عشق الكاتبة لمدينة نابلس ، ولعل اختيار فضاء الأنوثة تمهيدا وتوطئة قبل البوح باسم نابلس يعبر عن حزمة المشاعر التي نسجت حكاية العشق لنابلس . وقد وظفت الأديبة تقنية الأنسنة حينما صورت ميلاد النهار في المدينة بإمرأة تنهض من نومها وتحتفل بزينتها . وتضيف الأديبة فضاء آخر حينما تربط بين نابلس وكنعان لتؤكد على كنعانية المدينة التي عشقتها .
وتستحضر ضيفتنا شخصية "لاكشمي" الكهرمانةُ المضيئة عنوانا للنص ، ولكشمي هي شخصية أسطورية في التراث الهندوسي ، وترمز إلى آلهة الحظ والمال ، وتصورها الأيقونات الدينية الهندوسية بأربع أيد، وقد ظهر بعض صفاتها في النص وبخاصة الأيدي الأربعة ولونها الأبيض الناصع ، ووقوفها فوق زهرة اللوتس. وأرى أن هذا النص الرمزي الأسطوري يُخفي في حناياه تجربة شخصية للكاتبة ، وأكاد أرى في لاكشمي "سحرأبو ليل " ، وفي كثافة الاستفهام في النص أسمع صوت الكاتبة الرافض لثقافة اجتماعية سائدة ، وربما يؤول المتلقي هذا النص الرمزي تأويلا آخر فيرى في لاكشمي وطنا ، فالنص يبقى مفتوحا للتأويل .
ويمثل نص ( البستاني الجميل ) صورة الفلسطيني المخلوق من نطفة الأرض ، المعجون من عبق التاريخ ، ويعرض النص مفارقة بين الفلسطيني الذي لا يملك من حطام الدنيا سوى جذوره في هذه الأرض وانتظاره لحلم الهوية ، واليهودي المترف المتخم بشهوات الدنيا . وتأتي خاتمة النص لتشكل البؤرة الدلالية والنبض الوجداني للنص كله في قولها :
البستانيّ الفلسطيني الجميل
لا يريد شيئاً ..
سوى ان يعلمَ المحتلَّ ..
لغةّ الورودِ حين تضحك !