اقتصاد العنف

علاء جوزيف أوسي
2014 / 1 / 14

شهد العالم على مدى التاريخ العديد من الحركات الاحتجاجية والحروب التي ولدت حالات من العنف في المجتمعات، وشكلت محطات هامة في انتقالها من حالة إلى أخرى، مغيرة الطبيعة الاقتصادية في المجتمع من حال إلى أخرى، كالحروب الدينية والسياسية الاقتصادية التي مرت بها البشرية جمعاء ودون استثناء. ومع تزايد وتيرة الحروب منذ القرن الماضي تجلت العلاقة القوية (بين صناعة المال وصناعة الحرب) خاصة مع دخول عنصر التربح التجاري للحروب الحديثة وسيادة الصناعات الحربية بين صناعات القطبين الأمريكي والأوربي الغربي، مستغلين بذلك عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده العديد من المناطق في العالم، حيث تتجه الحكومات إلى زيادة الإنفاق على التسلح لتأمين حدودها ومواردها وصد المعتدين، كما أن الدول المصنّعة للسلاح تعمل في كثير من الأحيان على إشاعة العنف في بؤر من المعمورة لتسويق أسلحتها أو تجريب الجديد منها، وبالتوازي مع تطور صناعة الأسلحة زاد دعم المرتزقة والمجموعة الإرهابية والمسلحة، كتنظيم القاعدة الذي أوجدته الولايات المتحدة ودعمته، بالاشتراك مع حلفائها الإقليميين، تمويلاً وتسليحاً.

وتلعب صناعة السلاح دوراً متناقضاً، فهي من جهة ضرورية لتحافظ الأمم على استقلالها دون الاعتماد على الغير، لكنها تسمح في الوقت عينه لمالكها بالتعدّي على استقلال الدول الأخرى، وبات الإنفاق العسكري العالمي يشكّل 2.6% من الدخل القومي لمجموع دول العالم، ما يعادل 236 دولاراً لكل فرد من المليارات السبعة التي تعيش على سطح الكرة الأرضية.

أنواع العنف

يشير التاريخ إلى أن الحروب قامت بتدمير القوى المنتجة والشبكات الاجتماعية في البلدان المستهدفة، وهدف العنف الذي ولدته تلك الحروب ترويع الآخرين والتعدي على حريتهم، فتعددت أنواع العنف التي استخدمت ومورست، ونلاحظ نشأة نمط من العنف الداخلي (الطائفي والمذهبي والديني والإثني)، فضلاً عن العنف ضد المرأة والطفل، وهو النمط المتأصل في المجتمعات الذكورية. وقد اختلط العنف بالإيديولوجيات والأديان لينتج أنماطاً من العنف تستمد شرعيتها من الخطاب السياسي أو الديني للأطراف المتحاربة، و تحول العنف إلى واجب مقدس لدى البعض، وتجلى ذلك في العنف الإرهابي الديني الذي يجد ضالته في تفسير النصوص المقدسة وصولاً إلى تكفير الآخر، وكذلك في الخطاب السياسي الذي يستمد مشروعيته من أوهام البقاء للدفاع عن المصالح الحيوية للأمة (حسب تعريفهم) ومن وحي الأفكار والمبادئ الدكتاتورية أو مقتضيات الحفاظ على الفئات المالكة أو من يدعي الخلافة في الأرض، والمستميتة في الدفاع عن عوامل البقاء مهما كلف ذلك من تضحيات ، إضافة إلى نمط جديد تجلى بشكل واضح في الأزمة السورية وهو العنف الاقتصادي، الذي انتشر مع تفاقم المظاهر المسلحة وتردي الأوضاع الأمنية، فازدادت جرائم العنف تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة في سورية، فالعنف يستخدم القوة من أجل السيطرة على الاقتصاد أو الحفاظ على المصالح المحققة، وبالتالي فالأزمة الاقتصادية تغذى العنف، ويعتقد الكثير من المفكرين أن البطالة والفقر مسببات للعنف والحروب والخلافات السياسية والعرقية.

بالتعريف

مع تعدد أشكال العنف المستخدم تعددت تعاريفه، ولكنه بشكل عام: (سلوك أو فعل يتسم بالعدوانية، يصدر عن طرف قد يكون فرداً أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة، بهدف استغلال طرف آخر وإخضاعه، في إطار علاقة قوة غير متكافئة اقتصادياً وسياسياً، مما يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية لفرد أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دول أخرى). وبهذا فالعنف مجموعة أفعال تعمل على خلق حالة من القلق وعدم الاستقرار في المجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى الاحتقان أحياناً، والذي يعد أحد أهم أسباب العنف المضاد، طبعاً مع اختلاف التأثير النسبي للعوامل المولدة للعنف من دولة إلى أخرى، طبقاً للاختلافات والتمايزات المرتبطة بالتركيب الاجتماعي والثقافي والبناء السياسي والظروف الاقتصادية.

الأزمة السورية والعنف

شهدت سورية منذ قرابة الثلاث سنوات حركات احتجاجية تحولت إلى هجمات مسلحة بعد انطلاقتها بشهور قليلة، أفضت إلى مواجهة داخلية مستمرة، وعدم استقرار أمني وسياسي، فتشكلت مجموعات وفرق بأسماء عديدة وانتشر السلاح في أوساط الطبقات الاجتماعية مترافقاَ مع انتشار ظواهر جديدة من خطف وسلب وسرقة، وتحولت لدى البعض إلى وسيلة كسب ماديٍ كبير .

لقد استغل البعض تردي الأوضاع الاقتصادية ليحقق مكاسب خيالية غير مشروعة، فتحولوا إلى تجار أزمات وحروب يمتصون دماء السوريين ، إذ سيطرت فئة منهم على الأسواق مستغلة بعض القوانين التي سنت في العقد الماضي في سياق فرض السوق الحرة، وتولى البعض تسويق السلاح إلى المجموعات المسلحة، واستغل ضعاف النفوس من القائمين على الحواجز الأمنية مواقعهم لفرض (أتاوات) لتسهيل مرور سيارات البضائع، وهم يسعون جاهدين لاستمرار رحى الحرب للحفاظ على مكاسبهم التي يحققونها،أما الخاسر الوحيد فكان المواطن السوري.

في ظل الأزمة الراهنة تحول العنف في المجتمع السوري إلى سلوك عام يبرره البعض بـ(الدفاع عن النفس) وهو أمر يهدد استقرار المجتمع ويؤدي إلى إراقة مزيد من الدماء.

لذلك، ومن أجل الحد من ظاهرة العنف، على الحكومة اتباع سياسات نحو الحد من البطالة، وزيادة معدل النمو الاقتصاد السوري، وتوجيه الشباب العاطلين عن العمل إلى نشاطات ذات طابع إنتاجي.

بالأرقام

تحتل الدول العربية المركز الأول عالمياً على صعيد الإنفاق العسكري والأمني، وقدِّر الإنفاق عامي 2011-2012 بأكثر من 300 مليار دولار أميركي، مقارنة مع ما يقارب 820 مليار دولار الحجم الكلي للناتج سنوياً، كما قدر إجمالي الإنفاق العسكري والأمني للبلدان العربية بنحو 680 مليار دولار بين 2002-،2010 ما يؤكد حسب تقرير صادر عن الجامعة العربية أن هذا الإنفاق زاد في 2011-2012 بمعدل 161 مليار دولار ، الأمر الذي يعزوه الخبراء إلى زيادة غالبية الحكومات العربية لأعداد جيوشها وأجهزتها الأمنية، وشراء أسلحة ومعدات عسكرية وأمنية، خاصة في بلدان الخليج العربي، وذلك على وقع (الربيع العربي) والمخاوف من امتداد تداعياته لتشمل دول مجلس التعاون، إضافة إلى توتر العلاقات مع إيران على خلفية البرنامج النووي الإيراني والأزمة السورية. ووفقاً لتقديرات الخبراء سيكون عام 2013 الأعلى بلا منازع مقارنة مع الحجم الكلي للناتج والإنفاق الجاري للبلدان العربية سنوياً، بارتفاعها إلى ما نسبته 26%.

ويعرف تقرير التنمية البشرية العالمي لعام ،2013 الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الإنفاق للأغراض العسكرية، بأنه (مجموع نفقات وزارة الدفاع والوزارات الأخرى على تجنيد العسكريين وتدريبهم وتأمين الإمدادات والمعدات العسكرية). وحسب بيانات عام 2010 في التقرير نفسه فإن نسبة الإنفاق العربي على الأغراض العسكرية بلغت 5,5% من الناتج المحلي الإجمالي العربي. بينما كانت نسبة الإنفاق العربي على الصحة 2.6% من الناتج، ونسبة الإنفاق على التعليم 3.9% من الناتج. وللمقارنة بين إنفاق البلدان العربية في المجالين العسكري والأمني وباقي دول العالم، تنفق الولايات المتحدة الأميركية، التي يبلغ حجم إنفاقها 46% من حجم الإنفاق العالمي، ما نسبته 4% من دخلها القومي، بينما تنفق الصين ما نسبته 6,6% من دخلها القومي، وتنفق فرنسا ما نسبته4.2% وبريطانيا 3.8%، أما روسيا فتنفق ما يقارب 3.5%.

إن زيادة الإنفاق العسكري قد أثر سلباً على مجالات التنمية المختلفة، من صحة وتعليم وخدمات، وهنا يتضح حجم المفارقة، فالمبلغ الضروري للقضاء على الجوع في العالم بأسره يقارب ما نسبته 4 في المئة من الإنفاق العسكري للولايات المتحدة وحدها، فالأخيرة تنفق مئات مليارات الدولارات لتمويل حروبها حول العالم في سبيل (الحرية وحقوق الإنسان)، وتتسبب بذلك في مقتل آلاف المدنيين والأطفال في العراق وأفغانستان وليبيا واليمن وسورية ومناطق أخرى، وتحجم في المقابل عن تخصيص بضعة أعشار من ميزانيتها العسكرية لتؤمن الغذاء لبعض الأطفال الجياع حول العالم، مما يشير بوضوح إلى طبيعة المقاربة الامبريالية الأمريكية لمفهوم التزامها الدولي تجاه قضايا التنمية العالمية وحقوق الإنسان.