بانوراما الاقتصاد السوري 2013

علاء جوزيف أوسي
2014 / 1 / 8

عام جديد يمضي على سورية في ظل الأزمة الراهنة التي فاقمت أرقام الدمار والخراب والخسائر التي لحقت بالاقتصاد السوري، فقد تخطت الخسائر التي تكبدتها البلاد خلال الشهور الثلاثة والثلاثين الماضية عتبة ال100مليار دولار بكثير، وتراجع الناتج المحلي خلال أعوام الأزمة إلى النصف، بالتزامن مع خروج العديد من المعامل والمنشآت من الخدمة وتحويلها من منشآت مولدة للدخل والإنتاج، إلى منشآت مستنزفة للموارد ولموازنة الدولة، وهو ما أحدث تشوهاً في التركيب الهيكلي الذي أصاب البنية التركيبية للاقتصاد، فقد ازدادت نسبة مساهمة الزراعة إلى نحو 54% في الوقت الذي تراجعت قيمة الناتج الزراعي من 263مليار ليرة عام 2011 إلى 254 مليار ليرة عام 2013 وهو ما يشير إلى الدمار الهائل الذي لحق ببقية القطاعات، فرفع من نصيب القطاع الزراعي بصورة نسبية لا كمية.
ونتيجة لذلك خسر 2.3 مليون مواطن عملهم نتيجة إيقاف العديد من الأنشطة الاقتصادية، فارتفع معدل البطالة إلى 48.6% أي حرمان أكثر من 9ملايين شخص من مصدر دخلهم الرئيسي، كما ارتفعت معدلات الفقر المادي بشكل كبير، فدخل 6.7ملايين شخص إضافي دائرة الفقر العام، منهم 3.1ملايين دخلوا دائرة الفقر المدقع، وتهديم مليوناً ونصف مليون بيت بشكل جزئي أو كلي، فتسبب في نزوح جماعي داخل وخارج سورية، كل ذلك مع انخفاض القدرة الشرائية للعملة السورية متماشياً مع ارتفاع نسب التضخم لمعدلات وصلت إلى قرابة 300% فانخفض معدل الاستهلاك إلى 47% عام 2013 بعدما كان 18.8% عام ،2012 وهذا يعطي مؤشراً على تدني معدل رفاه الفرد في سورية إلى النصف تقريباً، فبات السوريون اليوم يعيشون أوضاعاً اقتصادية واجتماعية كارثية مع انسحاب الدولة من دورها الاجتماعي ورفعها الدعم عن العديد من السلع والمشتقات النفطية دون أي تعويض، كل ذلك في ظل الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار الذي تشهده البلاد، والذي جاء نتيجة للسياسات الاقتصادية المتبعة في العقد الماضي.
وبغض النظر عن دقة هذا الأرقام إلا أن ما نشهده على أرض الواقع من كوارث اجتماعية وإنسانية وتدمير للبنية التحتية التي بناها شعبنا بالجهد والعرق والدم والمال خلال سنوات، هو كفيل بتقديم صورة عن حجم الكارثة التي تحيط بنا.

نظرة عامة
ألحقت الحرب الدائرة في سورية أضراراً كبيرة بالاقتصاد، وتراجعت الإيرادات العامة للدولة والعائدات الحيوية التي تجنيها من السياحة وإنتاج النفط الذي انخفض إلى نحو 20ألف برميل يومياً من نحو 380 ألف برميل يومياً قبل الأزمة، أيضاً تقلصت التحويلات المالية من الخارج البالغة نحو 800 مليون دولار سنوياً، وتوقف تنفيذ اتفاقات التمويل الأجنبية، وهروب ما قدر بنحو 22 مليار دولار من الرساميل إلى الخارج، وخروج نسب كبيرة من رجال المال والأعمال السوريين إلى الخارج، فتعرّضت محرّكات الاقتصاد الأساسية لضربة قوية، وتراجعت في عام 2013 مؤشرات اقتصادية عديدة مصحوبة بقرارات حكومية انعكس العديد منها سلبياً على المواطن السوري.
وعلى الرغم من تعافي الليرة مطلع تشرين الأول الماضي، مع تراجع شبح العدوان العسكري الأمريكي، فسجلت أعلى مستوياتها منذ حزيران 167 ليرة مقابل الدولار، ففقدت الليرة 100% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي في الأشهر الأخيرة، إذ كانت يجري تداولها بسعر 47 ليرة مقابل الدولار قبل اندلاع الاحتجاجات، ليرتفع السعر خلال الأسبوع الثالث من حزيران 2013 إلى 225ل.س/دولار ويتجاوز سعره 300ليرة في أوقات أخرى، وهو ما أدى لاستنزاف جزء كبير من الاحتياطات النقدية المتراكمة لدى المركزي نتيجة لسياساته والقرارات التي اتخذها والتي أثارت إشكاليات عديدة في سوق القطع، فكان التركيز على تحقيق ثبات نسبي في سعر صرف الليرة السورية، بغض النظر عن مدى انعكاس ذلك على الاقتصاد الكلي (لجهة التضخم أو النمو أو البطالة أو التوازن المالي أو النقدي)، ولذلك كان عدم الانسجام واضحاً بين القائمين على السياسة النقدية والقائمين على السياسة المالية.

التبادل التجاري
تراجع حجم التجارة الخارجية في الفترة بين الربع الأول من 2011م والربع الأول من 2013بنسبة 95% بالنسبة للصادرات، و88% بالنسبة للواردات، وقد أفاد تقرير لهيئة تنمية وترويج الصادرات بتراجع قيمة الصادرات السورية الإجمالية (النفطية والسلعية) في فترة الأزمة من 1.9 مليار دولار في الربع الأول من 2011م إلى 94.7مليون دولار في الربع الأول من 2013م، بنسبة تراجع بلغت 95%، وبلغت قيمة الصادرات السورية خلال الربعين الأول والثاني من العام الماضي وفق الهيئة نحو مليار ليرة سورية.
كما أن نسبة المستوردات السورية من المواد الخام انخفضت انخفاضاً واضحاً نتيجة لتداعيات الأزمة التي أدت لتراجع العملية الإنتاجية، وبالتالي اقتصرت المستوردات على الحاجات الأساسية للمواطنين من السلع المصنعة، بالمقابل تضاعفت مستوردات السلع الاستهلاكية نظراً إلى الحاجة الماسة لتلبية حاجات السوق الأساسية بسبب التراجع الكبير في الإنتاج السلعي المحلي.
ومن أهم أسباب تدهور الصادرات السورية: تدمير قدرة سورية الإنتاجية وتعطيل الطرق التجارية والعقوبات الاقتصادية التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا، فبات الاستيراد صعباً، بسبب العقوبات وارتفاع أسعار الشحن والتأمين على البضائع التي تتأثر أجورها بالنزاعات والحروب بشكل مباشر.
وكخطوة لكسر حاجز العقوبات اتبعت الحكومة سياسة التوجه شرقاً، ولكنها فشلت في تحقيق ذلك على أرض الواقع إلا في الحدود الدنيا، فكيف ننجح في التوجه شرقاً من دون قطاع عام نشط، ومع وجود بعض الفاسدين الرافضين لهذه السياسات؟ وكيف نفسر عدم تنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الإيراني إلا بعد زيارة رئيس مجلس الوزراء على الرغم من الزيارة المتكررة التي تمت في السابق؟

الصناعة
انعكست الأزمة الراهنة سلباً على القطاع الصناعي بإضافة أمراض جديدة إلى أمراضه المزمنة التي كان يعانيها سابقاً فبلغت قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاعين العام والخاص منذ بداية الأزمة 336مليار ليرة سورية، منها نحو 230 مليار ليرة أضرار القطاع الخاص، وأضرار القطاع العام نحو 106مليارات ليرة، وذلك وفق ما أفاد به وزير الصناعة بداية تشرين الثاني الماضي، منبهاً أن هذا الرقم ليس نهائياً، لعدم القدرة على الوصول إلى بعض الشركات والمنشآت لوجود العصابات الإرهابية فيها أو في محيطها، وتقدير الأضرار بشكل واقعي إلى جانب حساب بعض الأضرار في شركات القطاع العام حسب القيمة الدفترية فيما القيمة الفعلية تتجاوز ذلك بكثير، فقد أدت الأزمة إلى خروج 49 شركة ومعملاً ومحلجاً من المنشآت التابعة للوزارة إضافة إلى 14 شركة ومحلجين كانت متوقفة قبل الأزمة، كما أدت إلى انخفاض نسبة تنفيذ الاستثمارات في مؤسسات القطاع العام الصناعي إلى 15% فقط في عام 2012 وإلى 2% في النصف الأول من عام 2013.
وحسب دراسة لوزارة الادارة المحلية فقد بلغت قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت باستثمارات المدن الصناعية الأربع في سورية (عدرا، الشيخ نجار، حسيا ودير الزور) بسبب الأزمة الراهنة نحو 417 مليون ليرة منها 180مليون ليرة سورية أضرار خاصة بالاستثمارات في هذه المدن، فيما بلغ عدد المنشآت المتوقفة عن البناء 3360 منشأة، وعدد المنشآت المتوقفة عن الإنتاج 548 منشأة، في حين تعطل 87484عاملاً عن العمل في هذه المدن.
أدت الأزمة إلى تراجع مساهمة القطاع الصناعي أكثر من السابق نتيجة حرق الأبنية والمستودعات والآلات مع صعوبة تأمين حوامل الطاقة اللازمة وارتفاع أسعارها كثيراً، إضافة إلى صعوبات النقل وإيصال البضائع، وصعوبات فتح الاعتمادات الازمة لمستلزمات الإنتاج، ما أدى لإغلاق الكثير من الفعاليات الصناعية والتجارية بسبب ضعف الإجراءات والتدابير الأمنية المتخذة لحماية المنشآت الصناعية العامة والخاصة، وهو ما تجلى بسرقة المعامل وبيعها إلى تركيا، إضافة إلى العقوبات الجائرة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الصناعي، وتراجع الاستثمارات وارتفاع نسب البطالة، خاصة بعد هجرة المعامل والرساميل إلى الخارج، وبعضها خرج بإذن من وزارة الصناعة، وهو ما قررت الوزارة -متأخرة- في بداية شهر تشرين أول 2013 عدم منح أية موافقة أو وثيقة لتصدير أية آلات أو معدات صناعية خارج سورية، فتدنت معدلات الإنتاجية وتعطل العديد من الأجهزة الإنتاجية في القطاع الحقيقي المحلي، وأدى بالتالي إلى حالة من القصور في العرض الكلي. كل ذلك مصحوب بقصور حكومي في تفعيل دور الحكومة في العملية الاقتصادية، ما يحتم علينا اللجوء إلى خيار الاعتماد على النفس في مهمة توفير السلع والمنتجات للمواطن السوري.

الزراعة
عانى القطاع الزراعي ضغوطاً جمة بسبب الأزمة، فتقلصت المساحات المزروعة كثيراً بسبب الأوضاع الأمنية والصعوبات في توفير مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة وارتفاع أسعار المحروقات الذي انعكس على عمليات الري والنقل إلى مناطق التسويق، وما يكتنف ذلك من صعوبات جمة، في ظل انعدام الأمن على الطرقات، وأيضاً انقطاع التيار الكهربائي لدى المزارعين الذين حوّلوا محركاتهم إلى الكهرباء بعد ارتفاع أسعار المحروقات وندرتها، كل ذلك أدى إلى انخفاض الريعية الاقتصادية للمحاصيل الزراعية بسبب ارتفاع تكاليف مستلزماتها مع غياب التسعيرة المنصفة للمحاصيل ومنها القطن، وهو ما كان له تأثير على الأسواق المحلية تمثل بارتفاع أسعار مختلف السلع وفقدانها في بعض الأحيان.
يضاف إلى ذلك انتشار التلوث في بعض المناطق كريف الرقة، واستهداف المجموعات المسلحة لعدد من المناطق الزراعية والبنى التحتية كالمحالج، التي يُسوّق القطن إليها، وبيعها إلى تركيا، وقدرت الخسائر التي طالت البنى التحتية لوزارة الزراعة بـ 27 مليار ليرة سورية تراوحت بين آلات وآليات ومبان وتجهيزات وشبكات ري ومراكز بحوث وبنوك وراثية.
وذكر تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة FAO وبرنامج الغذاء العالمي WFP أن الأزمة كبدت القطاع الزراعي خسائر تقدر بـ 1.8مليار دولار أمريكي.
أضف إلى ذلك السياسات الحكومية السابقة والحالية التي انعكست سلباً على القطاع الزراعي، ومنها القرار الحكومي الصادر في نيسان الماضي بوقف تمويل ودعم محصول القطن للموسم الحالي، وذلك بعدم تقديم قروض للفلاحين.
في سياق متصل أكد عضو مجلس إدارة (اتحاد غرف الزراعة السورية) سلمان الأحمد أن وزير النفط والثروة المعدنية، رفض تخصيص المزارعين بمخصصاتهم من المازوت، علمًا أن الصناعي يحصل على مخصصاته الدورية من الوقود عبر (وزارة النفط)، وتوجه الأحمد باللوم الشديد على الحكومة بسبب ما أسماه (الإهمال) الذي يلاقيه منها اتحاد غرفة الزراعة السورية.

اقتراحات لمواجهة التحديات
إن الأزمة التي خلقها مخططون ومستفيدون وحاقدون وأصحاب مصالح وأطماع، تكالبوا جميعاً على المواطن السوري الذي جلَّ همه تأمين لقمة عيشه ومستقبل أبنائه، وهو ما يترافق مع تلكؤ الفريق الاقتصادي الموجود في إيجاد حلول ناجعة تقف في وجه استنزاف مقدرات الوطن والحد من استغلال المواطن من قبل حفنة من تجار الأزمات وبعض المتعاونين من المسؤولين اللامسؤولين، الأمر الذي يتطلب خطوات فاعلة من الجهات المسؤولة في مكافحة الفساد ومنع الاحتكار والمضاربة والتلاعب بقوت السوريين:
- تعديل بنية الاقتصاد الوطني لصالح قطاعات الإنتاج السلعي والتركيز على القطاع الزراعي أي التركيز على القطاعات الحيوية المنتجة: الزراعة والصناعة التحويلية وتسهيل حصول الصناعيين والمزارعين على القروض وتأمين مستلزمات الإنتاج، لتوفير مستلزمات المعيشة الضرورية للمواطنين مع الحفاظ على مقدرتهم الشرائية، بالاعتماد على الخبرات الوطنية، الأمر الذي يحدُّ من هجرة شبابنا.
- تعزيز التشاركية بين القطاعين العام الخاص المنتج في إنشاء صناعات جديدة متطورة، لتلبية الطلب الداخلي المتزايد بعد فرض الحصار على بلدنا، فيتم تحقق الاكتفاء الذاتي الغذائي والاستقلالية في المواد المصنعة ويستجيب للحاجيات الآنية لكل مواطن، ويدّخر ويضمن للأجيال القادمة قاعدة اقتصادية تكفل معيشتهم حاضراً ومستقبلاً.
- زيادة الاستثمارات الحكومية في القطاع الصناعي العام، وفي المشاريع الأساسية للبنية التحتية، والاهتمام بتعزيز الصناعات الصغيرة والمتوسطة، مع ضرورة أن تستهدف السياسات الاقتصادية زيادة دخل الفرد، وخلق قيم مضافة جديدة لخلق فرص عمل تقلِّص نسب البطالة وتقلل البطالة المقنعة في مؤسساتنا، بواسطة بناء مناخ مشجع للأعمال.
- إيلاء القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني الأهمية والعمل على إزالة المعوقات التي تقف في سبيل التنمية الزراعية، لدور هذا القطاع في تحقيق الأمن الغذائي ولأهميته الاقتصادية والاجتماعية.
ختاماً، إن المدخل الأساسي في أي علاج للوضع الاقتصادي يكمن في وقف العمليات العسكرية وأخذ البلاد إلى حل سياسي يوقف الدمار، ويبدأ في توفير أساسيات الحياة للسوريين، ومعالجة ما جرى تخريبه وتدميره في خلال الأزمة.