تأملات نقدية في قصائد سامح يوسف

عمر عتيق
2014 / 1 / 8

يثير الشاعر في قصيدة ( أنا ما اخترت ) ثنائية التخيير والتسيير ، وتختزل القصيدة برمتها قضية وجودية وهي أن الإنسان مسير وليس مخيرا . ويعرض في حنايا هذه الإشكالية لوحتين متناقضتين تشكلان الفجوة العميقة بين الخير والشر والحق والباطل . وتتضمن كل لوحة منهما نقدا اجتماعيا وسياسيا وموقفا أخلاقيا ... ففي اللوحة الأولى يرسم لوحة سوداوية مثقلة بمظاهر الفساد وانهيار منظومة القيم وانحراف بوصلة الإنسانية نحو مرافئ العدل والحرية والكرامة ، فيربط الأوسمة بالأقزام ، والكتب بالنيران ، والذاكرة بالنسيان وفي هذا الربط يكمن سخط الشاعر على مظاهر الفساد التي تتجلى في تكريم الأقزام وتهميش العظماء والعمالقة ، ويتجلى أيضا احتراق كلمة الحق وتوهج كلمة الباطل ، ويستدعي لهذه الصورة السوداوية المشهد الكارثي حينما حرق نيرون روما ... ونيرون في القصيدة ما زال حيا يعيث فسادا في غير دولة ، فهو رمز لدلالة حقيقية .
وفي اللوحة الثانية تتجلى مظاهر الخير والمحبة والأصالة ؛ فيربط اللسان بالصدق و الأجداد بالأصالة ، ويستدعي مظاهر الطبيعة لتشاركه مشاعره وفرحه بتجليات الفطرة الإنسانية وقدسية القيم والمثل العليا ، فتبدو الطبيعة في هذه اللوحة قمحا بلون الجلد ، وعشبا لسحر العين ، واللجوء إلى الطبيعة سمة الشعر الرومانسي كما هو معلوم . ثم يختم القصيدة برؤية فلسفية افتراضية وهي العودة بعد الموت التي تتيح للإنسان أن يختار مفردات حياته وتفاصيل وجوده ، وما دام الأمر افتراضيا فالشاعر يؤكد أن سيختار الأم التي ترمز للوطن واللغة الرامزة دائما للهوية ، والقرآن عقيدة ، وفي هذا الاختيار تكمن رغبة الشاعر التي تشكل عصب ثقافته الحاضرة والتي تتعرض لمحاولات الطمس والتغييب انها ثقافة الوطن والهوية والعقيدة
وفي قصيدة ( تمثال الحرية ) المنتصب في مدينة نيويورك يعمد الشاعر إلى تعرية دعاة الحرية والسلام من مزاعمهم ، وكأن تمثال الحرية في بلادهم شاهد على التناقض بين دلالته لدلالة سياستهم . فهو تمثال حجري يجسد قسوة مدعي حاملي شعلة السلام . ويجسد هذا المشهد في القصيدة ازدواجية المعايير التي تتحكم في السياسة الأمريكية والتي تفضي دائما إلى الانتصار للظالم وخذلان المظلوم .وللافت في هذه القصيدة وبخاصة في نهايتها أن الشاعر يناظر بل يربط بين مأساة الهنود الحمر الشعب الأصيل في أمريكيا الذي قضى عليه المستوطنون البيض الذي يحكمون أمريكيا ، ومآسي الزنوج الذي عانوا دهرا من التفرقة العنصرية ، وضحايا مجزرة جنين ، والسياسة الدموية في قندهار ، وإبادة العائلة الفلسطينية على شواطئ غزة . وكأن خاتمة القصيدة رسالة مكثفة تفيد بأن فاقد الشيء لا يُعطيه .
وفي قصيدة زيتونة جدي أسعد يتخذ الشاعر من الزيتونة معادلا موضوعيا محببا للشعراء حينما يعبرون عن جذورنا التاريخية وارتباطنا بالوطن وتمسكنا بالأرض ، فقد أضحت الزيتونة رمزا وطنيا يختزل قضية الانسان بالأرض . ومن أبرز التقنيات الإيقاعية في هذه القصيدة أن بدايتها جاءت بإيقاع عال لافت وبخاصة في المواضع التي جسدت ايقاع التجانس اللفظي والتكرار ، لكني شعرتُ أن الإيقاع في نهاية القصيدة قد فترت حرارته ، ولعل السبب في ذلك أن القصيدة عادة تبدأ بدفقة شعورية حارة وأن مساحة القصيدة تمتص جزءا من حرارتها . اعود إلى رمز الزيتونة التي استل منها رمزا آخر حينما جعل ظلالها إطارا مكانيا لعمر بن الخطاب وجعل زيتها يضيء عيون الليل ِوالازهارُ في الفجر ِ
والآفاقُ والصّيادُ في البحر. وتنتهي القصيدة بتشخيص الزيتونة الرمز تشخيصا مؤلما في قوله :
رأيتُها
بالأمس ِ
مغمغمة العينين ِ
مبتورة الكفَّين ِوالقدمين
وأميل إلى تسمية قصيدة القدس بـ بكائية القدس ... أنا لا أميل إلى أن تتحول القصيدة إلى دموع على وجنات الحلم بل أميل إلى أن تكون القصيدة بلسما لجراح وقبسا يضيء عتمة الحاضر ... ليت أخي الشاعر سامح وظف التاريخ كي يكون عزما وعنفوانا لنا في انتظارنا لصهيل النصر في القدس ... ليتني سمعت صوت يبوس وكنعان في القصيدة .