هل تطلق الأزمة رصاصة الرحمة على صناعتنا النسيجية؟!

علاء جوزيف أوسي
2013 / 12 / 5

شكلت الصناعات النسيجية التقليدية العمود الفقري للصناعة السورية على مدى عقود فهي تسهم بنسبة 46.6% من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الصناعي و8% من مجمل الصادرات، وتشغل 30% من القوة العاملة في الصناعة، ووصل عدد منشآت القطاعات الصناعية النسيجية قرابة 24 ألف معمل من جميع الأحجام، إضافة إلى عدد غير معروف من الشركات المصنعة غير المسجلة، وأيضاً 27 شركة نسيج تابعة للمؤسسة العامة للصناعات النسيجية، كل منها يخصّص بإنتاج نوعٍ معين، كصناعة الخيوط بأنواعها المختلفة، إضافة إلى صناعة الأقمشة القطنية، والحريرية، والصوفية، وصناعة السجاد، والألبسة الجاهزة والجوارب، ومنها للصباغة، يضاف إليها منشآت القطاع الخاص، التي تتنوع بحجمها بين المنشأة الحرفية الصغيرة، والشركات الكبيرة، وشكلت هذه الصناعة محوراً هاماً في القطاع الصناعي العام والخاص، ورافداً هاماً لخزينة الدولة من القطع الأجنبي، على الرغم من ذلك عانت منشآتنا النسيجية مشاكل جمّة (تخطيطية، فنية، إنتاجية، تسويقية، مالية، الرقابة) فأتت الأزمة الراهنة وعرّت مشاكلها وفاقمتها.

لقد عملت هذه الصناعة بشقيها العام والخاص على تأمين احتياجات السوق المحلية من منتجاتها وتصدير كميات كبيرة لاقت قبولاً في الأسواق العالمية، فعوّل على القطاع النسيجي لزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الدخل القومي لسورية، نتيجة الخطوات الهامة التي حققتها هذه الصناعة التحويلية في تحويل الاقتصاد من نشاطات ذات قيمة مضافة منخفضة إلى تحقيق معدلات نمو سريعة وتوفير إمكانية متزايدة للتنمية المستدامة.

إن أهمية هذا القطاع في سورية تأتي من خلال اكتمال دورته الإنتاجية نتيجة لتوفر المواد الأولية، لاسيما (القطن) الذي يمتاز بمواصفات نوعية ساهمت بأن تتبوأ هذه الصناعة موقعاً متميزاً في السوق العالمية، بالاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسورية المجاور للأسواق العربية والأوربية، إلى جانب الخبرة العريقة المكتسبة والمتراكمة لأجيال من الصناع والعمال المهرة، والمدعمة بإرث عريق في تصميم وإنتاج بعض أنواع المنسوجات والملابس. وهنا تبرز ضرورة الاستفادة المثلى من هذا النشاط على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ولاسيما أن سلسلة الصناعات النسيجية بدءاً من مرحلة زراعة القطن، مروراً بكل مراحل حلقات التصنيع وصولاً إلى المنتج النهائي، تؤمن ملايين فرص العمل.

لقد شهدت مساهمة هذه الصناعة تذبذباً كبيرا، وأتت الأزمة فقضت على الرمق الأخير منها، فقد أدت سياسات الفريق الاقتصادي في الحكومات السابقة إلى ظهور حالة من التذمر الشامل بين المواطنين السوريين، بسياساته التي أفقرت وهمشت مئات آلاف العائلات عبر فتح المجال للسلع المستوردة لتسحق الاقتصاد السوري، إذ أقفلت العديد من مصانعنا المحلية أبوابها، وامتلأت واجهاتنا ببضائع مستوردة، وعن هذا يقول رئيس لجنة الصناعات النسيجية في غرفة صناعة دمشق في تصريح لمجلة (المال): إن هناك ما يزيد على 400 ورشة بمدينة حلب وما يقارب 350 ورشة في حرستا والقدم وابن عساكر قد أغلقت، إضافة إلى أن المصانع الكبيرة التي ليس لديها عقود تصدير قد قلصت عدد عمالها إلى الربع، لافتاً إلى أن كلفة إنتاج المواد أكبر من كلفة استيراد السلع الجاهزة، ناهيك بالتلاعب في البيانات الجمركية لهذه المستوردات، وفي هذا السياق تقول غرفة التجارة في حلب: الانفتاح الذي يشهده السوق السوري والذي جاء بلا ضوابط، يهدد العديد من المصانع والورش الصناعية الصغيرة.

وهكذا فتح التحرير المتسرع أبواب التجارة الخارجية وأدى لكبح أي تطور محتمل لصناعتنا الوطنية بشكل عام، ولصناعتنا النسيجية بشكل خاص، رغم كل التبريرات التي روجها مهندسو الاقتصاد السوري حينذاك، والتي تعد هذا الانفتاح فرصة لتطوير وتحديث الصناعة السورية، ومدخلاً إلى الأسواق العربية والإقليمية والعالمية، متخذين من تراجع دور القطاع العام فرصاً مناسبة لتمرير شعارات الليبرالية الجديدة والتخلص مما تبقى من هذا القطاع، تمهيداً لدخول الأجانب في آخر مفصل استراتيجي وكسر احتكار الدولة لمنتج القطن. ولكن الواقع أنه جرى خنق القطاعين العام والخاص بالبضائع التركية التي أدخلت، في غياب شبه تام للجهات الرقابية الرسمية. وتراجعت صادراتنا في تشرين الثاني 2008 من5.14ملايين دولار إلى 2.4 مليون دولار. وترافق ذلك مع منافسة شديدة لمصنعي الأقمشة. وكذلك انخفضت مبيعات الغزول داخلياً وخارجياً بنسبة 50 %، وبعد عشر سنوات من تهميش الصناعة الوطنية بالسياسات الانفتاحية، أتت الأزمة لتقضي على الرمق الأخير الذي بقي منها، إذ تعرض قطاع الغزل والنسيج إلى تدميرٍ شبه ممنهج، من حرق وسرقة وكشفت المؤسسة العامة السورية للصناعات النسيجية أن خسائر القطاع العام للنسيج في سورية بلغت 17.6 مليار ليرة سورية، منذ اندلاع الأزمة، وتشمل الخسائر المباشرة للقطاع عمليات السرقة وتدمير المعدات التي بلغت 4.7 مليارات ليرة، فيما بلغت الخسائر غير المباشرة المتعلقة بالأرباح المتوقعة 2.10 مليار ليرة، فشهدت هذه الصناعة خلال الأزمة خسائر كبيرة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية التي رفعت تكاليف الإنتاج، إضافة إلى حرمان المنتج السوري من الأسواق العربية والأوربية بعد العقوبات التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا على سورية، فانخفضت صادراتنا من النسيج إلى قرابة 104.3 ملايين دولار في العام ،2011 ولم تتجاوز ال 38 مليون دولار في عام 2012.

أدت الأسباب السابقة إلى تدني نسب التنفيذ لخطط الإنتاج إلى 38% بحسب ما ذكره رئيس الاتحاد المهني لعمال الغزل في مجلسهم العام في دورته العادية الخامسة عشرة، على مستوى المؤسسة العامة للصناعات النسيجية، بينما بلغت المبيعات بحدود 44%، كما أن شركات الغزل تعاني من عدم وصول القطن المحلوج ومن نقص بالأيدي العاملة، إضافة إلى مشكلة ستبرز هذا العام بسبب انخفاض الإنتاج من محصول القطن، لعدم زراعة الأراضي المخططة كاملة من جهة، ولبيع جزء من الفلاحين محصولهم لدول الجوار بهدف الربح من جهة أخرى. هذه الزراعة التي شهدت تراجعاً دراماتيكياً نتيجة القرارات الحكومية، وتفاقمت خسائرها بعد أن وقعت ضحية الأزمة الراهنة وتداعياتها الاقتصادية والأمنية والتي جاءت كنتيجة حتمية (للحرب)، فتراجع محصول القطن السوري من 611,671 طناً عام 2011 إلى 592654 طناً عام 2012. مع التوقع بأن يكون إجمالي الإنتاج هذا العام 170556طناً، أي ما يقارب 29% من إنتاج العام الماضي فقط، علماً أنه لم يسلّم إلى المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان حتى تاريخ 28/11/2013 سوى 30683 طناً من الأقطان المحبوبة.

إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى معالجة ما أصاب الصناعة السورية نتيجة السياسات السابقة والأزمة الراهنة، وهو ما يعتبر مهمة وطنية لا تحتمل التأجيل، وتتطلب تعبئة الجهود كافة والإمكانات الوطنية، لإنجازها في أسرع وقت لإعادة تدوير عجلتها، وخاصة الشركات الصناعية المتخصصة بصناعة النسيج، وعدم التفريط بالعاملين الذين اكتسبوا أفضل الخبرات، ولكن وفقاً لاستراتيجية صناعية حديثة تأخذ بالتكنولوجيا المتطورة أساساً في عملها، وكذلك منحها الدور الفاعل للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية بقدرتها الكبيرة على استيعاب وإيجاد فرص حقيقية ذات قيمة مضافة، عن طريق التنسيق بين القطاعين العام والخاص لوضع خطة مشتركة لتطوير الصناعة النسيجية، تتضمن المواد الأولية اللازمة لها (خيوط، أقمشة، مستلزمات..) للاستغناء تدريجياً عن الاستيراد وتأمين حاجة صناعة الملابس التي تحقق أكبر قيمة مضافة، وتستقطب أكبر عدد من اليد العاملة بما يساهم حقاً في تدعيم الاقتصاد الوطني وتطوير المجتمع، والأهم ربط الخطة الإنتاجية بالخطة التسويقية، إذ لا يوجد فائدة من أي سلعة إذا لم تسوق، وتتحول في النهاية إلى ضرر، لأن الهدف من الإنتاج ليس الإنتاج بل التسويق.

والتأكيد على التحرك في خطين متوازيين، الأول معالجة أوضاع القطاع العام وإصلاحه، والآخر مساعدة القطاع الخاص على إعادة الهيكلة وتحفيزه على استثمار فوائضه في الاقتصاد الوطني من جهة، وإعادة أمواله المهاجرة من جهة ثانية، وتشجيعه على الاستثمار في الصناعة التحويلية.

إن الصناعة الوطنية اليوم تقف على مفترق طرق لتحديد الهوية والوجهة المقبلة لصناعتنا، التي مازالت تنتظر الدعم، الأمر الذي يساهم في تبوّؤ مكانتها في الاقتصاد الوطني، ويرفع مساهمتها في الناتج المحلي، وكذلك منحها الدور الفاعل للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية، بقدرتها الكبيرة على استيعاب وإيجاد فرص حقيقية ذات قيمة مضافة، ويبقى السؤال المهم برسم أصحاب القرار: هل سنلبس هذا العام مما ننسج..؟!