العقوبات الدولية تحارب الشعوب في لقمة عيشها (2-2)

علاء جوزيف أوسي
2013 / 11 / 13

العقوبات الأحادية على سورية.. حصار لا ينتهي

تمر سورية منذ ثمانينيات القرن المنصرم بظروف اقتصادية صعبة نتيجة الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فرضته عليها الإمبريالية الأمريكية بسبب مواقف سورية وسياساتها، وفي عام 2004 عززت واشنطن هذه العقوبات بعد رفض سورية لاحتلال العراق، ورفض الإملاءات الأمريكية والأوربية، ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، وذلك في إطار ما عرف حينذاك (قانون محاسبة سورية) وشملت العقوبات التي كانت تجدد سنوياً حظر الصادرات إليها، وتجميد أصول مؤسسات سورية، وحظر الرحلات الجوية بين الولايات المتحدة وسورية، وقد تلا ذلك في سنة 2006 اتخاذ قرار أمريكي آخر بمنع جميع أنواع التعاملات المالية مع المصرف التجاري السوري.

وفي ظل الأزمة السورية استغلت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها سيادة القطب الواحد مستخدمين سياسة فرض العقوبات الأحادية الجانب على سورية، والتي انعكست على المواطنين، بينما تدّعي الإمبريالية كذباً حرصها عليهم، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني سوءاً، ولن تكون آخر النتائج تفشي مرض شلل الأطفال مجدداً.

عقوبات وحصار

في محاولة جديدة للضغط على سورية، استغلت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها تفجُّر الأزمة السياسية والاقتصادية الداخلية لتصفية حساباتها مع سورية، وساهم المنتفعون في الداخل والخارج في تصعيدها وتحويلها إلى نزاع مسلح بين السوريين، فقامت جهات مختلفة بفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السورية إضافة إلى الولايات المتحدة، فقد فرض الاتحاد الأوربي، الشريك التجاري الأكبر لسورية، في شهر أيلول 2011 عقوبات اقتصادية عديدة، شملت بالأساس قطاع النفط (الذي كانت سورية تبيع 90% منه إلى أوربا) إضافة إلى قطاع الاتصالات، كما شملت منع شراء السندات الصادرة عن الحكومة السورية؛ ومنع البنوك السورية من فتح فروع لها في دول الاتحاد الأوربي أو الدخول في مشروعات مشتركة مع المؤسسات المالية الأوربية؛ وأخيراً، منع سورية من الاستفادة من التسهيلات المالية والفنية التي يقدمها بنك الاستثمار الأوربي.

وفي 27 تشرين الثاني 2011 إتخذت الجامعة العربية التي يديرها أمراء العرب وسلاطينهم قراراً بفرض عقوبات اقتصادية على سورية بعد أن قرروا تعليق عضويتها بالجامعة، وشملت العقوبات وقف بيع السلع غير الضرورية إلى سورية؛ وقف التعاملات المالية مع مصرف سورية المركزي؛ وقف التمويل العربي لمشروعات يجري تنفيذها في سورية؛ إضافة إلى تجميد الأصول المالية لبعض كبار الشخصيات السورية، ومنع سفرهم إلى الدول العربية.

وبعد أقل من أسبوع من العقوبات العربية، فرضت تركيا بتاريخ 30 تشرين الثاني 2011 عقوبات تجارية ومالية على سورية شملت تجميد الأصول المالية للحكومة السورية في تركيا، ووقف جميع التعاملات مع المركزي السوري.

أهداف غائبة

لقد هدفت العقوبات التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا إلى التأثير على الحكومة السورية وإسقاطها، إلا أن المواطن هو من تأثر بها، فقد أججت حزمة العقوبات والحصار الجائر الأزمة السورية وتركت أثراً كبيراً في بنية الاقتصاد السوري، انعكس على معدلات النمو ومعيشة المواطنين الذين زادت معاناتهم بسبب ارتفاع أسعار جميع المواد ونقص الخدمات الأساسية وبضمن ذلك الأدوية، إذ بات الاستيراد صعباً بسبب العقوبات وارتفاع أسعار الشحن والتأمين على البضائع التي تتأثر أجورها بالنزاعات والحروب بشكل مباشر.

كما فقد آلاف العمال وظائفهم، ونُهبت المنازل، وحرق الإرهابيون وهدموا العديد من المنشآت الصناعية الخاصة والعامة، بهدف شل الاقتصاد، وتعسَّر استئناف نشاط التجارة الخارجية، مما أدى إلى عجز الطبقة العاملة والفئات الفقيرة عن توفير مستلزمات معيشتها اليومية، ونتيجة لذلك أصبحت مغادرة البلاد أمنية لكل من استطاع إلى ذلك سبيلاً، خاصة السوريين من ذوي الكفاءات العالية الذين كانت تعلق عليهم آمال كبيرة للسير بالبلاد قدماً قبل اندلاع الحرب.

وبالمقابل يتم التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان والتدمير الذي يرتكبها مسلحو المعارضة، ففرضت عقوبات على الحكومة السورية من جهة، ومن جهة أخرى أغدقت الأموال على المعارضة التي تعمل بتوجيه من أسيادها ضد المصالح والأهداف الوطنية، ودعم التحالف الغربي التركي مع أمراء البترول المسلحين والمتطرفين بالسلاح والعتاد والدعم اللوجستي بذريعة (نصرة الشعب السوري)، حتى أمست هذه الدول الداعمة للإرهاب في سورية، التي تطلق مصطلح الإرهاب على كل شيء يتعارض مع مصالحها، أمست تخشى عودة الإرهابيين والمسلحين إلى بلدانهم.

العقوبات والاقتصاد

أثرت العقوبات المفروضة على سورية سلباً على الاقتصاد، وتجاوزت مجموع التكاليف الاقتصادية للحرب منذ مدة طويلة الأداء الاقتصادي السنوي للبلاد، وهو ما أدى إلى اهتزاز البنية الاقتصادية الاجتماعية السياسية، وعلى الرغم من أنه من المبكر الحديث عن الأثر النهائي للعقوبات الجائرة على الاقتصاد السوري، بسبب استمرار تطبيقها، خاصة مع تضارب الأرقام عن الخسائر التي أصابت الاقتصاد السوري، لكنها تتفق أن خسائر الأزمة تجاوزت عتبة المئة مليار دولار.

فالحظر النفطي مثلاً تسبب بخسارة عائدات تصدير النفط، وحرم الحكومة من نحو 25 % من إيراداتها لعام ،2012 واليوم انخفض الإنتاج النفطي من نحو 380 ألف برميل يومياً قبل الأزمة إلى نحو 20ألف برميل يومياً، وكان يتم تكرير ما بين 220-240 ألف برميل في مصفاتي حمص وبانياس لإنتاج البنزين والكيروسين والفيول وبعض المشتقات الثانوية لتأمين جزء من احتياجات السوق المحلية، بينما يتم تصدير الباقي، لكن العقوبات أدت إلى وقف تصدير هذه الكمية التي كانت توفر نحو خمسة مليارات دولار سنوياً تذهب للخزينة العامة، بسبب تراجع الإنتاج، وصعوبة العثور على مستوردين أو موردين للمشتقات لأنهم سيعرضون بذلك أنفسهم لعقوبات، كما تسبب تراجع الانتاج والتكرير لتلبية الاحتياجات المحلية باختناقات في بعض المشتقات النفطية لاسيما المازوت والغاز، وهو ما انعكس سلباً على الإنتاج الزراعي والصناعي.

وفيما يتعلق بالعقوبات المالية فقد شكلت معيقاً إضافياً أمام التجارة الخارجية، ووضعت ضغوطاً إضافية على العملة السورية، وأظهرت دراسة لهيئة ترويج وتنمية الصادرات مطلع العام 2013 أن قيمة المستوردات السورية عام 2011 بلغت نحو16.57مليار دولار انخفضت عام 2012 نتيجة العقوبات إلى نحو 3.58مليارات دولار.

أما قيمة الصادرات فبلغت عام 2011 نحو 7.21مليارات دولار انخفضت عام 2012 إلى نحو 185 مليون دولار فقط.

أما لجهة التبادل التجاري فقد انخفضت الصادرات السورية إلى الدول العربية بنسبة 52% وإلى الاتحاد الأوربي بنسبة 93% وإلى تركيا بنسبة 82% علماً أن نحو 40% من المبادلات التجارية السورية هي مع الدول العربية التي تأتي أولاً في قائمة التعاملات التجارية الخارجية بين سورية والعالم، فيما تأتي أوربا في المرتبة الثانية ويحتل العراق المرتبة الأولى في التعاملات التجارية مع سورية، إذ يستأثر بنحو46- 50% من التجارة الخارجية السورية مع الدول العربية كما أن نحو 40% من تجارة الأردن تتم عبر سورية.

ووفقاً لدراسة أعدها (المركز السوري لبحوث السياسات في دمشق)، فقد بلغت خسائر الاقتصاد السوري بسبب الحرب حتى الربع الثاني من العام الحالي 103 مليارات دولار، تعادل 174% من الناتج الإجمالي لعام 2010 بعد أن كانت نهاية 2012 نحو 48.4 مليار دولار أمريكي.

تتوزع الخسائر الإجمالية حسب دراسة المركز على النحو التالي: 48 مليار دولار خسارة الناتج المحلي، 50 مليار دولار أضرار مادية، 5 مليارات دولار خسائر زيادة الإنفاق العسكري للدولة. واستحوذت قطاعات التجارة والنقل والصناعتان الاستخراجية والتحويلية على الجانب الأكبر من الخسائر، فيما جاءت المفاجأة في القطاع الزراعي الذي حقق بحسب التقرير موسماً جيداً رغم كل خسائره، وذلك بسبب المناخ الجيد، وهطول الأمطار بمعدلات فاقت السنوات السابقة.

أما خسائر الناتج المحلي بسبب العقوبات الاقتصادية فقدرت حسب التقرير بنحو 10 مليارات دولار، أنتجت 1.8مليون فقير.

وبغض النظر عن دقة هذا الأرقام إلا أن ما نشهده على أرض الواقع من كوارث اجتماعية وإنسانية وتدمير للبنية التحتية كفيل بتقديم صورة عن حجم الكارثة التي تحيط بنا.

إن العقوبات التي فُرضت على سورية كانت عدواناً على الشعب وتجويعاً له وإشباعاً للمعارضة، فأين هي مصالح الشعوب التي تنادي بها الامبريالية العدوانية ذات التاريخ الأسود في إذلال الشعوب ونهب ثرواتها؟ ولذا يجب إزالة العقوبات اللاإنسانية المفروضة على سورية، فهي لا تنسجم مع الحل السياسي الذي بات لزاماً تفعيله من الأطراف كافة على أن يكون منطلق الحوار احتياجات المدنيين ومصالحهم، لنصل بعد ذلك إلى سورية الديمقراطية التي ينشدها الجميع.