العقوبات الدولية تحارب الشعوب في لقمة عيشها (1-2)

علاء جوزيف أوسي
2013 / 11 / 7

مازالت المنظومة العالمية حتى اليوم تمارس سياسة العقوبات التي تفرضها على الأنظمة والحكومات بأشكال مختلفة، كالمقاطعة الاقتصادية التي تتبعها من أجل هدف ضمني على الأقل هو إسقاط نظام أي دولة، بذريعة تحقيق الديمقراطية، وهو العرف الذي أصبح أكثر استخداماً هذه الأيام. وعدا العقوبات الدولية التي تصدرها الأمم المتحدة، فإن هناك عقوبات أحادية الجانب تصدرها الدول الكبرى أو المؤثرة، بغية كبح جماح دول معينة والحد من تأثيرها، وكأن القانون الدولي يتعارض فقط مع من يقف ضد الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة ويستوجب عندئذ إيقاع أقصى العقوبات بذريعة تطبيق القانون، وتعد العقوبات الأداة السياسية، التي يستخدمها الغرب للضغط على بعض الحكومات والأنظمة بديلاً عن الحلول العسكرية أو تمهيداً لها.

ولكن، هل تمكنت هذه السياسات من قلب أنظمة الحكم أم أن الشعب هو من يعاني نتائجها الكارثية...؟ والعالم زاخر بأمثلة عديدة على هذه العقوبات، ومنها التجربة العراقية التي مازالت ماثلة أمامنا، فهل سقط حكم صدام حسين بالعقوبات أم أنها ولدت مشاكل صدعت بنية المجتمع العراقي ومزقت نسيجه الاجتماعي؟!

فهل يجوز أن تحرم هذه العقوبات الناس من الحقوق الإنسانية الأساسية في الحياة والبقاء..؟!

العقوبات والقانون الدولي

ترافق استخدام السلاح العسكري أثناء الحروب والنزاعات باستخدام السلاح الاقتصادي، تحت مسميات عديدة مثل (حظر، حصار، عقوبات اقتصادية) وهو ما يعود استخدامه إلى قرون عديدة، وتطور أسلوب الحرب الاقتصادية في العصر الحديث، فأصبح فرض العقوبات الاقتصادية يحتاج إلى موافقة جماعية دولية، إذ إن العقوبات وفق القانون الدولي هي من اختصاص مجلس الأمن الدولي الذي يمكن أن يدعو إلى فرضها بمقتضى المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، إذا كان قد قرر أولاً بمقتضى المادة 39 أن هناك تهديداً للسلام أو خرقاً له أو عملاً من أعمال العدوان، فيصدر توصيات أو يقرر اتخاذ التدابير للحفاظ على السلام والأمن الدوليين أو إعادتهما. وقد تكون هذه التدابير هي المنصوص عليها في المادة 41 المتعلقة بالعقوبات (لمجلس الأمن أن يقرر أي الاجراءات التي لا تنطوي على استعمال القوة ينبغي استعمالها من أجل تنفيذ قرارته) مثل العقوبات الاقتصادية، أو التدابير الواردة في المادة 42 التي تتضمن (الأعمال العسكرية التي تمليها الضرورة للحفاظ على السلام والأمن الدوليين أو إعادتهما).

وهو ما أضاف صفة الغموض في آلية استخدام الأمم الممتدة لنظام العقوبات، مما سمح لدول معينة بأن تنفرد بفرض عقوبات على دول أخرى، بهدف إخضاعها لهيمنتها، كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم دون قرار من مجلس الأمن وفقاً لمشيئتها واتهاماتها المزعومة، أو بمشاركة الأمم المتحدة في أحيان أخرى، ومنها العقوبات التي فرضتها على كوبا منذ قيام ثورتها عام 1959 كما أنها تستعمل عقوبات الأمم المتحدة التي تتحول في بعض الأحيان إلى أداة للسياسة الخارجية الأمريكية، حتى إنها أضحت أكثر دولة في العالم استخداماً لسلاح العقوبات الاقتصادية ضد خصومها.

لا شك أن الهدف الرئيسي الذي أنشئت الأمم المتحدة من أجله هو الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، الذي تنص الفقرة الأولى من المادة الأولى من ميثاقها على تحقيقه من خلال التدابير الواردة في الباب السادس من أجل التسوية السلمية للمنازعات، أو الإجراءات القسرية المنصوص عليها في الباب السابع، الذي يستخدم عندما لا تجدي العقوبات الاقتصادية والحصار.

لكن الواقع أن الحصار ونظام العقوبات والقصف العشوائي يمثل مخالفة واضحة للمواد (48 ،51،54) لاتفاق جنيف لعام 1977 وللمواد (،2 ،3، 4) من اتفاق الإبادة الجماعية ومبادئ محكمة نورمبيرغ لعام 1950 فضلاً عما يمثله من مخالفة لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.

انتهاك لحقوق الإنسان

تشير الشواهد إلى أن العقوبات سلاح فاشل، ينعكس سلباً على الدول التي تستهدفها، مولدة آثاراً ضارة وكارثية على الشعوب ولاسيما الفقيرة منها، وبالتالي هم في الواقع لا يعاقبون الأنظمة -التي تزداد تشدداً وتصلباً في مواقفها وسياساتها- وإنما يعاقبون الشعوب في لقمة عيشها وكرامتها وإنسانيتها.

ففي السودان مثلاً شملت هذه العقوبات حظر الصادرات والواردات من السودان وإليها، وتجميد الأرصدة والقروض، وحظر أي انتقال للأشخاص والبضائع والناقلات من السودان وإليها من قبل أي شخص سوداني. وظهرت في السودان آثار إنسانية سلبية نتيجة حظر نشاط الخطوط الجوية السودانية وتحديداً في مجال الصحة. كما انعكس حظر الطيران في مجالات التعليم والثقافة والرياضة والاقتصاد.

أما ليبيا التي فرضت عليها العقوبات الأمريكية فعلياً في أوائل عام 1981 وأقرت في عام 1986. وتعززت بعد حادثة تفجير طائرة بأن أمريكان فوق لوكربي عام .1988. فترتب على ذلك خسائر اقتصادية فادحة بلغت أكثر من 5,26 مليار دولار تحملتها قطاعات النقل الجوي والصادرات الزراعية والإنتاج الحيواني وتقلص الصادرات غير النفطية وارتفاع تكاليف النقل. وحالت العقوبات دون إيفاد نحو (17) ألف حالة مرضية مستعصية يتعذر علاجها في المشافي والمراكز الصحية الوطنية، ولكن بعد إذعان ليبيا ورضوخها للمطالب الأمريكية توقفت هذه العقوبات تدريجياً.

وخضع العراق لعقوبات مفروضة من مجلس الأمن بقرار رقم 661 صدر في 6 آب 1990 نتيجة للغزو العراقي للكويت، ونص على إقرار عقوبات اقتصادية خانقة على العراق لإجباره على الانسحاب الفوري من الكويت، وقد تلا هذا القرار قراراتٌ متتالية انعكست نتائجها على الشعب، فكانت أشبه بحرب إبادة جماعية استهدفت البيئة والأطفال والنساء والغذاء والصحة إضافة إلى دمار المنشآت وخراب الاقتصاد العراقي بفروعه المختلفة. وقد أعلن مساعد الأمين العام السابق والمنسق العام للشؤون الإنسانية في العراق (دنيس هاليدي)، أن العقوبات (أثرت تأثيراً كبيراً على النظام العائلي، وقد شهدنا عائلة الفرد الواحد وارتفاع نسبة الطلاق، الأمر الذي زاد اتجاه الشباب نحو البغاء، وأيضاً اضطرت الكثير من العائلات لبيع منازلها وممتلكاتها للحصول على الطعام، ما أدى إلى بقائها بلا مأوى).

ومما زاد الوضع مأساوية الحربُ التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق، بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها منتهكين بذلك ميثاق جنيف والأعراف الدولية.

ومن جهة أخرى أدّى قصف كوريا الشمالية، المفروض من قبل الأمم المتحدة، إلى إبادة أكثر من 3 ملايين إنسان، وأحدث دماراً كارثياً في البنية التحتية في البلد وصفه البعض بـ(العودة للعصر الحجري)، ولكنها استطاعت النهوض مجدداً وتأمين مستوى معيشي جيد لشعبها، على الرغم من العقوبات المستمرة التي فرضها المجتمع الدولي والتهديدات العسكرية من الجنوب (المسيّر) من قبل الغرب، وقد قال الرئيس السابق لمنظمة الصحة العالمية في 30 نيسان 2010 إن كوريا الشمالية تتمتع بنظام رعاية صحية يجب أن يغار منه العالم المتقدم بأجمعه.

إن معظم مشاكل البلاد الاقتصادية الفعلية ناتجة عن العقوبات المفروضة من قبل المجتمع الدولي الغاضب على شعب كوريا الشمالية، لرفضه الاستسلام، بعد حملة القصف الوحشية في الخمسينيات من القرن الماضي.

أمثلة كثيرة يحفل بها التاريخ القديم والحديث لدول استهدفتها العقوبات، وبعضها ما تزال تخضع لتلك العقوبات وتعاني انعكاساتها، وذلك على خلفية تصفية حسابات بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة أو على خلفيات أخرى. ومنها العقوبات غير الإنسانية التي فرضها الغرب على إيران مستهدفة الشعب الإيراني، دون أن تؤثر على برنامجها النووي، وأيضاً العقوبات على كوبا التي ما زالت موضوعة على قائمة الدول التي تدعم الإرهاب.

على الجانب الآخر، نجد أن الكيان الصهيوني الذي يمارس العدوان والاحتلال على الأراضي الفلسطينية، ويخرق المواثيق والأعراف الدولية بصورة دائمة، ويضرب عرض الحائط بالقرارات الأممية ومعاهدة جنيف لعام 1949 في التعامل مع السكان في الأراضي المحتلة، لم يتعرض قط لمثل هذه العقوبات الدولية، على الرغم من أنه يقترف الجرائم بحق الإنسانية ويدوس على الأعراف والمواثيق الدولية ويمارس الحصار الإجرامي والعقوبات الجماعية، وما يمارسه أيضاً من حصار اقتصادي وتضييق على العرب.

65 حالة حصار

فرضت الولايات المتحدة نحو65 حالة حصار على دول خارجة عن طاعتها ما بين عامي 1940- 1992 ونحو 25 حالة حصار أخرى فرضتها بالتحالف مع دول تابعة لها. ومنذ عام 1990 حتى الآن شهدنا أكبر عدد من العقوبات الأمريكية المفروضة على الدول، فقد فرضت عقوبات اقتصادية انفرادية 115 مرة منذ الحرب العالمية الأولى و104 مرات منذ الحرب العالمية الثانية، بينها 61 مرة خلال فترة الرئيس بيل كلينتون، وحتى نهاية القرن الماضي كانت هناك نحو 100 دولة تخضع للعقوبات أو تعيش تحت التهديد بها.

وبحسب الأكاديمي الأمريكي روبرت بابي فإن نحو خمس فقط من بين 115 حالة عقوبات فرضت منذ الحرب العالمية الثانية أثبتت فعالية معقولة. في المقابل، لم تفعل معظم العقوبات الأخرى أكثر من التسبب بتكاليف إنسانية كبيرة دفعها السكان في الدول المستهدفة، وبضمنهم مدنيون أبرياء ليس لهم تأثير يذكر في سلوك حكوماتهم.

وبحسب ترينا بارسي، المتخصص في شؤون العلاقات الأمريكية الإيرانية، أنه خلال السنوات الخمسين الماضية طبّقت العديد من العقوبات الاقتصادية وتوسعت دائرتها.

أنواع العقوبات

أشكال كثيرة للعقوبات فرضت على الدول والمجموعات والأشخاص في العقود السابقة، منها: الحصار الاقتصادي لتجميد الأموال والأرصدة للدول والشركات والجمعيات والأشخاص، وحظر حركة الطيران المدني، وإغلاق فروع المؤسسات والشركات المتهمة في الدول الغربية ومصادرة أموالها، وحرمان الدول من المساعدات الدولية الإنمائية، ومعاقبة الدول والشركات التي لا تلتزم بالعقوبات المفروضة على الدول المعاقبة.

إن العقوبات التي تفرض تحت المظلة الدولية يجب ألا تستخدم الغذاء والحاجات الإنسانية الأخرى أداة في السياسة، فهي تمسي نوعاً من أنواع الإبادة الجماعية والحرب التدميرية الطويلة الأمد ضد السكان المدنيين العزل، وبخاصة الأطفال والنساء والشيوخ، وهو ما يعد جريمة حرب وفق القانون الدولي، ولذا لابد أن تلتزم العقوبات بحقوق الإنسان وبالقانون الدولي الإنساني، وهو ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة عام 1995:

(العقوبات، كما تعرف عموماً هي وسائل عديمة الإحساس. إنها تثير سؤالاً أخلاقياً إذا ما كانت المعاناة التي تقع على المجموعات الضعيفة في الدول المستهدفة تعتبر وسائل شرعية بدلاً من ممارسة الضغط على القادة السياسيين الذين سلوكهم من غير المحتمل أن يؤثر عليه محنة مواطنيهم).