«اقتصاد المعرفة»... من اقتصاد «الندرة» إلى «الوفرة»

علاء جوزيف أوسي
2013 / 10 / 30

برزت في العقد الماضي أهمية المعرفة والمعلومات في الاقتصاد من خلال فرع جديد من العلوم الاقتصادية أمسى أحد أهم محركات التقدم والتطور في المجتمعات الإنسانية محدثاً ثورة في المفاهيم النظرية والعملية في عالم المال والأعمال، مما انعكس إيجاباً على الاقتصادات المحلية والعالمية في معظم الدول التي استفادت من هذا التطور في زيادة الناتج المحلي لها، وإيجاد فرص وظيفية جديدة لمواطنيها، وابتكار أساليب عمل إبداعية خلاقة في إدارة الأعمال والموارد البشرية والمالية والإنتاجية، وهو ما أطلق عليه (اقتصاد المعرفة).

يرتكز (اقتصاد المعرفة) على فهم جديد أكثر عمقاً لدور المعرفة والرأسمال البشري في تطور الاقتصاد وتقدم المجتمع، وذلك بعد أن أصبحت المعرفة ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى التقدم وتبوؤ مكانة لائقة بين المجتمعات الحديثة، وبهذا أضحى (اقتصاد المعرفة) أحد أهم دعائم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ يتم من خلاله توظيف المعرفة والتكنولوجيا في تقديم مُنتجات أو خدمات متميزة ومبتكرة، يُمكن تسويقها وتحقيق الانتعاش الاقتصادي على أساسها، وزيادة دخل الفرد، عن طريق تحويل المعرفة إلى ثروة تفوق قيمتها في معظم الأحيان قيمة الثروات الطبيعية، ومن هنا برزت أهمية اقتصادات المعرفة وسبل استغلالها ودمجها في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة لتحقيق التنمية الشاملة.

مفهوم اقتصاد المعرفة

إن الاقتصاد المعرفي كنمط اقتصادي مبني على المعرفة ليس اقتصاداً جديداً بكليته، فقد كان للمعرفة منذ القدم دور هام في الاقتصاد، لكن هذا الدور هو الذي ازداد في الوقت الحالي وتجسد في ثورة الاتصال والمعلومات، وبات هذا النمط الاقتصادي يقوم على فهم أكثر عمقاً لدور المعرفة، والرأسمال البشري في تطور الاقتصاد وتقدم المجتمع، فقد باتت المعلومات هي المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية المكمل للموارد الطبيعية، وأضحى الاقتصاد المعرفي حالياً توجهاً عالمياً حديثاً تسعى إلى تحقيقه الدول والمجتمعات، بالاستفادة من معطيات العصر والتحول من اقتصاد الصناعات إلى اقتصاد المعلومات ومن إنتاج البضائع إلى إنتاج المعلومات.

وبهذا فإن اقتصاد المعرفة هو الاقتصاد الذي تحقق فيه المعرفة الجزء الأكبر من القيمة المضافة، عن طريق توظيف المعرفة واستغلال معطياتها في تقديم مُنتجات أو خدمات جديدة أو مُتجددة، يُمكن تسويقها وتحقيق الأرباح منها وتوليد الثروة من ذلك، إما بتحويل المعلومات إلى سلع وخدمات، أو بتطوير السلع التقليدية عن طريق استخدام التقنية والاستفادة من الوسائل التقنية في تجاوز الحدود الجغرافية وعمليات التسويق والإنتاج للبضائع المختلفة، وبهذا أدخلت ثورة المعلومات المجتمعات العصرية المتقدمة في الحقبة ما بعد الصناعية.

وفي سبيل تحويل المعرفة إلى ثروة يوفر الاقتصاد المعرفي وظائف ليس للمؤهلين معرفياً فقط، بل للمبدعين والمبتكرين أيضاً، ولأصحاب المهارات الداعمة لأعمالهم. أي إن اقتصاد المعرفة لا يولد الثروة فقط، بل يُقدم فرص عمل جديدة أيضاً.

ويعرف بأنه دمج التكنولوجيا الحديثة في عناصر الإنتاج، لتسهيل إنتاج السلع ومبادلة الخدمات بشكل أبسط وأسرع، ويعرف أيضاً بأنه يستخدم لتكوين وتبادل المعرفة كنشاط اقتصادي (المعرفة كسلعة).

وقد عرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الاقتصاد المعرفي بأنه نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاية في جميع مجالات النشاط المجتمعي، الاقتصادي، والمجتمع المدني، والسياسة، والحياة الخاصة وصولاً إلى ترقية الحالة الإنسانية باطراد؛ أي إقامة التنمية الإنسانية باطراد. ويتطلب ذلك بناء القدرات البشرية الممكنة، والتوزيع الناجح للقدرات البشرية على مختلف القطاعات الإنتاجية. أما فيما يتعلق بمحفزات الاقتصاد المعرفي فتتمثل في العولمة وانتشار الشبكات، مما أدى إلى زيادة انتقال المعلومات انتقالاً أسرع وإتاحتها للجميع. ومن جانب آخر، فإذا كان الاقتصاد بمفهومه التقليدي هو علم الندرة، أي ندرة الموارد في ظل التطوُّر الكبير لحاجات الناس ومتطلباتهم، فإن أبرز خصائص اقتصاد المعرفة في ظل التكنولوجيا الرقمية، هو اقتصاد الوفرة.

ركائز الاقتصاد المعرفي

يستند الاقتصاد المعرفي إلى أربع ركائز أساسية هي:

- الابتكار: الذي يستند إلى البحث والتطوير من خلال نظام فعال يربط مؤسسات التعليم بالمؤسسات الصناعية، بغية مواكبة ثورة المعرفة المتنامية واستيعابها وتكييفها مع الاحتياجات المحلية.

- التعليم: وهو العامل الأهم والأساسي في الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية، وهو ما يتوجب على الحكومة تأمينه بغية توفير رأس المال البشري القادر على إدماج التكنولوجيات الحديثة في العمل.

- البنية التحتية المبنية على تقنيات المعلومات والاتصالات، والتي تسهل تجهيز المعلومات والمعارف ونشرها وتبادلها وتكييفها مع الاحتياجات المحلية.

- الحاكمية التي تقوم على أسس اقتصادية قوية تستطيع توفير كل الأطر القانونية والسياسية التي تهدف إلى زيادة الإنتاجية والنمو.

ولكن تحقيق الاقتصاد المعرفي لا يقتصر على توافر أحد عوامله، كالبنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال والتقنيات الحديثة فحسب، وإنما هو منظومة متكاملة من العناصر التي يجب توافرها، والتي من أهمها الموارد البشرية المؤهلة ذات المهارات التقنية العالية، التي يعتمد بناؤها على نشر ثقافة الإبداع والابتكار، بنظام تعليمي يوفر مخرجات منسجمة مع متطلبات النمو في الدولة. وانطلاقاً من هذه الحاجة الملحة تتوجب إعادة صياغة منظومة التعليم الحالية بما يلبي حاجات الوطن وطموحاته في بناء مجتمع الاقتصاد المعرفي المتكامل الذي يراعي خصائص الجيل الجديد، بغية جعل التعليم أكثر متعة وإبداعاً.

المعرفة والاقتصاد

يوجد علاقة تبادلية بين البنى الاقتصادية والاجتماعية، ولاشك أن المعرفة تؤثر إيجاباً أو سلباً على حال التنمية الاقتصادية، فكلما ارتفعت درجة المعرفة، تحققت مستويات تنمية بشرية عالية والعكس بالعكس. أيضاً، لابد، من أجل إيجاد اقتصاد المعرفة، من العمل على تنظيم وحدات الاقتصاد الكلي لإدخال اقتصاد المعرفة في مختلف نشاطاته في المجتمع، بإنشاء بيئة ملائمة تضمن توليد المعرفة ونشرها وتوظيفها والاستفادة منها، وتوطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير في كل النشاطات المجتمعية التي تساعد على تحويل الأفكار إلى أعمال ابتكارية وإبداعية في مجال الاستثمار في المعلومات المعرفية.

وعلى هذا الأساس، تسعى الكثير من الدول نحو اقتصاد المعرفة لاستعمالها في رفع الانتاجية وابتكار سلع وخدمات جديدة. ولاشك في أن سورية في أمسّ الحاجة إلى بناء مجتمع معرفة حقيقي، خاصة أن إمكانات تطوير مقدرتها المعرفية موجودة، لكننا مازلنا حتى اليوم في موقع المتلقي السلبي، لا المنتج، لثمار وإنجازات الثورة العلمية التكنولوجية في كل مراحلها، ونحن أحوج ما نكون إلى التعامل مع هذه المتغيرات، وإلا سنجد أنفسنا عاجزين عن ولوج الاقتصاد الجديد والمساهمة فيه، وسنقف على هامش مسيرة التقدم، في الوقت الذي بدأت تظهر فيه نتائج هذا النمط الاقتصادي في الاقتصاد العالمي، وما يميزه أن المجالات الاستثمارية التي خلقها سواء الصناعية أو الخدمية.. ما هي إلا بدائل للنشاطات القائمة.

اقتراحات

إنشاء البيئة التحتية القادرة على نقل المعرفة ونشرها محلياً وعالمياً، والتشبيك مع مراكز الأبحاث العالمية لإطلاع على الجديد.

سن القوانين والتشريعات التي تكفل حقوق المبدعين وتشجعهم على الابتكار.

إذا كانت جميع المؤسسات اليوم مطالبة بمواكبة التطور ودعم جهود النهضة الاقتصادية، فإنّ المؤسسة التربوية والتعليمية هي الأولى بمثل هذه المطالبة، لأنها المسؤولة عن إعداد جيل قادر على استيعاب تطورات العصر والتعامل معها، حتى يمكن للجيل الجديد أن يأخذ دوره الأساسي والوطني المؤثر في منظومة الاقتصاد المعرفي، مستفيدين من إيجابيات الثورة التكنولوجية في تعليم الإنسان وتربيته وتدريبه، والاستفادة من عامل السرعة في التأقلم مع التغيير الذي يعد واحداً من أهم العوامل الاقتصادية الإنتاجية.

إعادة هيكلة الإنفاق العام وترشيده، وزيادة الإنفاق الحكومي المخصص للبحث والتطوير بغية تعزيز المعرفة مع توجيه الاهتمام لمراكز البحث العلمي، أي العمل على خلق وتطوير الرأسمال البشري بنوعية عالية، فمصير الأمم مرهون بإبداع أفراد مجتمعاتها، في وقت باتت فيه المعرفة أهم عنصر من عناصر الإنتاج.

رفع كفاءة الاستثمار لتحقيق أفضل عائد ممكن، بتحديد الأولويات التي ينبغي التركيز عليها، ونشر ثقافة اقتصاد المعرفة بين الفعاليات الاقتصادية وتبيان أهميته، وتسليط الضوء على تجارب عالمية رائدة، مع تشجيع القطاع الخاص على تخصيص جزء من استثماراته للبحث العلمي والابتكار، أسوة بالعديد من الشركات العالمية التي تنفق الكثير في سبيل تعليم العاملين ورفع مستوى تدريبهم وكفاءتهم، وتساهم أيضاً في تمويل البحث العلمي في دولها. فعلى سبيل المثال يمول القطاع الخاص في اليابان 63% من أنشطة البحث العلمي، أما في أوربا فيموّل الخاص 55% من هذه الأنشطة.

تشجيع وسائل الإعلام على تسليط الضوء على الابتكارات والأشخاص المبدعين، بإعداد تقارير مصوّرة حول إمكانية أن يخدم العلماء مصالح المجتمع ويلبّوا الحاجات الأساسية للناس، وحول تأثيرات العلوم في حياتهم وخاصة التأثيرات المختلفة للعلوم والتكنولوجيا.