أزمة الدبلوماسيين العراقيين ومصالح روسيا الإقليمية

ناظم الديراوي
2013 / 10 / 11

أزمة الدبلوماسيين العراقيين ومصالح روسيا الإقليمية
ناظم الديراوي*
أثار اقتحام المدرسة العراقية في موسكو،يوم الجمعة الماضي،من قبل جماعة مسلحة تابعة للحزب الديمقراطي-الليبرالي،الذي يقوده السياسي المتطرف فلاديمير جيرينوفسكي،الممثل في مجلس الدوما الروسي،وتعنيف وإرهاب الطلبة والمدرسين وإرغام عدد كبير منهم إخلاء المبنى،بحجة تنفيذ قرار القضاء الروسي،دون تبليغ السفارة العراقية وإدارة المدرسة بهذا القرار،ولا حتى تسليمها نصاً منه حسبما تمليه أعراف المحاكم الشرعية،استهجان واستنكار السلك الدبلوماسي العراقي والعربي وشخصيات علمية وثقافية وممثلي وسائل الإعلام العربي والروسي والجاليات العربية في روسيا،مما عكر صفاء العلاقات العراقية-الروسية،ووضع حكومتي الدولتين في موقف حرج،في ظل وضع إقليمي ودولي متشنج تماماً.
وكشفت لنا مصادر عراقية وعربية مطلعة أن هذه القضية مرتبطة بصفقات النفط،الشرعية وغير الشرعية التي كانت تبرمها الحكومة العراقية،عهد الرئيس السابق صدام حسين،مع شخصيات موالية ومنتفعة من مكارم نظامه.وكان من بين تلك الصفقات ما تم إبرامه مع نائب رئيس مجلس الدوما فلاديمير جيرينوفسكي نهاية تسعينات القرن الماضي. وقتها لم يسلم النائب جيرينوفسكي كل قيمة العقد ما جعله يقايض ديونه للحكومة العراقية ببناية في موسكو،حولتها السفارة العراقية إلى مدرسة لأبناء الدبلوماسيين والجاليات العربية في روسيا.والمعروف أن المدرسة العراقية تعمل رسمياً في موسكو منذ ستينات القرن الماضي،وتتبع في عملها الإداري والتعليمي وزارة التربية العراقية.
وللحق نذكر أن سفير جمهورية العراق الأسبق في موسكو السيد مزهر الدوري قال لنا،في لقاء جمعنا به عام(2001)، بأن جيرينوفسكي عوض ديونه المتراكمة عليه ببناية ضُمت إلى أملاك العراق،وتم ذلك بعقد شرعي وحصلت السفارة العراقية على شهادة تملك رسمية،لدينا نسخة منها مع وثائق بصيغة خطابات موجة من فلاديمير جيرينوفيسكي، يومها كان نائب رئيس مجلس الدوما الروسي،إلى طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق وإلى السفير الدوري.وفيها يعترف بأن للعراق ديون عليه ومستعد لمبادلتها ببناية،بل ويلح على عدم التأني في توقيع عقد البيع والشراء بينه وبين السفارة العراقية.والغريب أن جيرينوفسكي يستخدم استمارات رسمية تابعة لمجلس الدوما في مخاطباته لعقد صفقة تجارية مع دولة أجنبية وهذا مخالف تماماً للقانون الروسي،الذي يحرم على المسؤولين في السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية استخدام مناصبهم في الدولة لأغراض تجارية أو منافع شخصية.فهل سيثير القضاء الروسي هذه القضية ضد جيرينوفسكي؟أم أنه سيعفى منها هذه المرة أيضاً لأغراض في نفس يعقوب؟.كما ونقلت لنا مصادر مطلعة على أولويات هذا الملف،منذ بدء المفاوضات بين فلاديمير جيرينوفسكي والسفارة العراقية في موسكو(2000-2002)،أن وثائق هذه البناية وعقد البيع والشراء تحفظ في السفارة ووزارة الخارجية بل وفي القضاء الروسي.
والمؤسف أن جماعة تابعة لعضو مجلس الدوما الروسي فلاديمير جيرينوفسكي لم تكتف باحتلال المدرسة وإرهاب التلاميذ والمدرسين بل قامت ظهر السبت الماضي باعتداء جسدي على دبلوماسيين عراقيين وموظفين في السفارة والمدرسة،وعلى مرأى من مراسلي قنوات عربية وتركية،دون أدنى اعتبار وهيبة لحصانتهم الدبلوماسية،وأرغمت عنوة تسعة دبلوماسيين كبار ومدرسين ومراسلين أجانب وسواهم من موظفين على التجمع في إحدى قاعات المدرسة،وأحكمت الحصار عليهم من داخل وخارج المدرسة ومنعتهم حتى من استعمال المراحيض وقطعت عنهم الماء وشبكة الإنترنت.وتواصل إرهاب كل من يحاول الاقتراب من المدرسة وتغطية العدوان على الدبلوماسيين في وسائل الإعلام.ويلاحظ أن قناة روسيا اليوم وبعض القنوات الروسية والمراسلين العراقيين والعرب غير المنصفين متواطئين في عدم تغطية وقائع هذه الجريمة.
وذكرت لنا مصادر محاصرة في المدرسة؛أن السفارة العراقية في موسكو خاطبت الجهات الدبلوماسية الروسية المعنية لكنها للأسف لم تتخذ إلى الآن أي اجراء جاد لحماية الدبلوماسيين العراقيين مما ينذر بأزمة دبلوماسية بين العراق وروسيا،وطالبت السفارة العراقية الحكومة الروسية بإخلاء المدرسة العراقية من الجماعة المسلحة التابعة لحزب جيرينوفسكي،وإعادة الأمور إلى القضاء للنظر في قرار الطعن قبل أن تتطور إلى ما لا يحمد عليه.لاسيما وأن هناك انطباع لدى الدبلوماسيين العراقيين أن الذي يحكم في هذه القضية ليس القضاء الروسي وبنود الاتفاقيات العراقية–الروسية بل زمرة تحتمي بصفتها النيابية،وترى أن ثمة تهادن وتوافق بين أفراد في قوات الأمن الروسي وجماعة جيرينوفسكي التي تتصرف ببلطجية وعلى مرأى من السلطات الروسية.وأبلغني مصدر يعرف عن قرب جيرينوفسكي وكواليس الطبخات التي تعد بينه وبين جهات في الحكومة الروسية،بأنها تستخدمه عادة كعصا غليظة أثناء المفاوضات الصعبة مع دولة أخرى،ولكل موقف ثمنه!.
كما وأوضح لي أيضاً زميل محاصر في المدرسة أن الحكومة العراقية ترى الحل الأمثل في إخلاء المدرسة من المعتدين وفك الحصار عنها واستئناف الدراسة فيها لاسيما وأن التلاميذ يؤدون الامتحانات هذه الأيام،ومنح القضاء الروسي وقتاً كافياً للبت في هذه القضية ذات الطابع العقاري وعدم تسيسها،الذي قد يخدش التفاهم العراقي الروسي.وتدرك أن هذا التصرف العدواني الصادر عن نائب في البرلمان الروسي لا يليق بتاتاُ بعراقة وفضاء وروح العلاقات الروسية-العراقية التي تشهد اليوم نموا ملحوظاً.ولعل من غير الحكمة والتروي إلحاق الضرر بها في هذا الوقت بالذات،الذي تسعى فيه روسيا لاستعادة نفوذها في الشرق العربي،الذي يشهد اضطرابات مربكة.ولعل اللجوء إلى هذا الأسلوب غير الحضاري من جانب حزب سياسي رسمي مُمثل في البرلمان الروسي،والتطاول على دبلوماسيين أجانب تحت حماية الحكومة الروسية،أمر غير مفهوم وغير مبرر.رغم كل ما هو معروف عن فضائح واعتداءات جيرينوفسكي،الغير متزن نفسياً،على الصحفيين والنواب في مجلس الدوما.
وعلمنا أن الدبلوماسية العراقية تسعى اليوم إلى حل الأزمة بتروي ووفق العرف الدبلوماسي،رغم تباطؤ الخارجية الروسية والجهات المعنية في اتخاذ إجراءات لازمة لوقف العدوان على دبلوماسي دولة صديقة، وترك القضاء يحسم ملكية بناية المدرسة دون ابتزاز وممارسة ضغوط عليه.وتفهم أن استخدام العنف وخرق الحصانة الدبلوماسية لا يليق أبداً بثقافة التعاون الروسي العراقي والعربي عامة بل ويلحق الضرر بسمعة روسيا عربياً ودولياً.ولذا ينبغي عاجلاً إخراج المقتحمين ومنح التلاميذ إمكانية استئناف دراستهم وتقديم الامتحانات في أجواء آمنة،وعدم السماح باستمرار هذا الخرق الذي تمس حق الطفل في التعليم والعيش بسلام.لاسيما وأن عشرات التلاميذ وذويهم من مواطني روسيا،ونحو سبعين تلميذاً سورياً هجرهم الإرهابيون من بلدهم يتعلمون في المدرسة العراقية.والغريب أن الأطفال السوريين يحرمون اليوم من مواصلة دراستهم بأمان في موسكو كما حرمتهم أمس يد الإرهاب في سورية.لا أدري كيف لهؤلاء الأطفال البررة ذوي القلوب الطاهرة والعواطف الرقيقة والمزاج الشفاف والأيادي الناعمة أن يتحملوا كل هذا العبء النفسي والمعاناة الجسدية التي رماهم بها وبلا رحمة النائب المستشرق فلاديمير جيرينوفيسكي وأتباعه.
وما يثير الدهشة أن لجنة شؤون المرأة وحقوق الطفل في مجلس الدوما الروسي،وممثل الرئيس الروسي في الدفاع عن حقوق الطفل السيد بافل أستاخوف ومعهما جميع منظمات حقوق الإنسان الروسية لم تبد أدنى اهتمام يذكر في الدفاع عن تلاميذ المدرسة، بينهم عدد كبير من مواطني روسيا،الذين جربوا عنف وترهيب جماعة جيرينوفسكي وحرموا من حق مواصلة التعليم بأمن وسلام.يا ترى ما الذي كانت تفعله إسرائيل أو أي دولة أوروبية،ولا أقول أمريكا،لو تعرض أعضاء سلكها الدبلوماسي أو إحدى مدارسها إلى ما تعرض له الدبلوماسيون العراقيون من اعتداء جسدي.والطريف أن الرئيس بوتين يطالب بمحاسبة من اعتدى على الدبلوماسي الروسي في هولندا،فيما بقي المعتدون إلى الآن يحتلون المدرسة العراقية ويمعنون في محاصرة الدبلوماسيين وترويعهم!.فليس من العقل والعدل بل والرحمة ان يصبح،هذه المرة،أطفال روسيا والدول العربية ضحية عدم تحكم السيد جيرينوفسكي بأعصابه،ولهثه إلى الثراء دون أي اعتبار لحقوق هؤلاء الأطفال في التعليم والحياة الأمنة.ولربما بعد عودة الرئيس بوتين إلى البلاد ستنفرج الأمور.هذا ما يأمله الكثيرون.ولمَ لا والأمل في روسيا هو ثاني ثالوث الروحانية الروسية بعد الإيمان وقبل الحب. والمعروف أن الأمل في روسيا آخر من يموت!.
ورغم هذا العبء الذي أثقل كاهل الدبلوماسية العراقية-الروسية،يسعى السفير العراقي في موسكو الدكتور إسماعيل محسن ومستشاروه بالتعاون مع السفراء العرب إلى احتواء الحادث بنهج دبلوماسي رزين،وبما يليق بروابط التعاون والمصالح المشتركة بين البلدين.وهذا ما ينتظره هو أيضاً من الجانب الروسي ويميل إلى رفض التصعيد السلبي في هذا الحادث المؤلم الذي خلقه النائب جيرينوفسكي،غير المتريث في أحكامه وتصرفاته.ويعتقد السفير العراقي أن مجالات التعاون ومستوى التفاهم بين الطرفين لا يسمحان بتعكير صفوة العلاقات الرفيعة بين البلدين مهما سعت بعض الأطراف واهمة إلى ذلك.
ولعل استدعاء الخارجية العراقية،قيل أيام،سفير روسيا الفيدرالية في بغداد السيد ايليا مورغونوف وتسلميه رسالة احتجاج على تكرر الاعتداءات على الدبلوماسيين العراقيين وتلاميذ المدرسة العراقية،البالغ عددهم(280)تلميذاً من أبناء الدبلوماسيين والجاليات العربية في موسكو.التي عُطلت الدراسة فيها بسبب احتلالها من قبل جماعة النائب جبرينوفسكي ومحاصرة قوات الأمن الروسي لها،مؤشراً على عدم رضاء الحكومة العراقية على إجراءات احتواء الاعتداء،وتمهل الحكومة الروسية في حسم الأمور في إطار القانون ووفق مصالح البلدين.وطالب وزير الخارجية العراقي روسيا بالعمل الجاد لحل هذه القضية من خلال احترام الحصانات الدبلوماسية والقرارات القضائية.
ولا شك أن تمهل الحكومة الروسية وتهاونها في حل هذه الأزمة المفتعلة سيلقي بظلاله العتمة على التعاون العراقي الروسي،مهما أبدت نظيرتها الحكومة العراقية حرصاً شديداً على محاصرة الأزمة وعدم السماح بنقلها إلى شاشات القنوات الفضائية وصفحات الجرائد وكواليس الدبلوماسيين والمخابرات الإقليمية والدولية.وإذ أن الحكومة العراقية لا تملك عصا الساحر كإدارة الرئيس الروسي ! لمنع القضاء والبرلمان العراقي ومنظمات المجتمع المدني،بل وأصحاب الرؤوس الساخنة الداعين إلى إيذاء المصالح الروسية في العراق والمنطقة، والساعين دوماً إلى إعاقة إنماء مستوى التبادل الاقتصادي والتقني والعسكري بين البلدين،وإسهام روسيا في مشاريع إعادة تعمير العراق،التي تجلب إلى روسيا منافع جمة.في ظل تراجع نمو اقتصاد الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي وتحرك موجات جديدة من الأزمات المالية،المحلية والعالمية،مع تشاكل طموح روسيا في استعادة نفوذها الضائع في الشرق العربي،الذي تخلت عنه طوعاً في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.كل هذا غير ممكن اليوم،إلا عبر نافذة الثالوث الكبرى،العراق-إيران وسوريا،بعد أن تستعيد عافيتها،في ظل تشابك خارطة القوى الحاكمة في المنطقة وارتباط وتداخل مصالحها مع جهات دولية مؤثرة لا ترغب في رؤية روسيا كطرف فاعل في تحريك قضايا المنطقة المعقدة،ولذا على روسيا أن ترتب أولويات سياستها في الشرق الأوسط وتحسم مقياس التعامل مع من ترى فيه مواصفات الشريك الموثوق في تعزيز مصالح الطرفين،وطمأنته على تقاسم النفوذ ما دام من (أهل المنطقة).
وروسيا التي تملك كل مقومات النهوض بهذه السياسات الكونية إن تحركت وبمصداقية مع شركائها القادرين اليوم،إن وجدوا حليفاً وثيقاً كحلفاء خصومهم،أن يدخلوا روسيا بمرونة ويسر إلى موارد وثروات وقضايا المنطقة ذات التأثير غير البعيد على مصالحها،وربما ستنعم روسيا وشركاؤها بل ومنافسيها في استثمار تقنياتها وكفاءاتها العالية وخبراتها المتراكمة في ثروات واقتصاد المنطقة وتحديثها وعزل مجتمعاتها عن وباء التطرف والإرهاب والعدوان، وتجفيف منابعه التي تروى من فقر وجهل وانعزال شبيبتها رغم ثروات بلدانها الوفيرة.
ويبقى تنفيذ روسيا لتلك السياسات مرتبط بالإرادة السياسية والروحية للقيادة الروسية في تسليم الملفات الإقليمية العالقة،التي تسمم منذ عقود طويلة العلاقات الدولية وتعيق التعاون المثمر بين الشرق العربي والغرب،لذوي الكفاءات العالية،المتحررين من عبء النفوذ والضغط والابتزاز الأمريكي–الإسرائيلي،الذي يسلط على كلمن يسلك سياسة معتدلة منسجمة مع الشرائع والأعراف الدولية ومصالح شعوب المنطقة.وإلى اليوم يبدو أن مثل هذا الحل لا يوائم ولا يتناغم مع تلك السياسات غير العادلة والمضللة التي تسود وتدير العلاقات الدولية التي أصبحت رهينة افتراءات تاريخية وتزمت عنصري يفرض أوهامه ورؤاه البالية عبر أساليب الابتزاز والترهيب المسؤولة عن إبادة ملايين البشر،في العقود الأخيرة،والاستحواذ على مواردهم وثرواتهم الطبيعية وارثهم الحضاري،وربما لأنهم من جنس أو لون أو حتى من دين أخر.
ويُعلم تاريخ البشر أن لا مكان للقيم العادلة التي تضبط وتدير العلاقات الدولية إن استلت تلك المُثل من ثقافة أثنية متزمتة أو دولة متكبرة لا ترى في تعاملها مع الطرف الأخر إلا مصالحها الضيقة.وكل من لا يسلم بذلك يرمى بتهمة الإرهاب والشيطنة ويجري اجتثاثه من على بقاع المعمورة.هذا الجور السائد في التعامل بين الدول لا يطغي على المجال السياسي فحسب بل يقبض على منظومة الثقافة والعلوم والمعارف ويتعداها إلى الأديان والأعراق،التي أُخضعت تماماً لسلطان السياسي-الحاكم المتكبر ذي المصالح المشبوهة المتشابكة مع ذاك المالي الموغل في الربا والجشع،الذي يؤمن بحق أتباعه في نهب ثروات وأملاك الغير والتصرف بها كوعد رباني.ولأجل هذا أقيم كيان مستقل لحماية الفارين من أحكام بلدانهم والمحاكم الدولية!.إن كانت تلك القيم هي التي تسير الشؤون الدولية إلى حد كبير!فهل يمكن الإقرار بأن التعامل الدولي يجري وفق تلك اللوائح والقوانين المصادق عليها من قبل تلك الدول التي لا تكف عادة،وبلا وجل،من إعطاء الناس دروساً فجة في احترام بنود القانون الدولي وحقوق الإنسان التي تخرق كل يوم خارج محيطها الجغرافي بإرادة أجهزتها الحكومية وعملائها الإقليميين؟.
* رئيس تحرير حولية (روسيا والعالم العربي).