الأمن الاجتماعي والإنتاجية

علاء جوزيف أوسي
2013 / 10 / 11

إن الإنتاجية هي المصدر الحقيقي للنمو الاقتصادي وتحسين الوضع المعيشي في أي بلد، بحيث تعطي معدلات نموها نظرة للنشاط الاقتصادي، وتكشف نواحي الضعف والقوة فيه، فهي مقياس لقدرة المنشأة أو الاقتصاد القومي على إنتاج أكبر كمية ممكنة من مدخلات معينة. وبهذا فهي مصدر رئيس لتحسن الناتج المحلي الإجمالي الذي كلما كبر وشاركت في تكوينه أوسع الفئات الاجتماعية وأنشطتها الإنتاجية والخدمية ضَمِنَ استقراراً لتكاليف المعيشة. وبذلك يلعب أسلوب الإنتاج والعلاقات السائدة ضمنه دوراً مهماً في تدعيم نظم الخدمات الاجتماعية.

لهذا تسعى الدول جاهدة للمحافظة على استمرارية معدلات نمو متزايدة في الإنتاجية بإدخال التحسينات المستمرة في الجوانب التكنولوجية والإدارية والبشرية. وهناك عديد من الدول تمكنت من تحقيق تقدم صناعي كبير باستخدام التقدم التقني، وحققت تراكماً ملموساً في الرأسمال، ومنها على سبيل المثال اليابان، التي استخدمت الإنتاجية وسيلةً فعالة لإصلاح اقتصادها الذي دُمِّر كلياً أثناء الحرب العالمية الثانية. واستطاعت بفضل رفع معدلات الإنتاج من النهوض ثانية بعد أن حققت معدلات نمو عالية في الإنتاجية. وحذا حذوها العديد من دول شرق آسيا، فركزت جهودها الكبيرة على تطبيع مجتمعاتها وتوعيتهم بأهمية تحسين الأداء وزيادة الإنتاجية، فوضعت لذلك السياسات والبرنامج الوطنية لتحقيق أهدافها انطلاقاً من العامل. إذ إن أحد أسباب نمو المشروعات الخاصة والعامة هو إنتاجية العامل وهذه الإنتاجية تتأثر إيجاباً بحالة الاستقرار والطمأنينة التي تعيشها الطبقة العاملة. فسنت مجموعة قوانين تكفل للطبقات الكادحة حقوقها، وتؤمن للعاملين بيئة عمل مثالية جاذبة وتكون دافعاً لهم للتميز والإبداع في أداء مهامهم وتحسين مستوى الإنتاجية، لأنها تعمل على رفع مستوى الرضا الوظيفي وتحسين مستوى الكفاءة. وهو ما يؤثر إيجاباً على الأداء، الأمر الذي نفتقده في معظم مؤسساتنا الحكومية إن لم يكن كلها، إضافة إلى جزء كبير من القطاع الخاص. وهو ما يتطلب إجراء دورات توعية لأرباب العمل بأهمية الاهتمام بذلك ومدى انعكاسه على الإنتاجية والعمل. وكذلك الاستثمار في التعليم والتطوير إذ إنه يسهم في رفع الكفاءة الإنتاجية، بواسطة الإضافة إلى المخزون من المعارف العلمية النافعة، وبإنتاج وتحسين العمليات الإنتاجية، وعمل منتجات جديدة بالاختراع والابتكار.

الدور الغائب

إن الحديث عن بيئة جاذبة للعمل لا يقتصر فقط على الجوانب المادية، فهي برغم أنها عامل أساسي في استقطاب اليد العاملة لمؤسسة دون غيرها، إلا أن هناك جوانب أخرى لا يمكن إغفالها، مثل وجود أنظمة وقوانين مشجعة على العطاء والبذل والإبداع، إضافة إلى التقدير والثقة والعدالة، وغيرها من العناصر الهامة التي تعمل على رفع مستوى الرضا الوظيفي للعاملين، وتنعكس على الأداء وتوثر إيجابياً على ولائهم، ومن ثم بقائهم في المنظمة.

وهنا تبرز أهمية اتحاد نقابات العمال ودوره الهام في إيجاد علاقة بين الموظف وقياداته حتى تؤخذ احتياجاته ومطالبه بالحسبان، قبل تكاليف العمل. ولكنها مع الأسف غابت أو غُيبت عن مجال عملها النقابي في سورية وتفرغت (للنقابية السياسية) غافلة عن الدور الأساسي للاتحاد كمنبر لإيصال صوت العمال والإتيان بحقوقهم المسلوبة، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة لعمال الوطن دون الانتقاص من الأساسية.

الإنتاجية والضمان الاجتماعي

من شأن النمو السريع في الإنتاجية تخفيف الأعباء المالية الضخمة التي ستصاحب تقاعد الأجيال الحالية من الأطفال والشباب والنساء، إذ تزداد مطالبهم من خدمات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، أي أن تكفل الدولة تحقيق الضمان اللازم للمواطنين في حالات الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو اليتم أو الترمل أو البطالة...إلخ، خاصة مع وجود شرائح كبيرة من السكان خارج نطاق تغطيتها، كما تؤمن لهم خدمات التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية، وتعمل على وقايتهم من براثن الجهل والخوف والعوز. فهذا القانون من أهم القوانين التي تضمن للعامل، بعد انتهاء حياته العملية، حياة كريمة ويوفر له الراحة النفسية أثناء سنوات العمل لأنه يكون مطمئناً نوعاً ما على مستقبله عند الشيخوخة.

وتشمل معظم أنظمة الضمان الاجتماعي عمال القطاع العام والقطاع الخاص المنظم بعقود طويلة الأجل، وتحرم فئات العمال الأخرى، ويسهم ارتفاع معدلات التوظيف في القطاع غير المنظم وتدني معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل، وارتفاع مستويات البطالة في تدني معدلات تغطية هذه الأنظمة، وهنا تبرز أهمية الأمن الاجتماعي الذي يعدّ دعامة أساسية لدعم المواطنين، وهو ينبثق من فلسفة الضمان الاجتماعي التي تتأثر بعوامل عديدة تتعلق بهدف النظام وطبيعة توجهاته نحو العدالة الاجتماعية وإطاره السياسي والقانوني ومستوى انسجامه مع محتوى لوائح حقوق الإنسان .

فالضمان الاجتماعي مسألة حقوق والتزام اجتماعي من جانب الدولة، فهو عقد اجتماعي مع الناس، وعلى المدى الطويل ليس مكلفاً، بل هو استثمار ذكي يحقق الاستقرار الوظيفي، ويحافظ على الرأسمال البشري ويزيد إنتاجيته. ومن هنا تبدو أهميته الاقتصادية، وكذا الاستقرار الوظيفي الذي يكون نتيجة منطقية للاستقرار النفسي للعمال، وذلك لاطمئنانهم على يومهم وغدهم، بالنسبة لهم ولأسرهم من بعدهم. واليوم تبرز أهميته بشكل كبير من حيث إعانة العاطلين الذين فقدوا سبل معيشتهم لأسباب خارجة عن إرادتهم عن طريق إعادة تدوير عجلة الإنتاج وإنشاء مشاريع إنتاجية جديدة تكون ضامنة للطبقة العاملة في بلادنا في ضوء التطورات الحالية، والسعي للوصول إلى مستويات للضمان الاجتماعي للعمال تتناسب وحجم التحديات التي تهدد مستقبل العمل والعمال.