التأمينات الاجتماعية ضرورة اجتماعية واقتصادية تفتقر إلى وعي العاملين

علاء جوزيف أوسي
2013 / 10 / 10

المحامي البني: زيادة نسب التأمينات لحساب صندوق البطالة

تُشكل التأمينات الاجتماعية، بما توفره من استقرار وطمأنينة للقوى العاملة، صمام أمان لعلاقات العمل، فبدلاً من الصراع العنيف الذي كان يميز العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال، خاصة في الحالات الكثيرة لفقدان الأمل بمستقبل آمن للعمال. فقد خلقت النظم التأمينية مشروعاً مشتركاً بين طرفَيْ المعادلة يساهم كلاهما في تمويله وتطويره وإدارته. وهذا هو أحد المكاسب الهامة لأصحاب العمل الذين يهمهم في الأساس نجاح مشروعاتهم، التي تعتمد أساساً على سواعد العمال وعرقهم.

فالتأمينات هي إحدى الدعامات القوية للمجتمع لأنها ضرورة اجتماعية واقتصادية، فمن الناحية الاجتماعية، يوفر معاشات لملايين المؤمن عليهم، مما يضمن مستوى مقبولاً لمعيشة كل مؤمن عليه، إضافة إلى توفير الرعاية الطبية والخدمات التأهيلية، في حالات إصابات العمل والمرض.

أما من الناحية الاقتصادية، فيقوم نظام التأمين الاجتماعي بتجميع اشتراكات المؤمن عليهم، ثم يعيد استثمارها في مشروعات الخطة القومية للدولة، وبهذا يتيح الفرصة لتشغيل عدد كبير من العمال، كما يعيد إلى سوق العمل والإنتاج من يعجز منهم عن أداء عمله، وذلك بعد تأهيله مهنياً. ولهذا سنت في سورية القوانين ووضعت التشريعات التي تكفل حقوق العاملين في القطاعين العام والخاص. وعلى الرغم من ذلك مازالت الطبقات الكادحة تعاني الكثير، لاسيما في مجال التأمينات الاجتماعية في ظل القوانين الجارية، خاصة أنه ظهر العديد من الصعوبات أمام مؤسسة التأمينات الاجتماعية في تطبيق بعض أحكام هذا القانون، نتيجة اختلاف وجهات النظر حول تفسير بعض المواد، وهو ما ولد مصاعب إضافية أمام الشرائح العمالية في الوصول إلى حقوقهم التأمينية.

الحقوق المكتسبة والإضافات الجديدة

للوقوف على قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959 وتعديلاته المختلفة، وآخرها القانون رقم 78 لعام ،2001 التقت (النور) المحامي الأستاذ فؤاد البني، فبيّن أن قانون التأمينات الاجتماعية من القوانين الهامة جداً، لأنه يتعلق بحقوق الطبقة القادرة على الإنتاج. وقد صدر بعد قيام الوحدة عام ،1959 وهو مع قانون العمل91 توءمان، وضمنا حقوقاً جديدة للطبقة العاملة، وضمنا مستقبلها في الكثير من القضايا، مع أنه مضى على هذا القانون فترة طويلة من الزمن. وتابع يقول: إن القوانين (تحتاج دائماً إلى تطوير من حيث تطبيقها)، مع الأخذ بالحسبان عند إلغاء أو تعديل أي قانون الحفاظ على ميزتين هامتين: أن يحافظ على الحقوق المكتسبة من جهة، وأن يضيف حقوقاً جديدة، فلا يجوز عند تعديل القانون أن يستلب أو ينتقص من الحقوق التي ترسخت تاريخياً.

وكمثال على ذلك: قانون العمل رقم 91لعام ،1959 الذي عُدّل بموجب القانون 17 لعام ،2010 مع الأسف انتقص الميزتين اللتين أشرت إليهما، وإن كانت بعض الرتوشات ظهرت على بعض القضايا. إلا أنه استلب حقين هامين، الأول عدم تجديد عقد العمل بعد مرور المدة، والثاني إلغاء مؤسسة التسريح، التي كانت تنظم علاقة تسريح العامل من عمله في حال ارتكب أعمالاً قد تؤدي به إلى الإخلال بقواعد العمل من جهة، والإخلال بالتزاماته تجاه العمل ورب العمل. وقال: (نحن لسنا مع العامل المسيء ولكن الأسباب الموجبة لتعديل هذا القانون استندت إليها)، ولفت إلى أن (العمال الذين أساؤوا تطبيق هذا القانون على مدار الخمسين سنة، لا يشكلون نسبة واحد على عشرة آلاف من العاملين. لكنه اتخذ مبرراً للزعم بأن العامل ونتيجة مؤسسة التسريح والتشدد بتسريح العامل قد يسيء إلى العمل، ولا يساعد على استقدام الرساميل وعلى الاستثمار.. إلخ من المبررات التي اعتمد عليها في تعديل هذا القانون.

قانون التأمينات

فيما يتعلق بالقانون الحالي للتأمينات الاجتماعية، أشار إلى وجوب التعامل معه من جانبين: الأول يتعلق بإصابات العمل وأنواعها وكيفية احتسابها والإجراءات التي يجب أن يقوم فيها كل من العامل ورب العمل للتعامل مع هذه الإصابة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبين القانون الحقوق التي تترتب للعامل بسبب الإصابة ونسبة الضرر التي تحدثها على العامل فيما إذا ألحقت به ضرراً جزئياً. وهذا الضرر يمكن أن يعوض عنه بتعويض دفعة واحدة، أو أن يرتب العجز بنسبة معينة أعلى من 35% حسب القانون. وبالتالي يرتب للعامل الحق في الحصول على معاش يسمى معاش عجز يضاف إلى استحقاقاته الأخرى، لأن القانون نص على الجمع بين الاثنين، وقد فصّل القانون كيفية التعامل مع نسبة العجز. أما القسم الثاني من قانون التأمينات الاجتماعية فيتعلق بالعجز والوفاة والشيخوخة، ومتى يستحق العامل كلاً منها، ومتى يستحق استناداً إلى خدمته تعويض الدفعة الواحدة. كما حدد القانون أصول للتعامل مع هذه القضايا فيما إذا كانت استحقاقات العامل تتعلق بتعويض الدفعة الواحدة، إذ حدد القانون نسباً معينة حسب سنوات الخدمة.

المرحلة الرابعة

أشار الأستاذ البني إلى أنه عند الاطلاع الأوّلي على إحدى نسخ مشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية، يمكن الحديث عن قضيتين أساسيتين كانتا تشكلان مشكلة في تطبيق قانون التأمينات:

* الأولى هي تطبيق هذا القانون على المرحلة الرابعة، في الوقت الذي جرى تطبيق هذه المرحلة أثناء تطبيق القانون على مراحل: الأولى، والثانية، والثالثة، ودون الخوض في مفهوم كل مرحلة.. واقتصر تطبيق المرحلة الرابعة من القانون على فصل إصابات العمل دون أن يجرب تطبيق القسم الثاني من القانون (عجز ووفاة وشيخوخة) على المرحلة الرابعة. هذا المشروع الذي يجري العمل على صياغته تطرق لهذه المسألة، وشمل بالمشروع تطبيق هذا القانون على المرحلة الرابعة، وهذا شيء إيجابي ويمكن أن يسجل إضافة جديدة إلى الحقوق المكتسبة.

الازدواج التأميني

أما الجانب الثاني فكانت تواجه تطبيق قانون التأمينات مبدأ الازدواج التأميني، وأكد المحامي البني أن مؤسسة التأمينات الاجتماعية أخذت بمبدأ الازدواج التأميني منذ تأسيسها. ومفاد هذا المبدأ أن يقوم العامل بعمل ما عند رب عمل، سواء كان في قطاع الدولة أو في القطاع الخاص، ويجري تسجيله لدى المؤسسة، وتُدفع الاشتراكات المتوجبة عليه وعلى رب العمل وتحت رقم تأميني. ثم يقوم هذا العامل بالعمل لدى رب عمل آخر، وتؤدي كل الالتزامات المرتبة تجاه المؤسسة عن العمل الآخر، (إلا أن مؤسسة التأمينات الاجتماعية رغم أخذها بمبدأ الازدواج التأميني، لم تفِ بالالتزامات المرتبة عليها تجاه هذا الموضوع، وتصدر قرار صرف المعاش التقاعدي للعامل عن أجر ومدة أحد العملين، وتتجاهل الحقوق التي تترتب للعامل عن أجر ومدة الخدمة في العمل الآخر).

كما بيّن أنه سبق لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن عالجت موضوع الازدواج التأميني بالاتفاق مع وزارة المالية، وانتهت إلى الرأي الذي يفيد بصرف المعاش التقاعدي عن الأجر الأفضل، وصرف تعويض الدفعة الواحدة عن الاشتراك لدى المؤسسة عن العمل الآخر. وقال: (على الرغم من صحة هذا الرأي وتوافقه مع مبدأ العدالة وقاعدة الغرم بالمغنم، إلا أن المؤسسة مازالت تقف الموقف الموارب من هذا الموضوع، بذريعة أن الأخذ بهذا الرأي يجب أن يتم بالتنسيق مع الجهاز المركزي للرقابة المالية، والذي يؤكد أيضاً صرف المعاش التقاعدي على أساس الأجر والخدمة لدى القطاع العام وتجاهل صرف تعويض الدفعة الواحدة عن العمل الآخر.

وإذا كان قانون التأمينات الاجتماعية قد ألزم أصحاب العمل والعمال بالاشتراك في المؤسسة باعتبار أن القانون هو المظلة التأمينية لجميع العاملين في القطاع العام والخاص والمشترك والتعاوني، فمن الواجب صرف هذه المستحقات التي تنجم عن هذا الالتزام. وإلا فليس هناك مبرر لاستيفاء هذه الاشتركات عن العمل الآخر. والتأمين على العامل يتوافق مع المهام المنوطة بالمؤسسة، بحيث لا يجوز أن يبقى أي عامل لدى أي رب عمل خارج مظلة التأمين التي تحميه من طوارئ العمل والأمراض المهنية وحالات العجز والشيخوخة والوفاة).

وقال: (هذا الموضوع لوحظ في التعديل، حيث يوجد نص جميل وموافق عليه مبدئياً على الأقل ونتمنى أن يطبق).

تخفيض نسب التأمين

فيما يتعلق بمناداة البعض مؤخراً بتخفيض مساهمة رب العمل في التأمين، على أن يتحمل العامل بقية المبلغ، أو يُخفّض الاقتطاع الشهري، أشار المحامي البني إلى أن هذه القضية طرحها أرباب العمل، ولكن على مدى تطبيق قانون العمل على مدى السنوات السابقة لم تكن النسب التي يدفعها العامل أو رب العمل تؤثر على هذا الموضوع، بل بالعكس هذه النسبة هي من أقل النسب الموجودة في العالم، فيما يتعلق بتطبيق التشريعات الاجتماعية التي لها علاقة بحقوق العمال والتأمين. وأكد قائلاً: (المطلوب هو زيادة هذه النسب كي يوفر ذلك صناديق جديدة للتأمين الاجتماعي كتعويض البطالة وغيره). وأضاف: (لهذا لا يمكن التعويل على إنقاص هذه النسب كتخفيض لتكلفة الإنتاج، والطلب الإبقاء على هذه النسب إن لم تُزَد كي تحقق إضافات جديدة، كتعويض عن صندوق ما يسمى التعويض على البطالة).

المادة 58

ثمة إشكالية في تطبيق هذه المادة،لتعلقها بحقوق العاملين والمعاشات التقاعدية التي يستحقونها عند انتهاء خدمتهم، خاصة عندما تقتطع الاشتراكات التأمينية منهم عن أجر، ويحصلون على معاشات تقاعدية عن أجر آخر.

وعن هذه المادة قال المحامي البني: (تحوي المادة 58 إشكالية فيها، وإشكالية في تطبيقها، ولابد أن يكون لدى مؤسسة التأمينات الاجتماعية ثقافة كاملة في هذا الموضوع.. فإذ كانت الزيادات تزيد على 15% أو 30% عن خمس سنوات أو غيره، علماً أنه يوجد نص واضح بحيث تحسب التعويضات على أساس متوسط السنتين الأخيرتين، إذا كانت تتعلق بتعويض الدفعة الواحدة، وحساب متوسط السنة الأخيرة فيما إذا كان يتعلق بالراتب التقاعدي)، مشيراً إلى أن هذين النصين يحلان الإشكالية الموجودة في المادة 58.

وأردف قائلاً: (لكن المادة 58 استخدمت في ظل وجود تفاوت في الأجور عن الحد الأدنى، إذ إنه يوجد مؤسسات أعطت رواتب تفوق الحدود الدنيا من الأجور، مما رتب على هذا الوضع الإشكالية المنصوص عليها في المادة 58). وآمل أن تراعى جميع الظروف المتعلقة بهذا الموضوع بين الحدود الدنيا للأجور أو الرواتب التي تصل إليها الأجور بالزيادات الدورية أو الزيادات الطارئة عليها، والأخذ بالحسبان سوق العمل وتطوراته.

وأكد المحامي البني أن قانون التأمينات الاجتماعية يحوي، إضافة إلى الإشكاليات السابقة، جوانب أخرى مثل حق توريث راتب المرأة، وغيره من الإشكاليات التي طرحها العاملون وتبنتها قياداتها النقابية. وهناك آراء كثيرة جداً جعلت من الموضوع رقماً يجب النظر فيه وتصحيحه وتصويبه.. كما أكد ضرورة شرح القانون بمواده المختلفة، وخاصة المتعلق بإصابة العمل حتى يصبح لدى العاملين ثقافة بحقوقهم التأمينية، ليعرفوا كيفية التعامل مع الموضوع والحقوق التي تترتب لهم.

كلمة لا بد منها

إننا اليوم في مرحلة تؤسس لنظام تأمينات اجتماعية جديد، وهو ما يتطلب تعاوناً من الجهات المشرفة على تطبيقه من اتحاد عمال ومؤسسة التأمينات ووزارة العمل، خاصة إذ كانت نظم التأمينات الاجتماعية تؤسس لنظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يُغير ربما جذرياً في مفهوم الدولة والفكر السياسي، بل يؤسس أيضاً لثقافة جديدة تقوم على التعاون والتفاعل والانسجام بين الأفراد والمجتمعات والدول، من أجل خير الإنسان ورفاهيته وازدهاره.

فنحن اليوم بحاجة إلى قرارات تخفف من الاحتقان والضغط الاجتماعي، الأمر الذي انعكس مع غيره من القرارات والسياسات على أرض الواقع في الأزمة الحالية، مع تأكيد ضرورة العمل على إعداد منظومة للضمان الاجتماعي في سورية، تشمل عدة أنواع من التأمين، تضاف إلى أنواع التأمين الموجودة حالياً، كالشيخوخة والتقاعد والعجز والوفاة وإصابات العمل.. مع تأكيد أهمية الاهتمام برفع الوعي التأميني لدى العاملين في القطاعات كافة، والسعي لتعريف العمال وأرباب العمل بحقوقهم وواجباتهم، بغية ضمان نجاح تطبيق قانون التأمين الاجتماعي.