بورتريه صحافية: من جاكلين دافيد إلى زكية داوود

رشيد نجيب
2013 / 10 / 3

سنوات لاماليف

تطرقت الكاتبة الصحفية الفرنسية زكية داوود في كتابها الأخير المعنون ب:"سنوات لاماليف، 1958-1988، ثلاثون سنة من الصحافة بالمغرب" لتجربتها في العمل الصحفي ببلادنا. هذا الكتاب كانت المؤلفة تتوخى من ورائه نشر سلسلة من المقالات القوية والهامة التي سبق نشرها بمجلة لاماليف المشهورة كنوع من "تجديد الاستكشاف الشخصي للتاريخ اليومي للمغاربة خلال المرحلة المعروفة بسنوات الجمر والرصاص، وكيفية انعكاس هذا التاريخ على صفحات المجلة من خلال مقالاتها المتميزة بطابع تغلب عليه الرقابة الذاتية والرسمية معا" كما بينت الكاتبة في مقدمة كتابها. ومن أجل التوثيق لمجموع الأحداث التي شهدتها البلاد في تلك الفترة الحرجة من تاريخها المعاصر، كانت زكية داوود راغبة في نشر مذكراتها الشخصية ضمن هذا الكتاب، إلا أن سرقة هذه المذكرات الواقعة في حوالي 2000 صفحة من الحقيبة الخاصة بها في المطار في نهاية الثمانينات حال دون ذلك، وهي تعتبر ذلك مؤامرة جعلتها توجه أصابع الاتهام إلى المسؤولين في وزارة الداخلية والإعلام آنذاك، وهو الأمر الذي حدا بها إلى مراسلة هيئة الإنصاف والمصالحة سنة2003 للعمل على استرجاع تلك المذكرات بسبب حصول الهيئة الرسمية على أرشيف من الوثائق والكتب التي سبق للسلطات أن صادرتها من معارضيها في زمن الرصاص.

تجربة متفردة

وكانت الفرنسية جاكلين دافيد، والتي ستعرف فيما بعد بزكية داوود وستحصل على الجنسية المغربية سنة 1959، قد غادرت مدينتها برناي مباشرة بعد حصولها على شهادة الباكالوريا سنة 1956 لتلتحق بالمعهد العالي للصحافة بالعاصمة الفرنسية باريس، هناك ستلتقي بمغربي حاصل على الجنسية الفرنسية هو محمد لغلام الذي شاءت الأقدار أن يقاسمها ليس فقط الحياة الزوجية ولكن أن يشاركها أيضا جميع تجاربها الإعلامية في زمن مغربي عرف بسنوات الجمر والرصاص، لاسيما تجربة جريدة "مغرب أنفورماسيون" وتجربة إصدار مجلة شهرية عرفت باسم لاماليف التي أفردت لها كتابها الأخير. في بداية عملها الصحافي، اشتغلت زكية داوود بقسم الأخبار بالإذاعة الوطنية المغربية بالرباط في الفترة الممتدة ما بين 1958 و1961 تحت إدارة المهدي المنجرة، في حين اشتغل زوجها محمد لغلام بوزارة الأنباء. وعندما تم إعفاء حكومة عبد الله إبراهيم في ماي 1960 وأصبح مولاي أحمد العلوي وزيرا للإعلام وهو المعروف بتدخله المباشر في شؤون عمل الصحافيين بالإذاعة، وقع شنآن بين الوزير وبين الإذاعية جاكلين داوود حول طريقة تقديم الأخبار واعتماد القصاصات الإخبارية التي تبثها وكالات الأنباء العالمية، وهو ما اضطرها إلى مغادرة العمل الإذاعي رفقة زوجها ليستقر بهما المقام هذه المرة في مدينة الدار البيضاء.
من وزارة الإعلام سيلتحق محمد لغلام للعمل كتقني بالمكتب الوطني للكهرباء، أما الزوجة جاكلين وبسبب ميولاتها النضالية اليسارية ودعمها الواضح لحكومة عبد الله إبراهيم، فقد انضمت باقتراح وطلب من المحجوب بن الصديق إلى طاقم تحرير جريدة "الطليعة" التي تعد لسان حال الاتحاد المغربي للشغل، وكانت تقوم بتحرير مقالات حول مختلف أشكال المعاناة التي تواجهها الطبقة العاملة، قبل أن تتفرغ كلية للصفحة النسائية بذات الجريدة. في سنة 1964، غادرت صحافة الاتحاد المغربي للشغل بسبب رفضها لما أسمته "الطريقة الستالينية التي تدار بها شؤون المؤسسة النقابية وصحافتها"، لتعمل كمراسلة بالمغرب لمجلتي فرانس أوبسيرفاتور وجون أفريك التي يديرها الصحفي التونسي بشير بن ياحمد، هذا الأخير اقترح عليها اختيار اسم مستعار لتوقيع مقالاتها، فكان أن ولد لقب زكية داوود. وسيستمر عملها كمراسلة خارجية إلى غاية اختطاف ثم اختفاء المهدي بنبركة حيث تعرضت للكثير من المضايقات من قبل الشرطة التي كانت تستدعيها وتستنطقها عند صدور أي مقال لها وهو ما عرقل عملها المهني في الفترة الممتدة من نونبر 1965 إلى مارس 1966، مما فرض على إدارة المجلة دعوتها للإقامة بباريس والعمل على تغطية منطقة المغرب الكبير برمتها انطلاقا من هناك، غير أن ظروفها العائلية لم تكن لتسمح لها بذلك، لتتخلى بعد ذلك عن مراسلة جون أفريك.
في مارس 1966، أسست زكية داوود بمعية زوجها مجلة شهرية أطلقا عليها "لاماليف" برأسمال قدره 20.000 درهم، ووصل عدد النسخ المسحوبة إلى حوالي 12.000 نسخة. وهي مجلة ثقافية واجتماعية واقتصادية- كما كان يظهر على غلاف كل عدد- وشكل هذا المنبر ملتقى للكثير من الباحثين والكتاب لنشر أفكارهم ووجهات نظرهم حول عدد من المواضيع، وكان ضمن هؤلاء: عبد الكبير الخطيبي، بول باسكون، محمد خير الدين، عبد الله العروي، محمد الطوزي، إدريس الشرايبي، الحبيب المالكي، فتح الله ولعلو، عزيز بلال، ماري لويز بلعربي، خالد عليوة، عبد العالي بنعمور، عبد العالي دومو، برونو إتيان...وعلى امتداد أعدادها التي بلغت 200 عددا، تناولت المجلة الكثير من المحاور التي كثيرا ما كانت مزعجة، من قبيل: الأحزاب السياسية المغربية، العمل النقابي، اليسار المغربي، البورجوازية، الملكية، الصحراء المغربية، مشكلة التعليم، الجامعة، تاريخ المغرب، العلاقات الخارجية للمغرب، الديموغرافيا، الإسلام، الإدارة المغربية، المرأة المغربية، الجنس، المخزن...وكان ذلك طيلة اثنين وعشرين عاما إلى غاية توقفها اضطراريا عن الصدور سنة 1988 بسبب عدم قدرتها على تحمل المزيد من مضايقات السلطة واستفزازاتها وخصوصا بعد محتويات العدد الأخير لاسيما إحدى المقالات التاريخية للسوسيولوجي المغربي بول باسكون حول مراسلات دار إليغ ومقال للباحث محمد الطوزي درس فيه بنية جهاز المخزن. هذا المضمون أثار حفيظة المسؤول الأول بوزارة الداخلية والإعلام الذي استدعى على الفور رئيسة التحرير معبرا لها عن استيائه العميق من التوجه والخط التحريرين اللذين اختارتهما لمجلتها مهددا إياها بأقسى العقوبات إذا لم تصتف مجلتها من الآن فصاعدا إلى جانب اختيارات وزارته بما في ذلك نشر مقالات يوقعها الوزير بنفسه. أمام هذا الوضع وجدت هيئة تحرير لماليف نفسها مجبرة على التوقف عن الصدور لتوضع بذلك نقطة النهاية لمسار إحدى أهم التجارب الإعلامية في مجال الصحافة المكتوبة بالمغرب، هذا المسار الذي وصفته صاحبته بكونه عبارة عن "دراما شكسبيرية" كما ورد في كتابها.

نهاية مؤسفة

غادرت زكية داوود المغرب في حالة من الانكسار النفسي متجهة إلى بلدها الأصلي فرنسا حيث اشتغلت هناك بدءا من سنة 1989 بإحدى مراكز التوثيق إلى غاية سنة 2001، وفي نفس الوقت كانت تتعاون إعلاميا مع عدد من المجلات المتخصصة مثل: عربيات، لوموند ديبلوماتيك، بانوراميات...وعملت منذ تلك الفترة وإلى الآن على إصدار مجموعة من المؤلفات الخاصة بدول المغرب الكبير وضمنها: الحركة النسائية والسياسة بالمغرب الكبير، فرحات عباس: يوطوبيا جزائرية، بنبركة: حياة وموت، مغاربة الضفتين، عبد الكريم: ملحمة من ذهب ودم، العمال المغاربة بفرنسا، زينب: ملكة مراكش، الدار البيضاء تتحرك...