الديوان الشعري: -ءايلال ن ئيمان- مقاربة مضمونية ومحاولة تحليلية

رشيد نجيب
2013 / 9 / 26

الديوان الشعري: "ءايلال ن ئيمان"، مقاربة مضمونية ومحاولة تحليلية
إعداد: رشيد نجيب - باحث وناقد من المغرب مختص في الأدب المكتوب بالأمازيغية

1- تقديم:
صدرت الطبعة الأولى من الديوان الشعري الأول للأستاذ محمد أرجدال بعنوان: "أيلال ن ئمان" أي طائر الروح سنة 2009 عن مطبعة سيدي مومن بالدار البيضاء، ويتضمن هذا العمل الإبداعي المكتوب باللغة الأمازيغية 122 صفحة من الحجم المتوسط، من ضمنها إهداء من توقيع صاحب الديوان فضلا عن تقديم كتبه الناقد والكاتب الأمازيغي محمد أسوس قارب من خلاله النصوص الشعرية التي تضمها هذه الباقة الشعرية مقاربة عامة.
ينحدر صاحب الديوان محمد أرجدال من منطقة الجنوب المغربي حيث ازداد بقرية تيمسورت سنة 1967. حصل على شهادة الباكالوريا سنة 1988، وحاز على الإجازة في الآداب تخصص التاريخ بجامعة ابن زهر بأكادير سنة 1992. التحق للعمل بسلك التعليم ابتداء من سنة 1993. أصدر ديوانين شعريين هما: ءايلال ن ئيمان و ئفوكا ن توجوتين. وله نصوص مكتوبة للأطفال بعنوان: ءاوتيل ئلوزن ضمن منشورات رابطة تيرا. شارك في عدد من الندوات وكتب عددا من المقالات في الكثير من المنابر الإعلامية.
2- عتبات الديوان الشعري:
يكسو اللون الأسود الغلافين الأول والثاني، ويتضمن الغلاف الأول صورة فوتوغرافية ملونة لطائرين من نوع الوقواق في تماه مع عنوان الديون المكتوب بالحرفين اللاتيني والأمازيغي (تيفيناغ)، ثم نوع هذا العمل الإبداعي (تيمديازين = أشعار) فضلا عن اسم المبدع بالحرفين الأمازيغي واللاتيني دائما. في حين يحتوي الغلاف الأخير على عنوان الديوان بالحرفين وقصيدة شعرية مدونة بتيفيناغ مستقاة من الديوان أسفلها يوجد اسم الشاعر.
3- محتويات الديوان:
قراءة عامة تبين أن هذا الديوان يتضمن 27 قصيدة شعرية أبدعها الشاعر خلال الفترة الزمنية الفاصلة ما بين 1989 و2008. ويبلغ عدد القصائد التي تم إبداعها خلال مرحلة التسعينيات أحد عشر قصيدة، فيما يصل عدد القصائد التي تم إبداعها في الفترة الزمنية الخاصة بالألفية الثالثة ثلاثة عشر قصيدة. هذه الوضعية تتضمن مؤشرين اثنين أساسيين: مؤشر أول يؤشر عن انخراط الشاعر منذ البداية في الدينامية النضالية المطالبة بإعادة الاعتبار للغة والثقافة الأمازيغية بالمغرب، ثم مؤشر ثان استمرار انخراطه في نفس هذه الدينامية بعد بداية الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب انطلاقا من سنة 2001 بتأسيس مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
تقودنا مجرد قراءة سريعة عابرة للجدول الأول من خلال العناوين التي اختارها الشاعر محمد أرجدال لقصائده الشعري، تقودنا إلى استخلاص – ولو بشكل أولي- اهتمامات الشاعر والأغراض الشعرية التي ركز عليها في اختياراته الإبداعية. هكذا ومن خلال العناوين فقط، يهتم الشاعر أساسا بالجانب الاجتماعي وهو ما يتجلى في عناوين من قبيل: ءاسمامي، تيكناد، تايري، ءازيرز...ثم الجانب المرتبط بالهوية من خلال العناوين التالية: تيفيناغ، ءاركان، تامازغا ءامور ئنو...
4- قراءة مضمونية لقصائد الديوان:
من أجل الإلمام بمضمون الديوان، اخترنا القيام برحلة عبر مجموع القصائد السبعة والعشرين المكونة لهذا الديوان الشعري، أي العمل على إبراز مضمون كل قصيدة شعرية على حدة ومحاولة الإشارة إلى الغرض الشعري التي تصب القصيدة في إطاره.
* ءافولكي ن تمازيرت ئنو: يتغنى الشاعر في هذا القصيدة التي افتتح بها الديوان بجمال بلاده مستحضرا المقومات التي تمتاز بها سواء على المستوى الحضاري التاريخي والثقافي والجغرافي والتضاريسي والطبيعي وغير ذلك من المقومات التي أثارت اهتمام الشاعر.
* تكضيضت: يحتفي الشاعر في هذه القصيدة بقيمة الحرية كقيمة إنسانية نبيلة على لسان العصفورة، هذه الأخيرة التي تحيا حريتها وفق وجوه وتجليات متعددة غير محدودة في الزمان والمكان، قام الشاعر باستحضارها والتغني بها.
* ءاسالماد ئنو: يوجه الشاعر من خلال هذه القصيدة تحية تكريم للأستاذ نظير الأدوار الحيوية التي يقوم بها في المجتمع خاصة ما يرتبط بترسيخ قيم العلم والمعرفة والنضال ضد الجهل.
* تايري ن تليلي: في هذه القصيدة استمرار لنفس نهج القصيدة السابقة المعنونة ب: "تكضيضت" على مستوى التيمة الموظفة، ألا وهي تيمة الحرية. ويربط الشاعر هنا في طيات هذه القصيدة بين الحرية كقيمة وبين الأمازيغية مع ما يحيل إليه المعنى اللغوي لهذه الأخيرة فيما يتعلق بالحرية.
* تامازغا ءامور ئنو: تتضمن القصيدة احتفاء بالوطن الأمازيغي الكبير تامازغا من جزر كناريا حتى حدود واحة سيوة، وفيها استحضار مباشر للمقومات التاريخية والثقافية والحضارية التي تمتاز بها. ويشكل هاجس الوحدة بين أبناء هذا الوطن الكبير الشغل الشاغل للشاعر الذي وجه لأبنائه نداء من أجل الوحدة والتعاون.
* ئميرن ن ؤسكاس: قصيدة تندرج ضمن التغني بجمال الطبيعة بكل التنوع الذي يسمه. هنا بالضبط تركيز على جمال الفصول الأربعة وإبراز مختلف خصائص كل فصل على حدة.
* أدرار: يركز الشاعر على الجبل كشكل تضاريسي متغنيا بالصمود والعلو الذي يمثله، فيها كذلك استحضار لقيمة الجبل بالنسبة للثقافة واللغة الأمازيغية باعتباره شكل مجالا لاحتضان النقوش الصخرية المكتوبة بالحرف الأمازيغي تيفيناغ.
* تالاليت ن ؤسكاس: في هذه القصيدة التفاتة أخرى لمكون ثقافي اخرمن ضمن المكونات والممارسات الثقافية الغنية للثقافة الأمازيغية، هنا احتفال بعادة تخليد السنة الأمازيغية الجديدة، وهو ما يؤشر عليه بقوة تاريخ كتابة هذه القصيدة في يوم موافق لحلول السنة الأمازيغية الجديدة.
* تيكناد: قصيدة تندرج ضمن التوجه الاجتماعي الذي اختار الشاعر تبنيه خاصة ما يتعلق بحمل قضايا وهموم الفئات المقهورة. هذه القصيدة كتبت والبلاد تعرف حملة انتخابية يتنافس فيها الأشخاص والأحزاب السياسية قصد الظفر بمقاعد تمثيلية في مختلف المجالس المنتخبة. غير أن الشاعر يوجه نقده الاجتماعي لهؤلاء المنتخبين معاتبا إياهم على إخلالهم بوعودهم في التنمية وتطوير البنية التحتية بالمنطقة والاستجابة لانتظارات عموم المواطنين، وذلك أثناء الحملات الانتخابية.
* ئيمان: إيمان هي كريمة الشاعر، في هذه القصيدة تغنى بميلادها ومدى الفرح الذي غمره وعائلته بمناسبة ازدياد مولودته إيمان.
* تورتيت ن ئجديكن: في هذه القصيدة وصف حي لبستان ملئ بأنواع من الزهور أثارت إعجاب الشاعر بجمالها الأخاذ وتناسقها البديع.
* أركان: خلد الشاعر هنا ما تمتاز به شجرة الأركان من خصائص ومميزات مركزا على ذكر فوائدها بالنسبة للإنسان والحيوان والطبيعة والبيئة بشكل عام، معتبرا إياها سجلا هوياتيا فريدا لحياة الأمازيغ عبر عدة قرون ولازالت.
* ءازايكو: إنها قصيدة رثاء في حق المناضل والمؤرخ الأمازيغي الفقيد علي صدقي ءازيكو الذي وافته المنية سنة 2004، في القصيدة ذكر لمناقب الراحل وتوقف عند الإسهامات النوعية لهذا المناضل سواء بالنسبة للبحث في تاريخ المغرب أو بالنسبة للارتقاء بعمل الحركة الأمازيغية بالمغرب وتطويره.
* أنلماد: قصيدة أخرى تعكس اهتمام الشاعر بالجانب الاجتماعي، خاصة قضية التعليم لاسيما الفاعل الأساسي في هذه القضية ألا وهو التلميذ باعتباره قطب كل اهتمام وفعل تربويين.
* ءاسمامي: التفاتة أخرى من الالتفاتات الاجتماعية للشاعر، وهنا مرافعة حية قانونية وتربوية عن الفتاة القروية المحرومة من حقها في التمدرس، موجها نداء في قالب شعري لجميع الفاعلين المباشرين وغير المباشرين من أجل إيلاء العناية بالفتاة القروية فيما يتعلق بضمان حقها في التربية والتعليم.
* نكا يان: قصيدة ذات بعد حقوقي محض بحمولة حقوقية وإنسانية واضحة، مرر من خلالها الشاعر عددا من المفاهيم والمبادئ ذات الارتباط بالمجال الحقوقي من قبيل: المحبة، الأخوة، المساواة مرافعا من أجل تبني هذه المبادئ والقيم الإنسانية السامية من طرف البشرية جمعاء.
* تيمقا ن وامان: قصيدة تغنى فيها الشاعر بأهمية الماء في الحياة عامة، والأهمية التي تكتسيها عملية المحافظة على هذه المادة الحيوية لما فيه صالح الأجيال الحالية والمقبلة.
*ءادرفي: شكل آخر من أشكال الاحتفاء بقيمة الحرية في حياة الفرد كما الجماعة، يعقد هنا الشاعر مقارنة بين الحرية وبين العبودية منتصرا لقيم الحرية والتحرر الجماعي والفردي.
* ليغ مزيغ: قصيدة تعكس الماضي المشرق الذي عاشه الشاعر خلال فترة الطفولة في قريته تيمسورت، وعبرها يتغنى على لسان كل أطفال البادية المغربية الأمازيغية والذين عاشوا في نفس الظروف.
* تيفيناغ: نمط آخر من أنماط الاحتفاء بالثقافة الأمازيغية وهذه المرة من خلال أبجديتها الأمازيغية العريقة تيفيناغ، هذه الأبجدية التي احتفى بها الإنسان الأمازيغي - كما أكد الشاعر على ذلك- بطرق عديدة تتمثل في المعمار والنسيج...
ئشقا واوال: تجسد القصيدة مظهرا من مظاهر الانشغالات المجتمعية للشاعر، حيث أبرز مدى صعوبة الحياة خاصة في السنوات الأخيرة حيث بدأت تسود تدريجيا القيم المادية وبقوة على حساب القيم الإنسانية النبيلة والسامية.
ءامزلوض: مظهر آخر من مظاهر انحياز الشاعر إلى الفئات الاجتماعية الفقيرة والمسحوقة، هي قصيدة انحياز لكل البؤساء والمقهورين اجتماعيا في المجتمع، وانحياز لقضاياهم وانتظاراتهم وانشغال عميق بواقعهم.
* كار ءاكاس: تعكس القصيدة انخراطا مباشرا من الشاعر تجاه قضية البطالة، وخاصة بطالة حملة الشواهد العليا.
* ءازيرز: يتحسر الشاعر في هذه القصيدة على الواقع المزري الذي آل إليه واقع القرى بالجنوب المغربي من جراء ظاهرة الجفاف المقترنة بانحباس المطر والتأثيرات السلبية لذلك على الإنسان والحيوان والجماد.
* تايري: قصيدة تعكس انتصارا لقيمة الحب والمحبة على المستوى العالمي، ودعوة إلى ترسيخ هذه القيمة.
* تيويزي ءاد ئقان: قصيدة حاول الشاعر من خلالها تمرير رسالة التضامن كقيمة إنسانية عالمية، في نفس الوقت يؤكد على الأهمية التي تحظى بها هذه القيمة في المجتمعات الأمازيغية منذ القدم.
* تامكرا: تستحضر القصيدة عملية الحصاد بالعالم القروي كعملية تتجاوز ما هو وظيفي عملي إلى كونها ممارسة وعادة ثقافية تجسد نوعا من التراث الثقافي اللامادي. بالمقابل، يتحسر الشاعر على التغيرات التي شملت هذه الممارسة الثقافية العتيدة واستبدال كل ما هو تقليدي بما هو عصري.
5- خلاصات واستنتاجات:
1) قبل أن يكون محمد أرجدال شاعرا أو باحثا في قضايا التاريخ بمنطقة الجنوب المغربي، هو أولا وقبل كل شيء مناضل أمازيغي. صفة النضال هاته ستلازمه حتى في إبداعاته الشعرية اللاحقة إذ استحضر بقوة تيمة الهوية الأمازيغية عبر عدد من تمظهراتها وتجلياتها: الحرف الأمازيغي، شجرة أركان، الوطن الأمازيغي الكبير، اللغة الأمازيغية...الخ. وهو ما يتجسد كذلك في نوع المعجم الدلالي الموظف من حيث سيادة الكلمات ذات الارتباط الوثيق بالهوية، يقول الشاعر في مقاطع كثيرة منها: ءاح ءايادرار ياتوين / تكيت ءامغناس مقورن/ يوسين تاماكيت ن ئمازيغن، تيغزي ن تودرت ءاد ريغ ئلي / سيرمغ ءاس ؤسان زيلنين ماغ تلا / ءاد تسوم تاماكيت غ تيبيت د واوال.
2) يدافع الشاعر بقوة عن قيمة الحرية مما يدل على نوع من الالتزام المبدئي، لا يتجلى هذا الأمر فقط انطلاقا من مضمون مجموعة من القصائد، ولكنه يتمظهر كذلك في المعجم الموظف في طيات جل قصائد الديوان والذي يشمل جميع المشتقات اللغوية المرتبطة بالحرية من قبيل : تادرفيت، ءادرفي، تيليلي، ءادرفان، ئدرفيين...وفي جل قصائد الديوان، كلما ورد ذكر للحرية إلا ويتم ربطها بالحياة.
3) يبين التحليل المضموني لقصائد الديوان سيادة وطغيان البعد الاجتماعي لدى الشاعر، هذا الأخير الذي تقلقه قضايا مجتمعه (التعليم، المرأة، الفتاة القروية، الشباب العاطل...) فيتأثر بها مما يجعله ينافح عنها ولو بالإبداع الشعري. إن هذا الانحياز المباشر نحو قضايا الشعب واتخاذ الإبداع وسيلة لحمل رسالة النضال هاته، ينم عن نوع من الالتزام الاجتماعي الذي يتبناه الشاعر.
4) على المستوى الفني، يوظف الشاعر تقنية القافية بشكل كلي في بعض القصائد وبشكل جزئي في بعضها الآخر. ويمتح الشاعر من التراث الأمازيغي الغني بمختلف أشكاله موظفا تقنية الاقتباس المباشر سواء من الأمثال أو غيرها من العبارات السائرة على كل لسان، ومثل ذلك: نلح ءامود ئواكال نقل نيت / نان ئقبورن لي زرينين: ئمغي لي كيد ئران ءايانرار ئضهر نيت...