قصة قصيرة ( ولم لا ؟ ) بقلم : ضحى عمر عتيق

عمر عتيق
2013 / 9 / 19






و لم لا؟


و لم لا؟ ألا يكون من الأفضل أن أحاول قبل اتخاذ أي قرار قد أندم عليه لاحقا؟ و إلى أي درجة يمكن أن تكون المحاولة سيئة؟ يراودني إحساس بأنه لا بأس بشيء من الجرأة هذه المرة، فأياً كانت النتيجة سأتمكن من معرفتها على الأقل و ذلك بكل الأحوال أفضل من الجلوس هنا و الاستغراق في أفكار لا تنتهي عن أشياء ربما لن تحصل أبدا. حسنا إذاً.. سأخرج.
في منزلي كل الأعمال تنجز بهدوء، و يحدث كل شيء بتلقائية لا تخلو من بعض الفوضى المحببة أحياناً. ففي الخارج غرفة المعيشة خالية كما هي معظم الوقت إلا من صوت التلفاز الذي كثيراً ما أصبحنا ننسى أمر إطفائه مؤخراً.
لكن هذا الهدوء السائد اليوم يزيد الأمر صعوبة و تعقيداً، و يشعرني برغبة في الانسحاب إلى الداخل مرة أخرى. و ها أنا ذا أرمي وراء ظهري كل قراراتي الحاسمة و أتجرد من كل وسام منحته لنفسي هذا الصباح!
أغلقت الباب و عدت لأجلس على سريري بين أوراقي المبعثرة. لا زلت أذكر تلك الجلسة التي تحدثنا فيها عن بعض المقتطفات التي انتشرت على المواقع الإلكترونية مؤخراً، و المأخوذة من روايات لكاتبة أثارت جدلاً واسعاً بجرأتها و أسلوبها. و لا يمكن أن أنسى كيف دافع والدي بشدة عن تلك النصوص. يومها قال أنه يشفق على أولئك الذين يرون في كتابة الغزل خطيئة أدبية، و بأنه لا يستطيع إلا أن يسخر من سذاجتهم المفرطة.
أما أنا.. فينبغي أن أعترف بأني قرأت رواية واحدة لها كانت إحدى اختياراتي العشوائية في محاولتي الذاتية للقراءة. و ليس لدي ما أقوله عنها سوى أنني أخفيتها في درج المكتب السفلي تحت أوراقي القديمة التي يعود بعضها إلى أيام المدرسة الثانوية، و لم أخرجها منذ ذلك الحين فهي لا تشبه أي شيء موجود على رفوف مكتبتي.
كانت إحدى صديقاتي المقربات تردد أنها تشعر بشيء من الاضطراب في "عقلها" بعد قراءة روايات تلك الكاتبة! و بأنها تحتاج بضعة أيام بعد ذلك لتستطيع نسيان ذلك العالم الوردي و العودة إلى الواقع! فتلك الفتاة مولعة بها إلى الحد الذي يجعلها تعيد القراءة مرة بعد أخرى دون أن تفقد أي مرة منها شيئا من متعة النظرة الاولى. ولطالما قادتنا ثرثرتنا اليومية إلى الحديث عن تلك المرأة التي لا تشبه أحداً نعرفه، إلى أن تكرر صديقتي قولها بأنه و مع كل ذلك الإعجاب الذي تكنه لها لا يمكنها أن تتصور البوح بأشياء كتلك التي تقرؤها حتى لو قدر لها أن تحظى بذات الملكة الفريدة في الكتابة. فنحن برغم كل شيء حصل لم نتغير كثيراً في الحقيقة، و ما زال في الرجال الشيء الكثير من تلك المسماة شرقية، ثم تقول بسخرية: لا أحد يئد البنات هذه الأيام بالطبع! لكن موازين الرجل في الحكم على الإناث تنقلب تماما عندما يتعلق الأمر بمن تخصه منهن. و لأولئك الذين يهتفون باسم المساواة أن يقولوا ما يشاؤون.. فنصفهم أعمى و النصف الآخر كاذبون!
لا تغيب عن ذهني هذه المرأة التي لا تشبه سواها على الإطلاق، فقد أهدتني شيئا من قوتها سراً دون أن تدرك أي منا ذلك في بداية الأمر. و لست أدري ما الذي حصل بالضبط ليلة الأمس غير أني لم أشعر بنفسي إلا و أنا أطرق الباب و أدخل لأبادر بالسؤال هكذا دون مقدمات:
-هل أنت مشغول بشيء مهم؟
أجابني بتنهد:
- أتسلى فقط.
- حسناً.. هل تذكر المسابقة التي حدثتك عنها؟ أريدك أن تقرأ شيئا كنت قد كتبته منذ فترة قصيرة.
أومأ برأسه فقط دون أن يصرف نظره عن جهاز الحاسوب.
- أقصد أني أحتاج من يقيمني. أريد أن أعرف إن كنت أصلح للكتابة.. أعني.. هذه تجربة ليس إلا و لا أنتظر إرسالها إلى أي مكان.. أنت تفهم ما أقصده!
أشك فيما إذا كان قد استمع حقاً لكل ما قلته. وضعت الأوراق على الطاولة و خرجت.
و كأن أحدهم صفعني على وجهي فور أن عدت إلى غرفتي فاستيقظت! هل أعي تماما ما فعلته للتو؟ أحسست بالبرودة تقسم ظهري نصفين و تسري خدراً في أطرافي، و حاولت التنفس بعمق دون جدوى.
تقع مذكرات أحدهم بين يدي صحفي لم يكتب جملة منذ أسابيع، فيحتال على هذا السطر و يقفز فوق الذي يليه، ثم يتسلل بين الكلمات خلسة فيكسو هذه ثوباً جديداً و يتوج الأخرى بنقطة حبر أو اثنتين، و يمزق بقبضته إحدى الأوراق ليعيد خلقها بكامل تفاصيلها من جديد. يرسم بالحبر أشياء أشبه ببقايا القهوة على محيط الفناجين، يميل الصفحات يمينا و يساراً.. يداعب الحروف من هنا .. يدغدغها من هناك و ربما يناغيها و يغني لها أيضاً حتى يثني الورقة فوقها برفق، ثم ينشرها في زاوية من إحدى الجرائد الرخيصة ليبيعها في أزقة المدينة صبي ترك المدرسة قبل أن يتقن حروف الهجاء.
هذا كل ما أستطيع أن أفكر به في الوقت الذي يقرأ فيه أحدهم نصاً شعرت بكل كلمة منه تولد لتوها حالما لامس الحبر الورق، و تخرج كأنها ترى النور لأول مرة. لم يكن أخي ذاك الصحفي الجشع، لكني لا أصدق بأنني أعطيت تلك الأوراق لشخص ما تحت سقف هذا المنزل ليقرأ كل ما فيها!
و جلست و نفسي أقنعها أن الأمر ليس بذلك السوء الذي تتصوره، بل ربما لم يفت الأوان للتراجع عن كل شيء. و لعله لم يمسس تلك الأوراق حتى الآن، و قد يكون بوسعي أن أدخل إلى غرفته و أستعيدها دون أن يشعر بذلك حتى .. لكني لم أفعل.
الواقع أنني لم أكن أبحث عن من يقيم تلك القصة، و لا أحتاج مباركة أحد لأواصل الكتابة. فالكتابة قبل كل شيء ضرب من الحب و الهوس، و هي من الأشياء القليلة جداً التي قد يلاحقها المرء رغبة بها و يمارسها حبا لها. ولا يهم حقاُ إن كنت أسوأ شخص قام بالكتابة على وجه الأرض، يكفيك أن لديك عالماً كاملاً بين يديك و لك أن تتصرف فيه كما شئت فأنت من صنعه. و كم أعشق تلك المساحة التي أستطيع أن أدمج فيها شيئاً من الحقيقة و الخيال فآتي بأولئك "القوم المفسدين"، ألبسهم ثياباً لا تناسب ذوقهم، و أطعمهم طعاماً لا يستسيغونه، و أفسد عليهم ليلهم و منامهم، ثم أنهي دورهم في الحكاية كما أشاء! و ليس ذلك كرها لهم.. بل إكرام لوطن مجرد وجودهم على أرضه إساءة بحقه!
كنت أتمنى لو أنه يتناسى لبعض الوقت أن الفتاة التي باحت بكل ذلك لأوراق الدفاتر المسطرة هي ذاتها التي هربت قبل قليل من مواجهته، و أن يستغرق في القراءة فحسب دون أن يتوقف على الهوامش ليتساءل فيما إذا كان كل ما روته من أحداث محض خيال فحسب، و إلى أي درجة يمكن أن تشبهها تلك البطلة المتهورة.
الله وحده يعلم كيف انقضى ذلك الوقت، و الغريب أنني كنت أشعر بشيء ينسل من داخلي ببطء و كأني أفقد جزءا من أعماقي مع كل ثانية تمر. كان قد مضى ما يقارب النصف ساعة عندما بدأت أدور في الغرفة كالمجنونة و أقلب صفحات الكتب ثم أرميها جانبا دون أن أقرأ حرفا.. و أخيرا ذهبت.
كان الباب نصف مفتوح فسمحت لنفسي باختلاس النظر. كل شيء بدا طبيعيا .. نقرته بأطراف أصابعي و دخلت. لم يبادر بقول أي شيء. أيعقل أنه قد نسي أمري؟! يا لآمالي المحطمة! تظاهرت بالانشغال بأحد الأقلام، ثم لم أجد مفراً من أن أستجمع قواي.. سألته:
- هل.. هل قرأت شيئاً؟
- قرأت كل شيء!
لم تفاجئني كلماته بقدر ما أسعدتني .. و عدت أسأله بلهفة:
- و ما رأيك؟
- جيدة!
- فقط؟
- فقط!
و لم أجد شيئا آخر لأقوله .. لكنه باغتني بالسؤال و قد رفع الأوراق إلى الأعلى بأطراف أصابعه:
- و من يكون هذا الأخرق في القصة ؟!
و اختطفتها من يده بسرعة..
- ها قد أجبت نفسك بنفسك .. إنها مجرد قصة!
- أها! لكنك لن ترسلي هذا الشيء صحيح؟
- آه؟! .. بالطبع لا!
- هذا ما ظننته أيضاً.. لديك الوقت لتكتبي شيئاً آخر على أي حال.
- لكن .. هل يمكن أن أريها لأبي؟.. أعني.. هو دائماً يعطي نصائح مفيدة!
رفع حاجبيه ثم ابتسم..
- و هل يمكن أن أحصل على أشيائك الثمينة إذا رحلت بلا رجعة؟!
أعلم أنه يحاول تبسيط الأمور بهذه السخافات التي يتفوه بها معظم الوقت.. لكن ليس هذه المرة. كنت أهم بالانصراف حين وقعت عيني على غلاف أحد دفاتره و قد كتب في أعلاه بخط صغير "فأنت تحمل عبقا جميلا دافئا بوسعه أن ينساب عبر مسامات قلبي فينعشه و يرويه و يسكره و يتركه ثملا منتشيا يهيم على وجهه".. كان ذلك كافياً لمنحي أقصى درجات السعادة، و مع أني تمنيت لو يمنحني هو أبسط حقوق الملكية فيكتب اسمي في أسفلها إلا أنني لم أعلق على ذلك، و خرجت أبتسم كالبلهاء رغما عني.
و الآن ماذا؟ هل علي حقاً أن أبدأ من جديد؟ تضايقني هذه الفكرة بشدة.. تضرب مطارقها الفولاذية في رأسي .. و أستشعر تلك الغصة في حلقي علقمية مؤلمة. لن أتعذر بأي شيء فما زال لدي فعلا وقت كاف لذلك، لكنني ببساطة.. لا أريد.
أسترجع ما قالته صديقتي عن شرقيتنا المشوهة، و كيف أن موازين الرجال تنقلب عند أول موقف لتطبيق تلك الشعارات الرنانة. لكن أبي ليس كهؤلاء.. و لن يكون يوماً كذلك!
سأتحدث إليه.. سأقنعه.. أجل سأفعل! و لم لا؟ كل شيء جائز بالمنطق.. فلا يمكن لعاقل أن يساوي المشاعر الراقية بتلك القصص الرخيصة التي تذكرني إلى حد كبير بمنافض السجائر على مكاتب الموظفين بعد يوم عمل كامل.
فلنفترض إذاً أنني أخذت ما قاله ذلك اليوم عن تلك الكاتبة على محمل الجد. و لنفترض أنه قرأ قصتي دون أن يعرف أني صاحبتها .. و لنفترض... و لنفترض... و لنفترض...
و اختطفني من ذاك العالم سعال والدي في الغرفة المجاورة فانتفضت لأجمع أوراقي المبعثرة و خبأتها تحت وسادتي..