ملاحظات حول تكوين - الثقافة الشعبية - و -الثقافة السياسية - في المجتمع الإيراني

جابر احمد
2013 / 8 / 24

ملاحظات حول تكوين " الثقافة الشعبية " و "الثقافة السياسية " في المجتمع الإيراني
الدكتور حسن ماسالي (* )
ترجمها عن الفارسية : جابر احمد
كيف تصبح الخصال التقدمية أو الرجعية في المجتمع موروثا و تنتقل من جيل إلى جيل ؟
مقدمة :
اذا ما قيمنا الأبعاد المختلفة "للأقوال" و " الأفعال " المتداولة يوميا بين أبناء المجتمع وقارنا سماتها وخصوصياتها مع أبناء مجتمع آخر ، سوف نرى أن كل من أفراد هذا المجتمع له من جهة خصاله الإنسانية و الاجتماعية " الخاصة " به و متأثر بالظروف التعليمية و التربوية العائلية و العلاقات النسبية و "القبلية " وحدود المحيط البيئي الذي يعيش فيه من جهة، كما له "خصال " عامة ومشتركة مع أفراد المجتمع من جهة أخرى وبالتالي فانه يجذب و " يعيد إنتاج " الثقافة الاجتماعية السائدة والغالبة في المجتمع الذي يعيش فيه وذلك نتيجة للتعايش و التخالط مع أفراد ذلك المجتمع .
اذا هذه الخصال الإنسانية و " رؤية و تفكير " أي شخص لا تتأتى عن طريق الظروف العائلية و مكانتها الطبقية وحسب ، و أنما تتأتى أيضا من العلاقات الاقتصادية ، السياسية و الثقافية و الأحداث التاريخية في المجتمع والتي تلعب دورا مصيرياً في البناء الروحي ، الثقافي و " رؤية " و تفكير" كل فرد من أفراد هذا المجتمع .
ترينا الملاحظات اليومية، أن أفراد المجتمع يمارسون شعوريا أو لا شعوريا الخصال "الفردية " أو " الثقافية الطبقية "، " الطائفية " وكذلك " ثقافتهم العامة والمشتركة " في نشاطاتهم اليومية.
لقد عبر الكثير من علماء الاجتماع و النفس من أمثال لونا جارسكي ، باولوف ، فرويد ، اريك فروم ، ويلهام رايش ، جوستاوينك ، الفدر أدلر ، بخانوف ، ماركس و انجلز عن آرائهم حول العلاقات الإنسانية و الاجتماعية ، وحول ظواهر الأزمات الثقافة و النفسية ، مثل " السادية " ، " الفاشية " وكذلك حول " الاغتراب " و دور الفرد في التاريخ ، و حول كيفية تكوين " الوعي الطبقي " ،" الثقافة السياسية " و " الاجتماعية " .
و سوف نبحث هنا بشكل أساسي العوامل والاتجاهات المكونة " للثقافة الاجتماعية " و " الثقافة السياسية " حتى يتسنى لنا وعن هذا الطريق معرفة افضل " لرؤية وتفكير " و " الدور الاجتماعي لكل فرد و" جماعة اجتماعية " .
اتجاه تكون الثقافة الاجتماعية
تعتقد لونا جرسكي و هي من احد المنظرين الروس ، ... الأنسان بذاته عبارة عن صفحة صغيرة ، صفحة ورق بيضاء حيث يبدأ من أوائل طفولته بتسجيل حروف حياته " ...
يعتقد مختلف علماء الاجتماع و النفس أن " الوقائع " التي يتلقاها الذهن والمشاعر الإنسانية في البيت ، في المدرسة و في العلاقات الاجتماعية ، في البيئة " الجبل ، السهل ، الصحراء ) وخلال مرحلة من حياته تصبح جزءا من الضمير الداخلي للإنسان ، ونتيجة لظروف تاريخية واجتماعية " تعيد إنتاج" نفسها و تتجسد في نهاية المطاف في تنظيم المشاعر و الأحاسيس ورؤية وتفكر المجتمعات البشرية والتي تتجسد في نهاية المطاف في " أقوال" و " أوهام " و" سلوك " المجتمعات الإنسانية .
كيف تتكون التقاليد و كيف تؤثر في الثقافة الاجتماعية ؟
لدى الناس والى مدة زمان محدد و تحت ظروف معينة إمكانية استيعاب و قبول " الأفكار الجديدة " و قادرين على تحويلها " إلى ضمائرهم " و تبديلها إلى " رؤية و سلوك جديد " والذي من شأنها أن تحل محل " الرؤية و السلوك " القديم. لكن اذا لم يحدث تغيرا جذريا وبقيت علاقات الإنتاج ، السياسية ، الثقافية و الإقليمية و ظروف الحياة كما هي عليه تبقي تلك العلاقات و المعتقدات تعيد إنتاج نفسها و تبقى الخصال المكتسبة " داخلية " إلى درجة بحيث تتبدل إلى " تقاليد" ولهذا السبب فان بعض من المجتمعات البشرية وخاصة الأفراد المسنين يعتقدون بنوع من التفكير والسلوك الاجتماعي و "يعتادون " ا لتحدث بأسلوب خاص غير " قادرين " على تغيره بسهولة .
تؤثر " التقاليد" ، الاجتماعية ، و السياسية ، و الثقافية وأسلوب التفكير و الممارسات الاجتماعية " المثبتة " في اتخاذ القرارات الفردية والاجتماعية بصورة " لا إرادية " وان بعض من هذه " العادات "من شأنها أن تلعب دورا "مانعا " وكبيرا أمام " الحداثة " ولكن في المقابل فان " التقاليد الجيدة " بإمكانها أن تلعب دور مهما وبناءً في الحفاظ على " السمات الثقافية و الإنسانية المطلوبة " و ديمومتها .
عدة أمثلة حول " التقاليد" الاجتماعية الإيجابية و السلبية "
تقاليد مثل الخرافات، معاداة النساء ، عبادة السلطة ، التفكير السلبي و نفي الغير ، السلوك و المعاشرة ، الكرم ، الديمقراطية والإدارة ، المساندة و المساعدة ، الالتزام بالمواعيد ، الشعور بالمسؤولية الاجتماعية ، العبودية ، النفاق و الانتهازية وغيرها من "التقاليد" ، فإنها كلها من شأنها أن تلعب دورا مهما في تكوين البناء " الثقافي الاجتماعي " وكذلك " الثقافة السياسية " .
الأيديولوجيا و الخرافات الدينية و تأثيراتها على الثقافة الاجتماعية
كما تطرقنا آنفا أن الناس و منذ نعومة أظفارهم إلى سن البلوغ يدركون " وقائع " بيئتهم و يخبؤونها في ضميرهم " العقل الباطن " ويبدلونها إلى " مشاعر " و " أحاسيس" فردية و اجتماعية. لكن لابد من الانتباه أن هذه " الوقائع " المتأصلة في الضمائر البشرية لا تعكس كل " الحقيقة " وإنما جزءا منها أو غالبيتها ، والتي تعتبر في عالمنا الراهن " أكاذيب " وغير علمية و متخلفة وقد تأصلت في النفوس عن طريق العلاقات المادية والاقتصادية المتخلفة و النهب ، التعليم و التربية المتخلفة والأعلام الأيديولوجي ، وبالتالي تساهم في إيجاد المشاعر الفردية والاجتماعية " الكاذبة " .
لقد اعتبر كل من ماركس و أنجلز " الأيدولوجية " على أنها " وعي مزيف " و يعتقدون من الضروري أن تستعيض الناس " بالفلسفة العلمية " بدل عن " الدين " أو " الأيديولوجيا " وفي المجتمعات التي تخضع " لسيطرة " " الدين " ، الخرافات ، و الايدلوجيا تكون المشاعر و " الروح الاجتماعية " عرضة للهجوم من قبل العناصر غير العلمية و بالنهاية ينتهي الأمر بإيجاد " الوعي المزيف " ، حيث يلعب هذا الوعي دورا مهما في إشاعة التفكير و المواقف و التقاليد الاجتماعية المتخلفة .
علاقات الإنتاج المتخلفة من شأنها أن تعيد العلاقات السياسية الشمولية و الأعلام الأيديولوجي والديني كما أنها وسيلة من اجل " تجهيل " البشرية ،حيث تتسبب الايدلوجيا أن ينطر الناس إلى مسائل المجتمع و العالم من منظور التعصب و التحجر الفكري " الدغمائية " و الأحادية " و السطحية . ويقبلون " الحقائق البيئة المتخلفة " على أنها " حقائق مصيرية ".
الديكتاتورية ، التربية الديكتاتورية، ثقافة العنف و الانتهازية في المجتمع
أن فقدان الرفاه الاجتماعي والأمن السياسي و القضائي وتقسيم المجتمع إلى " منسوبون " و غير " منسوبون " ، بالإضافة إلى فقدان الحريات الفردية و الاجتماعية وانتهاك حقوق النساء و الأقليات القومية و الدينية وممارسة أنواع من التمييز العنصري وكذلك يأس الأجيال الشابة في البلاد سوف تؤدي بمجموعها إلى إشاعة ثقافة العنف والكراهية في المجتمع .
أن جماهير المجتمعات البشرية التي عاشت و لسنوات عديدة تحت نير الديكتاتورية ومحرمون من تأسيس التنظيمات و المؤسسات الديمقراطية ولا يرون املأ وأفاقا من اجل نجاتهم ،يتجهون نحو نظرية و " ثقافة المؤامرة " يبحثون عن خلاصهم عن طريق " القوة الغيبية " واحيانا وفي سبيل تأمين قوتهم يسلكون وأمام أصحاب النفوذ " سياسة الانتهازية " وكذلك " الطاعة والخنوع " ويمدحون السلطة و يمجدونها .
و في المجتمعات التي تعاني من الحكم الشمولي و الاستبداد لامجال " للمثقف بمفهومه الواقعي لنمو أداته ولكن الديكتاتوريين يرحبون " بالمثقفين الانتهازيين " الذين يستطيعون لعب الوسيط بين مراجع السلطة والشعب ، ولهذا السبب المجتمعات التي تحكمها الديكتاتورية يسعى الكثير من المثقفين و النشطاء السياسيين الانتهازيين وفي علاقاتهم مع مراجع السلطة أن تكون لهم مكانتهم الخاصة بهم ، أن مثل هؤلاء الأفراد ، يسعون الوصول إلى " طرق للمصالحة " بين الديكتاتور وجماهير الناس و " ينصحوا الجانبين إلى " التفاهم " فيما بينهما . فهم في النهار يعيشون مع المعارضة و في الليل يتسامرون مع مراجع السلطة ويطرحون انفسهم " كمتخصصين " .
الظروف الاقتصادية وعلاقات الإنتاج في المجتمع
يعتقد علماء اجتماع بارزين من أمثال مار كس و أنجلز أن أي علاقات و أسلوب للإنتاج ، يرافقه نوع من التفكير يوثر كل منهما بالأخر تأثير متقابلا . وبعبارة أخرى ، الثقافة الاجتماعية و كيفية رؤيتنا وتفكيرنا يرتبط بشكل مباشر بالعلاقات الإنتاجية والاقتصادية السائدة في المجتمع، من هنا فان العلاقات الاقتصادية و الإنتاجية المتخلفة وغير المتوازنة وكذلك استقرار و استمرار الديكتاتورية ، الحروب المدمرة و الفاشية الدينية تؤديان إلى " سقوط الثقافة الاجتماعية " .
واذا ما القينا نظرة على سير تاريخ التحولات الاجتماعية في ايران نرى أن " أسلوب نمط الإنتاج الأسيوي " هو الذي كان مسيطر في ايران ، وفي مثل هذا النمط من الإنتاج ،الدولة تتحمل أعباء قسم كبير من "الخدمات الاجتماعية " مثل توفير الإمكانيات اللازمة " للري " وإنتاج المواد الغذائية وبالتالي فان احتياجات الإنتاج والخدمات الاجتماعية تسببت أن تصبح السلطة السياسية مطلقة العنان و أن تكتسب صفة الاستبداد ، وان استقرار هذا الاستبداد ولفترة طويلة في ايران لم يمكن الفئات و الطبقات الاجتماعية وخاصة " البرجوازية " وفي النتيجة " العمالية " من إكمال سير تطورها التاريخي ، لذلك أن هذه الطبقات لا تزال تفتقد إلى القوة والى طبيعتها الطبقية . ومن هنا فأننا نشاهد وفي مثل هذه العلاقات تشكل " حثالة البرجوازية " و كذلك حثالة " البروليتارية " .
وفي بلدان مثل ايران ،فان الغالبية العظمى من الأفراد الذين اصبحوا في منزلة " الطبقة الرأسمالية " لم يكملوا نمو وتطورهم الطبقي عبر المساهمة في علاقات الإنتاج و وإدارة المجتمع ، لان " السلطة الاستبدادية " لم تسمح لهم " بالاستقلال والمبادرة " لذلك فان الغالبية العظمى منهم هم أفراد لايزالون لم يتمتعوا بعقلية و " منطق البرجوازية " و أفراد من قبيل هؤلاء كان ثراءهم نتيجة تحالفهم مع " مافيا السلطة السياسية " والمساهمة في نهب و سرقة الثروة الوطنية و المساهمة في أعمال التهريب . وتسبب فقدان الثقافة و الوعي الطبقي وعدم التمتع بتشكيل تنظيم كطبقة اجتماعية مستقلة بعدم قدرة " أصحاب المال " وعجزهم على أن يلعبوا دورهم الاجتماعي في الإنتاج و الإدارة وفي إغناء الثقافة الطبقية .
لقد تسبب فقدان الوعي الطبقي في أن يتسم الرأسماليين الإيرانيين بسمة " الحثالة " ولكن في اغلب البلدان المتخلفة في قارات العالم الثلاث ، هناك اقليه صغيرة جدا من " البرجوازية الصاعدة " لها أسلوب تفكير " منطقي " و " عقلاني " تعمل في مجال الإنتاج و إدارة المجتمع ، ولكن الغالبية العظمى من رأسمالي هذه البلدان يتسمون بسمة " الحثالة " ولهذا السبب اطلق عليهم المختصين و الباحثين من أمثال " جوندو فرنك " اسم " حثالات البرجوازية " .
لقد تسببت السمات الثقافية " للبرجوازية " في بلدان القارات الثالث بان يجعل الديكتاتوريين انفسهم وعبر ديكتاتوريا تهم " أوصياء" على المجتمع و بالتالي ليس عبثا أن يتخذ أحيانا "الملك "واحيانا أخرى" الولي الفقيه قرارات باسم "البرجوازية الإيرانية " .
لذلك نرى أن ممارسات العمل السياسي و الثقافي "للبرجوازية " التي كانت واقعة تحت أمرة الشاه " والتي تعيش اليوم في الخارج والتي تروج لأفكارها عبر محطاتها ها الفضائية وعبر بث برامجها التلفزيونية من " لس أنجلس " في الولايات المتحدة الأمريكية لا تختلف عن الممارسات التي يمارسها نظام " ولاية الفقيه في داخل البلاد .
كما أن السمات الطبقية " للبروليتارية" الفقيرة والمولودة من تلك العلاقات المتخلفة وغير الموزونة و المتربية في أحضان " حثالة البرجوازية " لن تكون باي حال من الأحوال افضل و اكثر تقدمية من تلك " البرجوازية " .
والحقيقة هي : القوى المحرومة الوافد من الريف الإيراني والتي تبدلت إلى قوى" مهمشة تسكن المدن " و المتشبعة " بثقافة ما قبل الرأسمالية " و ثقافة البرجوازية الصغيرة تشكل اليوم القوى الأساسية " للعمال في ايران "ونشاهد إن قوة كهذه لاتزال لم تكتسب بعد سمات " الوعي الطبقي " ، حيث لا يزال الدين و الخرفات تلعب دورا ومصيريا في أسلوب تفكير هذه الطبقة مما جعلها بعيدة عن العقلانية وعن التفكير العلمي ، ولهذا السب فان الطبقة العاملة الإيرانية لا تزال غير قادرة بمثابة طبقة أن تعتمد على نفسها و أن تلعب الدور " الطليعي " الملقى على عاتقها في المجتمع ، وليس بلا مبرر اذا اعتبرت مجموعات مكونة من عدة أشخاص من المثقفين " النرجسيون " انفسهم ماركسيين لينينين يدعون " القيادة " و " الوصاية " على الطبقة العاملة الإيرانية .
وعليه يمكن أن نستنتج بأن " حثالة البرجوازية " و " حثالة البروليتارية " هما مولود لمجتمع هو من حيث علاقات الانتاج و الظروف الثقافية متخلف ، غير موزون ورجعي وطالما بقيت القوى الاجتماعية غارقة في هكذا علاقات فلن يكون بمقدورها أن تغني " الثقافة الاجتماعية " ، من حيث العقلانية و العلمية . و ليس قادرة وبالقريب العاجل أن تلعب دورا ديمقراطيا في التحولات السياسية و الاجتماعية الإيرانية.
الدور " الثقافي للأقوام و مختلف الشعوب " في الثقافة الاجتماعية.
في بلاد كإيران " تعايشت " فيها ومنذ قرون متمادية شعوب و أقوام كثيرة لكل منهما خصوصياتها الثقافية و اعتقاداتها الدينية الخاصة بها وقد تفاعلات تلك الثقافات فيما بينها فأثرت وتأثرت ثقافة وتفكير كل منهما بالأخر ، بحيث بإمكاننا أن نتعرف على " الثقافة و السمات المشتركة الإيرانية " في عموم المجتمع من جهة وعلى " الخصائص الثقافية لكل قومية أو شعب داخل ايران " من جهة أخرى ، لذلك فان الثقافة العامة للشعب الإيراني هي " مزيج من ثقافات الشعوب و الأقوام الإيرانية و غير الإيرانية التي حكمت ايران طوال التاريخ وتركت وراءها " ثقافتها السياسية و الاجتماعية " رغم أنها وبفعل السيطرة السياسية للإيرانيين " " انجذبت " للعلاقات السياسية ، الاجتماعية و الثقافية للأقوام الإيرانية . على سبيل المثال رغم مر عدة قرون على السيطرة السياسية و العسكرية العربية على ايران ، ألا أننا نشاهد أن الثقافة و السياسية للأصولية الإسلامية تعيد إنتاج نفسها لدرجة بحيث لا تزال تحكم الحكومة الإسلامية الإيرانية عبر " ثقافة القصاص و البربرية " ولكن يجب علينا الانتباه إلى أن " الثقافة العامة و الاجتماعية " في كل بلد لها جوانب تطورها البناء و التقدمي ولها أيضا جوانبها الرجعية المفجعة و المعادية للإنسانية أيضا ، أما ما هي عوامل " الإهمال السياسي ، العسكري ، أو فقدان القوى الطبقية أو السيطرة الخارجية " التي تسببت في " الانهيار الثقافي " لشعب ما فهذا بحث أخر ومنفصل من الضروري أن نعيه .
الظروف الجغرافية و الإقليمية واثرها في الثقافة الاجتماعية
تترك الظروف الجغرافية و الإقليمية في أي منطقة وفي أي بلد ما أثرا بالغ الأهمية في المجتمعات الإنسانية وعلى أذواقها ومشاعرها وسلوكياتها ، فالناس الذين يعيشون في المناطق المخضرة أو بالقرب من البحر حيث تتمتع تلك المناطق بظروف بيئة جميلة نرى مشاعر أهلها و سلوكياتهم و أفكارهم و روبتمهم تختلف اختلافا كبيرا عن الناس الذين يعيشون في المناطق صحراوية ( سكان البوادي نظرتهم وحيدة الجانب وحياتهم تتسم بالبساطة وعدم التعقيد ) أما الناس الذين يخشون السيول أو وقوع الانفجارات البركانية فانهم يعيشون في " قلق" دائم وهذا القلق يترك اثره في نمط تفكيرهم وسلوكهم وفي ثقافتهم الاجتماعية ،ففي بعض البلدان كاليابان والتي يتمتع شعبها بقدرات عالية من العلوم و التكنلوجية المتطورة يلعب " الأبداع " دورا مهم في مواجهة الزلازل و في إدارة المجتمع ، لذلك يقل" الخوف و القلق لديهم " وبالتالي يمارسون حياتهم اليومية مفعمة بالأمل والثقة ، و لكن في بلدان مثل ايران فان حل مثل هذه المعضلات مؤجلة حتى ظهور " الأمام المهدي " ، من هنا يمكن القول أن الثقافة الاجتماعية في اليابان في التعامل مع الكوارث الطبيعية تختلف بما مقداره 180 درجة عما هو عليه في ايران .
الأحداث و الأزمات السياسية ، الاجتماعية و تأثيراتها على الثقافة الاجتماعية
تترك الأحداث والأزمات الاجتماعية، مثل الحروب المدمرة الطويلة الأمد، الهزائم السياسية المتتالية، الفشل الاجتماعي، التشريد و التهجير الإجباري تأثيرا " سلبيا " بالغ الأهمية في تشكل ثقافة الناس السياسية و الاجتماعية.
وتجدر الإشارة هنا أن المجتمعات الصناعية المتقدمة و التي يتمتع فيها الناس بالتفكير العلمي وتقاليد "الانضباط " يقيمون أسباب أزماتهم ، الحروب، الفشل و الهزيمة بشكل علمي ومدروس و يتغلبون عليها بالانضباط ، على سبيل المثال ما حدث لألمانيا و اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية وما تلاه ، إما في البلدان التي لا يتمتع أهلها وناسها بالتفكير العلمي و لا بالانضباط و لا الشعور بالمسؤولية الاجتماعية وثقافة التعاون فانهم يستسلمون لهذه الأحداث و يعتبرونها " قضاء وقدرا ربانيا " و أن حياة البؤس والأحزان التي يوجهونها هي " مصيرا " محتما وقدرا لا مفر منه ابدأ .
كيف "تتكون الثقافة " السياسية ؟
تستمد الثقافة السياسية نشأتها من الثقافة الاجتماعية ولكن بشكل أساسي تتكون من قبل " النخب " أو مجتمع النخبة ونعني بهم المثقفين و النشطاء السياسيين في المجتمع ، وفي الوقت الذي يتأثر فيه المثقفين و النشطاء السياسيين المنتمين إلى مختلف الجماعات الاجتماعية " بالثقافة العامة للمجتمع " فهم يسعون جاهدين إلى تسجيل " وجهات نظرهم " في مختلف المسائل لنشرها في مجال السياسية و المجتمع من جهة ويسعون أيضا إلى تنفيذ مبادئ أفكارهم وممارساتهم اليومية داخل المجتمع من جهة أخرى .
تتسبب موجهة آراء و معتقدات النشطاء السياسيين ومنافساتهم الطبقية ، بتنظيم " الثقافة السياسية الخاصة " للمجاميع الاجتماعية من جهة ومن جهة أخرى ، تتسبب النقاشات " و الجهود النظرية و السياسية لمجموعة النخب ( النخبة ) الاجتماعية في انتشار نوع من " الثقافة السياسية العامة " بين أوساط المجتمع ، على سبيل المثال : تتمتع كل من القوى و النشطاء السياسيين اليساريين ، الدينيون ، المعتدلون ، الليبراليون ، المحافظون بثقافة سياسية خاصة في المجتمع ، حيث تقاس عبر قيم و معايير مختلفة مثل : " الإنساني "، " الديمقراطي" ، " الأصولي " ، " الاستبدادي " وغيرهما . لكن "الثقافة السياسية العامة و المسيطرة بين أوساط الإيرانيين " هي عبارة عن دمج وتركيب لروية و ممارسات الجماهير الإيرانية وكل " النخب" ( النخبة ) في المجتمع ، على سبيل المثال اذا اردنا الحديث حول خصوصيات الثقافة السياسية العامة في ايران نرى بأن " الإيرانيون جماعة فرديون و لم يعتادوا بعد على ثقافة العمل الجماعي " و أن كل واحد منهم ديكتاتورا صغيرا و أن " الانتهازية و النفاق تشكل جزءا من مواصفات تفافتنا السياسية نحن الإيرانيين" ، بالإضافة إلى مواصفات سياسية و اجتماعية سلبية أخرى ...
اذا ، هجوم المغول ، الحروب الإيرانية – اليونانية السيطرة العربية والإسلامية و كذلك استقرار حكومة الجهالة و الجرائم - الفاشية – الإسلامية في ايران هما من اهم العوامل المسببة في انهيار الثقافة و العلاقات الاجتماعية في ايران .
يجب أن نذكر أن دور " المثقفون " و" النخب الثقافية " في المجتمع هو ليس إمكانية معرفة و تشخيص و تحليل الجوانب السلبية و الإيجابية في ثقافة المجتمع العامة وحسب و أنما بالاعتماد على قوة وعيهم و معرفتهم و بالتعاون مع زملائهم في التفكير والتي تتطلب بذل قصارى جهودهم " لدفع " الجوانب الرجعية وغير المحببة للثقافة الاجتماعية أو السياسية داخل المجتمع ، والعمل على " جذب " الجوانب الإنسانية و التقدمية للثقافة العامة و في عملية التحولات السياسية و الاجتماعية لتصبح جزءا من " الضمير الإنساني " في المجتمع . ولكن دراسة أقوال و أفعال و ممارسات الغالبية العظمى من الباحثين و المثقفين الحاليين ومنذ قيام "ثورة الدستور " حتى اليوم ترينا أن غالبيتهم كانوا يسيرون خلف الأحداث و يساندون ثقافة العنف، التخريب و الانتهازية.
و بعد ا استقرار نظام الجهالة - و الجرائم - الفاشية للجمهورية الإسلامية في ايران بزعامة الخميني اتسعت رقعة ثقافة الحثالة و ثقافة النفاق و الانتهازية لتشمل عموم المجتمع ، من هنا فان من اهم المهام التاريخية الكبرى الملقاة على عاتق المفكرين التحررين و محبي الحرية و الباحثين هو ليس الإطاحة جذريا بالنظام وحده وحسب وإنما من الضروري السير قدما على طريق تشكل السلطة البديلة المطلوبة حتى يتسنى لها أن تقلع من الجذور المؤسسات الثقافية المنتجة للجهل في ايران، والا فان ثقافة سياسة الدجل والنفاق سوف تبقى تعيد إنتاج نفسها من جديد .
(* )مختصر السيرة الذاتية للدكتور حسن ماسالي :
ترجمها عن الفارسية: جابر احمد
1 – ولد في مدينة طوالش بمقاطعة جيلان الإيرانية عام 1391
2 ساهم في الأنشطة السياسية منذ الخمسينات من القرن الماضي وذلك من خلال دعمه للدكتور محمد مصدق الذي أمم النفط الإيراني .
3 عام 1391 سافر إلى ألمانيا لإكمال دراسته ، درس الطب أولا ثم درس العلوم السياسية ، وإثناءها قام و بمؤازرة مجموعة من أصدقائه بتشكيل اتحاد الطلبة الإيرانيين وكان من ابرز قادته وكذلك يعد من اهم المؤسسين للاتحاد العالمي للطلبة الإيرانيين في الخارج.
4 ومن ابرز قياديه من عام 1391 إلى عام 1391
5 عام 1391 ساهم في تأسيس منظمات الجبهة الوطنية الإيرانية في أوروبا وكان على راس قيادتها حتى عام 1399 .
6 عام 1391 نقل نشاطه إلى منطقة الشرق الأوسط و بمبادرة من رفاقه قام بتأسيس
7 منظمات الجبهة الوطنية الإيرانية في الشرق الأوسط ، و إثناءها تركز ت نشاطاته في بلدان منطقة الشرق الأوسط وعلى الحدود الإيرانية ، حيث كان آنذاك يؤمن بنهج الكفاح المسلح من اجل إسقاط نظام الشاه وإقامة نظام برلماني ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الأنسان .
8 له دور بارز في إنجاح الثورة الإيرانية وذلك أثناء نضاله السري دخل البلاد من اجل العمل للخلاص من النظام الشاهنشاهي .
9 بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1391 رشح من قبل مواطني طوالش للمجلس الوطني وقد حاز على المرتبة الأولى من بين 19 مرشحا ، ولكن بعد أمساك رجال الدين بقيادة خميني بزمام الأمور في ايران تم التخطيط لاغتياله ، فاضطر الانتقال سرا إلى إقليم كردستان - ايران - وبقي هناك لمدة ثلاث سنوات تصدى خلالها وعبر الكفاح المسلح لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومقارنة مع ذلك انتفضت مجموعة من أنصاره في مقاطعة جيلان ضد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
10 في عام 1392 اصبح بشروط عضوا في مجلس المقاومة الوطنية الإيرانية إلا انه و بعد فترة وجيزة وبسبب ممارسات منظمة مجاهدي خلق ترك هذا المجلس .
11 حوالي عام 1331 وبعد لقائه مع الدكتور شابور بختيار واصل نشاطه في اطار " نهضة المقاومة الوطنية الإيرانية " وبعد مدة وجيزة اصبح عضوا في هيئتها القيادية.
12 عام 1331 أسس " المؤتمر الوطني " وهو ائتلاف من القوى العلمانية و المنادي بالعدالة الاجتماعية وقد استمر هذا التيار بنشاطه حتى عام 1339 .
13 في عام 1333 انهي دراسته في جامعة فرانكفورت الألمانية ،فرع العلوم السياسية وتناول في أطروحته للدكتوراه أسباب ازمه اليسار الإيراني و قد حملت هذه الأطروحة عنوان " حركة اليسار الإيراني وعوامل ازمته المستمرة " منذ عام 1399 .
14 يعتقد أن الدور السياسي للمنظمات الإيرانية بدءا من اليسار الراديكالي إلى الملكي قد انتهى في ايران . من هنا فإنه يسعى وبالتعاون مع عدد من زملائه ممن يشاطرونه الرأي لتأسيس " الحركة الديمقراطية الحديثة ) السلطة البديلة ( " في داخل ايران وخارجها وذلك من اجل تعميق الرؤية الثقافية والعلاقات الديمقراطية في المسيرة السياسية والحياتية ومن اجل الازدهار الاجتماعي
15 يسعى و بشكل مدروس إلى الإطاحة بالنظام الديني الحاكم في ايران ويعتقد أن الأفراد و المؤسسات التي تتعامل بشكل سري وعلني مع هذا النظام إذا لم تقطع حبلها السري معه هم ليس بإصلاحيين .
16 عام 1979 اصبح ممثلا " للجبهة الديمقراطية الإيرانية " وهي جبهة تضم بين صفوفها مناضلين من الطلاب و النساء .
17 في الفترة الواقعة ما بين 1331 إلى 1339 عمل مشرفا على الأطفال و الشباب المشردين في ألمانيا .
18 أسس عدد من المؤسسات غير النفعية في خارج ايران وذلك من اجل توسيع الديمقراطية و الدفاع عن حقوق الأنسان في منطقة الشرق الأوسط . وقد خصص جزء من نشاطه لهذه المؤسسات .