منظمات المجتمع المدني ..... إلى أين ؟

نبيل تومي
2013 / 7 / 28

على ضوء الندوة التي أقامهـا التيار الديمقراطي العراقي في العاصمة السويدية ستوكهولم قبل عدة أيام وبالتعاون مع الجمعية الثقافية المندائية في ستوكهولم وجمعية المرأة المندائية ورابطة المرأة العراقية ، وإلتي تمحورت حول منظمات المجتمع المدني وأستضيفت فيهـا الدكتورة الرائعة رابحة مجيد الناشئ التي أجادت بحق وإلى حداً كبير في طرح المادة بشكل رائع ، متدرجة بالمعلومة وبوضوح في التعابير والسلاسة في طرح وبمنهجية عالية الدقة متمكنة من مادتهـا ... في السطور القادمة سأضع أمـام القاري مكثفـاً مختصراً جداً الأفكار ألأساسية في الندوة كتقديم لموضوع الذي شغلني بحق وشدني إلى كتابة هذا المقال وفي طرح تساؤلات كثيرة حوله ولكن من الجانب الآخر في الرؤياً ...
تعريف منظمات المجتمع المدني : هي منظمات غير حكومية مشكلة بحرية ، لهـا أستقلالية كاملة عن الأحزاب والأيدلوجيات والسلطة . وتقوم بمختلف الأنشطة الأنسانية . والأنتماء أليهـا والخروج منهـا أختياريـاً وبكامل حرية وإرادة الفرد . وبتالي هي منظمات طوعية غير ربحية .
لمنظمات المجتمع المدني في الدول العصرية والمتحضرة قوة ضاغطة على الدول والحكومات والقرار السياسي ، بالعكس منـها في الدول الأخرى ذات الأنظمة العسكرية أو الدكتاتورية أو أنواع الفاشيات . (كالتي أبتليـنـا بهـا في عالمـنـا العربي ) ,من الكاتب ، .
تشمل منظمات المجتمع المدني مختلف الأتحادات و النقابات و الجمعيات والأندية في آي بلد ، ويمكن أن تكون منظمات عالمية عابرة لحدود البلد الواحد كمنظمات أطباء بلا حدود أو منظمات المدافعة عن البيئة أو المرأة والطفولة أو حقوق الأنسان و وحتى حقوق الحيوان ....إلخ ، ومجمل هذه المنظمات لا تستطيع العمل إلا في أجواء الحكم الديمقراطي الحقيقي والمستند إلى الدساتير وأنظمة وقوانيين صاغتـها ووضعـتـهـا أرادة الشعوب ورغباتـهـا وحاجاتـها وبتالي صاغتـهـا برلمانات منتخبة ديمقراطيـاً وتنفذهـا الحكومات والمؤسسات التابعة لهـا .
دون الديمقراطية لا وجود لمنظمات مجتمع مدني
أهم مـا موجود في بناء منظمات المجتمع المدني هو وجود ركائز حقيقية وأرضية خصبة للديمقراطية .
وأنعدام الديمقراطية والسيادة الوطنية والدساتير المبنية عليـها والمختارة من قبل الشعوب لا وجود لمنظمات مجتمع مدني حقيقية . حينـهـا ستصبح منظمات كارتونية تابعة للسلطة الحاكمة تأتمر بأوامر الممول والقوة الحاكمة الغاشمة والتي تسيطر بمختلف الاشكال على صياغة قوانين تلك المنظمات التي تسّبح بأسم سلطة القائد والحاكم الدكتاتوري ، كمـا كان في عهـد النظام البعثي المقبور في منظمات ( الشباب ، الطلبة ، نساء ، عمال وغيرهـا من الأتحادات والجمعيات .....) .
مـا يهمني في هذا المقال هو الحديث عن منظمات المجتمع المدني العراقية في دول المهجر والتي تكاثرت كبكتيريا الأميبـا في هذه البلدان لمـا توفر لهـا منأنظمة وقوانيين الديمقراطية متساهلة أعطتهـا الحق في أنتاج وتشكيل هذه المنظمات ولحاجة أبناء الجالية لهـا من الجانب الآخر، وخيراً فعل العراقيين في بادئ الأمر في تأسيس هذه الأندية والجمعيات ذات الطابع الأنساني الأجتماعي لحداً مـا ...كانت الغاية الأساسية منهـا تجميع أبناء الجالية في المغترب ( أغلبه كان قسري) وتقاربهم سعيـاً منهم الألتزام والأبقاء على القيم الثقافية والمجتمعية التي تجمعهم كعراقيين .
نعم كانت البداية محقة وناجحة ومشجعة بسبب الحاجة الضرورة والموضوعية التي فرضتـهـا الظروف الذاتية لأبناء العراق الهاربون من بطش النظام البعثي الساقط . ولكـن مع تقادم السنين وتزايد أعداد المهاجرين وظهور حاجات وتأثيرات جديدة مختلفة جعلت منها سبب في ظهور الرغبة لتكوين تجمعات خاصة بمكونات معينة لا تنسجم مع النهج العام الموجود ، فظهرت على السطح جمعيات ونوادي ومؤسسات مجتمع مدني جديدة منها من تحمل الطابع القومي ( مثل جمعيات وأندية كردية الطابع وآخرى أشورية التسمية ) وكذلك بعض منهـا أخذ منحى أختصاصي كجمعية الفنانيين التشكيليين العراقيين أو أتحاد الكتاب العراقيين وغيرهـا .
ولكن بعد سقوط النظام الصدامي القذر وحلول سلطة غيرواضحة المعالم مدعّية الديمقراطية وهي بعيدة كل البعد عـنها ، متخذة من النظام المحاصصي الطائفي الأثني مبدأ جديد في إدارة البلاد ، زادت في أشعال روح التفرقة بين العراقيين كمواطنين لأمة واحدة ووطن واحد ... حيث عمدت إلى التوافق على تقسيم الكعكة العراقية بينـهـا ( هذا لك هذا لي ) من خلال نظام محاصصي ذي طابع ديني يقسم العراق إلى مجموعة مقاطعات بين مختلف مذاهب الشيعة الأثنى عشرية وبعض القوى القومية الكردية ذات التوجة العشائري تتقاسم شمال الوطن في مـا بينهـا على نفس المبادئ الطائفية والمذهبية في داخلهـا ،كل هذا هيئ وأتاح الفرس للسير قدمـاً لتقسيم العراقيين ( قبل تقسيم العراق ) داخل العراق إلى فرق وأحزاب وعشائر وأفخاذ وأقوام ممـا أدى إلى نشوء نوع من التصادم والتناحر بين مختلف هذه القوى التي ترغب كلاٍ منها في بسط نفوذهـا على الآخر وبتالي تفرض سيطرتهـا على بعض المناطق الجغرافية وكأننـا عدنـا إلى عهد دويلات المدن ، لكل حزب أو قوم أو طائفة ميليشياتـها المقاتلة الخاصة تأتمر بصاحبها أو بمن يقودهـا وهي مستعدة لقتل وتفجيرالوضع في آية لحظة ، وهذا مـا سبـب في احدث شرخ في العلاقة المجتمعية العامة ونسيجهـا القوي المتراص إبان الحقبة التاريخية قبل ثورة تموز وأثنائهـا ... وبحكم ذلك أنجر الوضع الداخلي الملتهب بالتناقضات إلى الخارج وتأثرت الجالية العراقية بشكل عام وأضحت صورة طبق الأصل لمـا يحدث في الداخل .
من المؤسف حقــاً أن نرى في السويد ( على سبيل المثال ) اليوم عشرات الجمعيات والأندية والأتحادات قد أنشأت على شاكلة السياسة العراقية وهي في تصارع وتشرذم أيضاً وأنقطاع عن بقية العراقيين .
فكل مجموعة أثنية لهـا جمعية وكل مجموعة قومية لهـا نادي ، وكل مجموعة طائفية لهـا جمعية ، ولكل مجموعة سياسية لهـا تجمع خاص بهـا أعدد أدناه بعض من هذه التسميات وليس الجميع فقط على سبيل الايضاح .
أتحاد جمعيات العراقية ويشمل بحدود 62 جمعية ونادي تحت هذه التسمية وهنالك عدد أخر خارج الأتحاد هذا . مما يعني أن عددهـا أكثر من ذلك ، ولكل واحدة منـها تسمية تخصصية وتعني بشأن معين يشير إلى نشاطهُ .
أتحاد جمعيات الاشورية وهذه تشمل أيضاً أكثرمن عشرين جمعية منظوية تحت خيمة هذا الأتحاد ولكل واحدة منهـا أستقلاليتـهـا وسياستهـا وتبعيتـهـا إلى طائفة معينة من المسيحيين العراقيين الأشوريين أو أن تكون تابعة لأحد الأحزاب السياسية القومية أوالدينية أو العلمانية الأجتماعية ، بالطبع نحن نتفهم وجود هذه الجمعيات في مختلف المدن السويدية .
ثـم أتحاد جمعيات الكردية وفي هذه التشكيلة تنظوي أكثر من (150) لست متأكد من هذا التجمع المتعدد الأسماء فهي تتداخل فيمـا بينهـا الأحزاب السياسية والقومية ومنـها الدينية أو الأثنية وكلٍ تمشي على هواهـا .
أتحاد جمعيات السريانية وبنفس الطريقة ففي هذا التجمع السريان الكاثوليك أوالأرثوذيكس أو السريان القوميين او السريان الأشوريين ..... إلخ .
أتحاد جمعيات الكلدانية وهذا الأتحاد حديث الولادة وهو متشكل بعد سقوط النظام البعثي حيث بعثت الروح القومية لدى بعض المسيحيين العراقيين الذين تختلف لهجتهم عن الأخريين بحكم العامل الجغرافي وغيرة من العوامل وبالأخص الأختلافات المذهبية ورغبة المتطرفيين منهم في عدم الأنتماء إلى التسمية الأشورية ، وأرتأوا أن يتخذوا من الكلدانية تسمية يفرقون نفسهم عن الأخرين ، وهم أيضاً تكاثروا إلى مجاميع مختلفة ومتباينة الأنتماء والتوجه من الأندية والجمعيات والأحزاب وحسب المصالح الخاصة لكل فصيل وبتالي هي تتكاثر حسب الرغبة التي تتماشى مع المؤسسين لـهـا والمختلفيين مع الأصل .
أمـا الأخوة الكرد الفيليه فلهم أيضاً أتحادهم الخاص الذي يرعى مصالح الكرد الفيلية وينتمي أليه مختلف الجمعيات منـهـا الدينية أو العلمانية وهي تحاول أيجاد هوية خاصة بهـا .
كل هذا وذاك أدى إلى بالتركمان إلى تشكيل جمعيات خاصة بهم فقط مثل جمعية المرأة التركمانية والجمعية الثقافية التركمانية وعلهُ يوجد غيرهـمـا . والقائمة لا تنتهي فتجمعات الإيزيديين أيضاً لهـا جمعيات خاصة بهم فقط .... وهذا مـا يزيدني خوفـاً من أن الأبتعاد والتقوقع لكل مجموعة أثنية أو قومية من أبناء الوطن الواحد .
أمـا الحديث عن الصابئة المندائيين فهذا كثير الشجون تكاثرت الجمعيات والأتحادات الخاصة بهؤلاء العراقيين الأصلاء لدرجة أننا لا نستطيع أحصائهـا أو تسميتـهـا .... وتداخل الصراع السياسي والديني بين مختلف المتنفذيين الراغبين كلٍ في فرض أجندتهُ على الأخر بعيداً عن التلاحم والتكاتف الوطني .
بعد كل هذا التعدد والأنقسام والتشرذم والتخصص والأنغلاق الحاصل بين أنباء الشعب الواحد أتسائل أين هو العراق فيهـا .... أين سيجد المواطن الذي يؤمن بأنهُ عراقي فقط مكانـهُ بين العشرات من هذه التكتلات المختلفة مـا بين أقصى اليمين وأقصى اليسار ، مـا بين التطرف الديني الكبير إلى المتسامح واللاديني ؟ أنـها حقـاً لمعضلة مبيرة ومؤلمة حين لاأستطيع أن أكون عضواً في هذه الجمعية أو تلك لآنـهـا فقط للمتكلميين باللغة الكردية أو للمتحدثيين بالسريانية أو الأثورية أو حتى اللهجة الكلدانية ثـم مـاذا سافعل أنـا العراقي الذي يشدني حب جميع العراقيين الجامح لهم بعيداً عن آي تسمية أو مذهب أو دين ؟ مـا ذا أفعل حين لا نفع في أن أتواجد في وسط مجموعة من أبناء شعبي وأشعر معهم بالغربة !! أراه ُ أمراً كارثيـاً عندمـا يجبر العراقي إلى البحث عن عشيرته وأنتمائه القبلي أو العرقي أو المذهبي ثم القومي والديني لكي يثنت ذاته أنـهـا حقـاً كارثة الكوارث !!! .... أني متأكد من أن الجميع يتحلون بحب الوطن وترابه والأنتماء الصادق أليه ، وأني متيقن أنهم جميعـاً وطنيون ينادون بأن العراق هو وطنهم وأرضهم ورأينـا خروج مجمل العراقيون في ساحات العاصمة السويدية ستوكهولم عند فوز العراق بكأس أسيا لكرة القدم ، ولكن أيكفي هذا لأثبات محبتي وأنتمائي للوطن ؟؟؟ .
برأي هذا لا يكفي لأن الفريق العراقي لا يستطيع كسب الدورات والكؤوس كل الأوقات من أجل أن يقرب ابناء الشعب الواحد أو يفرح قلوبهـم الحزينة والمليئة بمشاعر الغبن والحسرة على وطمهم الضائع ولا يستطيع توحيد مـا فرقه السياسيين ويمحوا مـا أصابهم .... ولكن هل من حلول آخرى عدا تلك ؟ هل التمنيات تكفي لعودة روح الحميمية والأخوة الحقيقية لدى العراقيين ؟ مـاذا على رؤوس هذه التجمعات أن تغعل من أجل عودة التلاحم الأخوي الصادق المبني على المواطنة والوطنية ؟
علينـا أيهـا العراقيين أن نعي هذه المسؤلية وأن نبدأ في البحث عن الصيغ النافعة المجتمعية النبيلة التي يشترك بهـا الفرد العراقي وبالأخص نحن في المهجر .... أن مـا أصاب الجالية العراقية من وباء أسمه المحاصصة والطائفية والمذهبية والقومية يؤرق أغلبنـا والجميع يؤكد شعوره بمرارة وبخيبـة أمـل من هذا الواقع ، ولكن هل من حـل ؟