حوار الحرب والسلام

رياض حمادي
2013 / 7 / 6

_______________________________________عن مؤتمر الحوار اليمني – اليمني _____________________

____________________________كبسولة : تحتاج إلى وسيلتين لإلهاء الناس : الأولى بالحرب والثانية بالحوار _________

الإلهاء بالحرب :

قيل بأن إسرائيل كانت بحاجة لعشرين عاما (هدنة مع العرب) حتى تتمكن من بناء قدراتها وقلب ميزان القوى لصالحها . ولكي تحيا هي في سلام كان لزاما على العرب أن يتقاتلوا , فكانت الحرب العراقية الإيرانية (الحرب السنية الشيعية الأولى) لمدة 8 سنوات . ثم غزو الكويت وعواقبها لتكتمل العشرين عاماً (الأولى).

الإلهاء بالحوار:
لحوارنا اليمني – اليمني نوعين من الإلهاء :

الأول : إلهاء المتحاورين أنفسهم , وليس أجدى من الدولارات لتحقيق ذلك خصوصا إذا عرفنا أن كل شخص سيخرج وفي حسابه البنكي عشرات آلاف الدولارات !
والثاني : إلهاء الناس , أو محاولة إقناع أغلبهم بأن الحوار هو مخرجنا الوحيد من الأزمة , وسيترتب عليه نتائج إيجابية كبيرة . أصبح لدى الناس شعور بأن الزمن متوقف حتى ينتهي الحوار ووحدها نتائجه من سيعيد تدوير عجلة الزمن من جديد .

وفقا لنسبية آينشتاين – العامة – فإن الزمن يتوقف . متى ؟!
عندما تسير بسرعة الضوء أو بسرعة أعلى منه .
بالنسبة لنا لدينا نسبية – خاصة - أخرى هي "النسبية اليمنية" !
حيث يتوقف الزمن فعلا وليس افتراضا , وذلك عندما لا يتحقق شيء على أرض الواقع !

بالعودة إلى الشأن الإسرائيلي , هل جربت إسرائيل إلهاء العرب بالحوار ؟
جربت إلهائهم بالحوار حول السلام وقد كسبت عشرين عاما أخرى !

السؤال : هل يمكن لحوار أن يستمر لمدة عشرين عاما أو لبضعة أشهر ؟!
في السياسة , يمكن للحوار أن يستمر أكثر من ذلك , عندما تكون موازين القوى مختلة لصالح طرف , وليس لدى الطرفين رغبة في العودة إلى ساحة المعركة ! (وعندما يحقق السلام فائدة أكبر من الحرب لصالح الطرف الأقوى !)
لكن ..

نتائج أو مخرجات أي حوار تحكمها المواقع أو القوة على أرض الواقع . لذلك قالوا في المثل الإنجليزي :
If you want peace be prepared for war .
"إذا أردت السلام فكن مستعدا للحرب" !
وقالوا بأن تقدمك على طاولة المفاوضات محكوم ومرهون بتقدمك على أرض المعركة .

فمن هي القوى/السلطات المشتركة في الحوار (اليمني – اليمني) الأكثر استعداداً للحرب ؟!
الحوثيون والإصلاحيون !
وهنا يمكن للتحليل أن يرجح نتائج المعركة لصالح الحوثيين , بناءً على خبرتهم في الحروب السابقة , لكنه ترجيح أو تحليل لا يأخذ في الحسبان تدخل القوى الخارجية الدائم في أي حرب شيعية سنية .
المؤكد أن النتيجة ستكون صفر- صفر مما سيستدعي العودة إلى طاولة المفاوضات مجددا – أي إلى الحوار .

كبسولة قبل الختام :
أي حوار يسبق الحرب , هو حوار سقيم وعقيم , لأن الأطراف المشتركة فيه لا تعلم الحجم الحقيقي لقوة الخصم !
في الحوار قبل الحرب يسعى كل طرف لاستعراض قوته , هل لاحظت بعضا من هذا الاستعراض – داخل لجان الحوار وخارجها - والمترافق لسير الحوار ؟
هذا النوع من الحوار يسمونه "حوار طرشان" , لماذا؟!
لأن أطراف الحوار لم يسمعوا بعد أصوات المدافع !
الأصح , لأن كل طرف لم يسمع سوى صوت مدافعه فقط !

كبسولة الختام : كثير من الحيوانات تتوصل إلى معاهدات سلام دائمة بعد جولة أولى من المبارزة !

حين يتبارز بعض ذكور الحيوانات من أجل الاستئثار بالأنثى أو بالمرعى أو بالصيد , على الخصمين جس قوة بعضهما البعض , وبعد جولة من المناطحات , يرفع الطرف الأضعف ذيل الاستسلام و "يا دار مدخلك دم" !
لدي رغبة – على غير عادتي – في إنهاء هذا المقال / الحوار بتفاؤل , لذلك أقول : من يدري لعلنا نستفيد من تجارب الحيوانات – كما استفدنا منها سابقا في كثير من الاختراعات – فنقلدها ليجنبنا حوار الستة الأشهر , حرب الستة أعوام !
لكن مثل هذه النتيجة المتفائلة يلزمها شرط , وهو مفقود أو يشوبه خلل ما . وهو وجود سلطة عليا تدير الحوار بين سلطات / قوى المجتمع المختلفة , والتي تسعى كل منها للحلول محل الدولة . في الحقيقة هناك سلطتان تديران الحوار : سلطة داخلية تتمثل بسلطة الدولة الضعيفة , وهي سلطة ضعيفة لأنها تحتاج دائما للاستقواء بالسلطات الخارجية التي ترعى الحوار و – ربما - توجهه , وهنا النتيجة المتفائلة مرتبطة بأجندات السلطات الخارجية ! والسبب الثاني لضعف سلطة الدولة هو أن سلطات أو قوى المجتمع المشتركة في الحوار أثبتت أكثر من مرة أنها فوق سلطة الدولة . واقع الحال يقرر بأن نِصاب القوى المشاركة في الحوار مقرر سلفا بما يعكس حجم حضورها أو قوتها في الواقع , ولأن البعض يشعر بعدم تقدير حجمه أو قوته الحقيقية فقد جعل من الحوار مناسبات عديدة لإثبات ذلك .

كبسولة بونس bonus :

يتحول الحوار إلى نوع من الثرثرة عندما لا يعرف المتحاورون الهدف من اجتماعهم حول طاولة واحدة , أو عندما يكون هدف كل طرف – من الحوار - إعلان أو تأكيد نفسه سلطة أعلى من السلطات الأخرى .
يمكن للحوار (اليمني – اليمني) أن ينجح إذا كان هدف السلطات المتحاورة البحث عن السلطة العليا – سلطة الدولة . لكن ولأن واقع الحال يقول بأن وراء كل سلطة مذهب ديني يغذي شعوره بالامتلاء بالحقيقة وامتلاكها , فالتفاؤل ينقلب لا إلى تشاؤم وإنما إلى تقرير وتحليل واقع .

الحرب هي نوع من الحوار , وحوارنا اليمني , كما حواراتنا العربية – العربية , والإسلامية – الإسلامية حرب كلامية . ومصيبتنا في أننا "ظاهرة صوتية" . لذلك لا سبيل لفض هذا الاشتباك الكلامي بين مُلاك الحقائق سوى الصدام الدامي , وكلما كان حجم الدم المسال أكبر كلما زدنا اقتناعاً بنسبية ما لدينا من حقائق واقتربنا أكثر من حقيقة الآخر . حينها سيشعر الجميع بتساوي جميع الأطراف , حقهم في الحياة والتعبير عنها . وحينها يصبح لطاولة الحوار معنى .

كبسولة غليونية :

"إن الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة المجتمعات واستقرارها ليس وجود التيارات والمذاهب المتعارضة كل التعارض , ولكن سيطرة النظرة النرجسية المغلقة والتفوقية التي تمنع من اكتشاف طرق التفاهم وتلغي إمكانية الحوار . فهي النظرة التي تحرمها من الشعور بمشروعية وجود غيرها , أو التي تدفعها إلى عدم رؤيته إلا كوجود وهمي .. ليس أخطر على أمة من أن يتحول النقاش فيها من نقد للحجج العقلية إلى حكم على الشرعية الوجودية واعتراض على العقلية والذهنية" (*)
________________
(*) برهان غليون – نقد السياسة , الدولة والدين .