حول إعادة النظر في تصنيفات الإسلام السياسي

أشرف حسن منصور
2013 / 7 / 5

حول إعادة النظر في تصنيفات الإسلام السياسي

إن ما شهدته مصر على يد عصابة الإخوان المسلمين الإجرامية من محاولات لتفكيك الدولة المصرية (التي هي أقدم دولة في التاريخ) وتشويه صورة الجيش المصري (الجيش العربي الوحيد الباقي في العالم العربي، والعاشر من حيث القوة على مستوى العالم) والتفريط في السيادة الوطنية بتحويل سيناء إلى مرتع للعصابات الجهادية والتكفيرية، والتفريط في رقعة هامة من الأرض المصرية هي حلايب وشلاتين، والتفريط في مياه النيل في تعاملها مع سد النهضة الأثيوبي ومع كل دول حوض النيل، مع فشلها الذريع في إدارة الدولة مما أسفر عن الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي نعيشها، كل ذلك يستدعي إعادة النظر في كل الدراسات والأدبيات والرؤى المقدمة حول الإسلام السياسي قبل وصول الإخوان إلى السلطة وإلى تجربتهم الفاشلة في الحكم.
والحقيقة أن أغلب هذه الأدبيات كان صادراً من أقلام باحثين غربيين لم يتفهموا جيداً الطبيعة الحقيقية للإسلام السياسي، ونظروا إليه بمنظار المصالح الغربية، والأمريكية تحديداً، تلك المصالح التي رأت في الإسلام السياسي خير معين لها لتنفيذ خطتها الإمبريالية في العالمين العربي والإسلامي. ويجب أن نتفهم جيداً أن الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية الأمريكية هي جزء من المنظومة التي تخدم السياسة الدولية الأمريكية، وهي مُكوِّن عضوي من هذه السياسة، يضع لها الرؤى والاستراتيجيات الكبرى والأفكار الموجهة. وبالتالي فيجب أن ننتبه إلى أن كل ما يصدر عن هذه الجهات البحثية من دراسات حول الإسلام السياسي يخدم الإمبريالية الأمريكية ومشروعها في الهيمنة على العالم.
تزايدت الدراسات الصادرة عن هذه المراكز البحثية حول ظاهرة الإسلام السياسي منذ صعوده في السبعينيات، وقدمت مجموعة من الرؤى الخاطئة والمغلوطة والتي تظهر بمظهر الحياد الزائف والتي أثرت بدورها في تفكير الكثير من الباحثين العرب والمصريين حول الإسلام السياسي. قسمت هذه الدراسات الإسلام السياسي إلى إسلام سياسي معتدل وإسلام سياسي راديكالي. وذهبت إلى أن الإسلام السياسي المعتدل يقبل بالديموقراطية وبقواعد اللعبة السياسية وبالتداول السلمي للسلطة، أما ما أسمته الإسلام السياسي الراديكالي فهو الذي يحمل السلاح ويحاول تغيير الأوضاع بالقوة ويتخصص في الإرهاب. وقد اقتنع بهذه التقسيمة الزائفة الكثير ممن كتبوا عن الإسلام السياسي في مصر: سعد الدين ابراهيم، فهمي هويدي، سيف عبد الفتاح، وليد عبد الناصر، معتز عبد الفتاح، عمرو حمزاوي، حسام تمام، وكثيرون غيرهم. والملاحظ أن هذه الأسماء تتنوع اتجاهاتها بين اليساري السابق والليبرالي والإسلامي الصريح والإسلامي المتخفي، علامة على مدى الانتشار الذي كان يتمتع به هذا الخطاب، والذي عمل الإخوان المسلمين أنفسهم على نشره.
وعلى أساس هذا التقسيم الزائف قبلت الكثير من حكومات العالم العربي والإسلامي، وبالأخص الحكومة المصرية على مدى أربعة عقود، التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها معبرة عن ذلك الإسلام السياسي المعتدل. وكان هذا من أسباب استفحال خطر هذه الجماعة وقوتها التي ظهرت بها بعد ثورة 25 يناير.
ويتمثل خطأ هذا التشخيص السابق في أن الإخوان لم يكونوا أبداً معبرين عن إسلام سياسي معتدل، بل كانوا هم أول جماعة سياسية إسلامية تستخدم العنف في تاريخ الإسلام السياسي، ابتداءً من تأسيس حسن البنا للجهاز الخاص وعمليات الاغتيال والتفجيرات التي نفذها هذا الجهاز في حياة البنا نفسه والتي انتهت باغتياله، والمستمرة طوال تاريخ الإخوان وحتى الآن. والتحالف الحالي بين الإخوان وحماس والجهاديين والجماعات الإسلامية الإرهابية خير دليل على أن التقسيم الأمريكي – الإخواني إلى إسلام سياسي معتدل وراديكالي كان خاطئاً ومغلوطاً طوال الوقت، بل كان هادفاً التسويق لجماعة الإخوان بالتحديد تمهيداً لوصولها إلى السلطة، وقد تم ذلك بالفعل. إن ظهور هذا التقسيم في مؤلفات أكاديمية وفكرية تظهر بالمظهر العلمي والمنهجي وتصدر عن باحثين مشهورين أعطى وهماً زائفاً عن موضوعية وعلمية وحياد هذا التقسيم، ذلك الذي انهار تماماً واتضح للجميع أنه ما كان سوى خدعة مارسها الإخوان بمهارة عالية وبالمكر والخبث المعتاد منهم، وساعدهم في ذلك مخططو الإمبريالية الأمريكية التي رأت في جماعة الإخوان خير من ينفذ خطتها في الشرق الأوسط.
إن ما يحدث في مصر الآن يشير بوضوح إلى أن الإخوان لم يكونوا سوى تنظيم إرهابي مثله مثل أي جماعة إرهابية أخرى. وكل الفرق أن الإخوان كانوا دائماً ما يخفون تحالفاتهم السرية مع الأجنحة الإرهابية الأخرى التي لم تكن سوى جماعات خرجت كلها من عباءة الإخوان وتربت فيها أيديولوجياً. والآن فإن كل ما كتب عن الإسلام السياسي وكان يتبنى هذا التقسيم الزائف قبل الثورة المصرية لم تعد له أي قيمة الآن وذهب إلى مزبلة التاريخ، وإن كانت له أي قيمة على الإطلاق فإنها تتمثل في أن ما كُتب يقف شاهداً على الأخطاء والأوهام التي نشرها عن جماعة الإخوان الإرهابية، وشاهداً على عدم قدرة هذه الكتابات على فهم الإسلام السياسي وفشلها في استيعابه.
لقد نجحت الثورة المصرية في تطهير نفسها ممن انتسب إليها خداعاً وزيفاً، ونجحت في التخلص ممن ركبها للقضاء عليها وصارت ثورة خالصة، واستردت طبيعتها الأصلية، ثورة مصرية وطنية اجتماعية.
تحيا الثورة المصرية
د. أشرف حسن منصور