الربيع المصري يفضح -الربيع العربي-

رياض حمادي
2013 / 6 / 30

يخرج المصريون اليوم تأكيداً للشرعية الثورية لا تقويضاً للشرعية الديموقراطية .

يخرجون من أجل استعادة ثورتهم التي سرقها الإخوان .
خروج المصريين اليوم بالملايين تأكيداً للربيع المصري وتأكيد إضافي على أكذوبة "الربيع العربي".
وحدها مصر كانت تلوح فيها بوادر ثورة شعبية , حتى لو لم تسبقها أو تفاجئها تونس .

وعليه لا يوجد سوى ربيعان : الربيع المصري والتونسي , أما ما يحدث في سوريا فليس سوى حرب أهلية نتيجة خديعة كبرى تعرض لها الشعب السوري وقوى المعارضة , قررتها الدول الكبرى ونفذتها دويلات حمد والعاهل .
أما ما حدث في اليمن فليس سوى نصف ثورة خرجت منذ البداية بقرار سياسي وكانت أشبه بنصف طبخة لا تستطيع استساغتها أو هضمها ولا إعادتها إلى النار مرة أخرى كي تنضج ! وعلى شباب الثورة استساغة هذه الحقيقة المرة وهم يتحدثون عن سرقة ثورتهم أو عدم تحقيق أهدافها , وإلا عليهم تأكيد هذه الثورة بالخروج مجدداً كما يفعل المصريون اليوم !

إذا كانت ثورة اليمن كاملة فلماذا لم يرد ياسين سعيد نعمان وحلفاؤه في المشترك على القوى الخارجية التي وصفت (مجزرة بنك الدم) بقولهم أنها (خروج أو تجاوز للخطوط الحمراء) بالقول ( إنها ثورة يا سادة ووظيفة الثورة الخروج على الخطوط الحمراء) !
وإذا كان هناك حقا "ربيع عربي" فلماذا لا تخرج بقية شعوب الدول العربية التي تعاني من نفس الظروف والمصير ! على حد علمي توجد حوالي 21 دولة عربية !

نقول لمن يتمترسون خلف شرعية صناديق الاقتراع من الإخوان وأنصارهم في الدول العربية , لا وجود لديموقراطية مقدسة سوى في رؤوسكم التي أدمنت المقدس !
الديموقراطية مكدسة وليست مقدسة لأنها حصيلة تراكم خبرات ووعي معرفي وسياسي , وتستند إلى شرعيات أخرى غير شرعية الصندوق فهناك "شرعية انتخابية، وهناك شرعية قانونية ودستورية، وهناك شرعية الإنجاز السياسي، وشرعية القدرة على التعاطي مع أزمات ومستجدات طارئة تهدد مستقبل بلدان" .

ما يفعله المصريون اليوم هو الديموقراطية بعينها , فالثورة وحدها المقدسة وهي وحدها من يصنع صناديق الانتخابات أو صناديق دفن الموتى .

كثيراً ما توصف الديموقراطية بأنها لعبة , لكنها كأي لعبة لها قواعدها ..
عذرنا أنها لعبة جديدة بالنسبة لنا ولذ يمكن أن نتذرع بعدم معرفة قواعدها ! لكن لا يمكن نفي هذه القواعد أو تفصيل أخرى على المقاسات الإخوانية !

الانتخابات المبكرة من أجل نزع أو تعزيز الثقة إحدى قواعد هذه اللعبة .. احتاجت أميركا أكثر من مائة عام كي تنزع الثقة من رئيس الجمهورية .. (نيكسون) .. لكن لا يعني هذا أنها لم تكن باستطاعتها فعل ذلك قبل هذا التاريخ .. كل ما في الأمر أنها لم تكن بحاجة لذلك وعندما دعت الحاجة أو الضرورة لنزع الثقة عن الرئيس فعلت ذلك دون ضوضاء أو حاجة لخروج الملايين ..

في الديموقراطيات الغربية الرئيس لا ينتظر خروج الشعب لينزع الثقة منه , يكفيه وجود مؤشرات استطلاعات الرأي التي تفيد بانخفاض شعبيته كي يحسنها أو كي ينسحب من المشهد عملاً بمنطق اللبيب الذي تكفيه الإشارة ..

هنالك أمثلة كثيرة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة جرت في كثير من بلدان العالم الديموقراطية وهذه بعض الأمثلة :

• "ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابع والثلاثين (1969–1974) أُطيح به عن كرسي الرئاسة ولم يكمل مدته الرئاسية ، اضطر للتنحي في بداية فترة رئاسته الثانية بسبب فضيحة «ووترجيت» تحت وطأة تهديد الكونجرس بإدانته" .
• "انتُخب راؤول ألفونسين كـ«أول رئيس مدني منتخب» للأرجنتين.. ثم قامت ضده احتجاجات فتخلى عن السلطة"
• "في 1992 أزاحت الجماهير البرازيلية فرناندو كولور دى ميلو أول رئيس مدني منتخب بسبب فشله الذريع في إدارة البلاد وتشويه النظام السياسي ومؤسساته وأجريت انتخابات رئاسية مبكرة" .
• "العام الماضي، شهد إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، في عدد من الدول الأوروبية، بهدف تشكيل حكومات جديدة لتتخذ قرارات إنقاذ حيوية، بعد أن غاب الاستقرار السياسي والاقتصادي في تلك البلدان، وهنا نتحدث على سبيل المثال، عن اليونان وإسبانيا" .
• "وفى العام الماضي أيضا كانت الحاجة ماسة للإطاحة بحكومة هولندا، التي فشلت وأخفقت في المفاوضات حول تقليص عجز الدين العام وباتت فاقدة المصداقية والشرعية السياسية والأخلاقية في بلدها" .
• "ما تشهده إسرائيل كل بضعة سنوات من دعوات لإجراء انتخابيات برلمانية مبكرة، إثر مواجهة البلاد لأزمة جيدة، أو انخفاض شعبيات حكومات قائمة أو عدم قدراتها على الوفاء باحتياجات عاجلة واتخاذ قرارات هامة وحيوية، وآخرها انتخابات مبكرة أجريت في مطلع هذا العام، بعد أن بدا أن البلاد تشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي تحت تأثير أبعاد داخلية وإقليمية ودولية عدة" .

"أخيرا إذا قمت بجمع الأسباب التي أجريت وفقها الانتخابات المبكرة في كل الحالات السابقة، تجدها متوفرة مجمعة وهو تفرد للتجربة المصرية الإخوانية، فالفشل الذي صاحب حكم ألفونسين وفرناندو يلاحق مرسى كظله، وغياب الشرعية الأخلاقية بسبب فعل سياسي استبدادي صاحب حكم نيكسون ارتكب أضعافها في عهد مرسى بل والأسوأ، فالخصوم السياسيون لم يتم التجسس عليهم، كما فعل نيكسون بل تم قتلهم في تظاهرات واعتقالهم في السجون، ناهيك بإهدار سيادة القانون ومحاصرة محاكم وإطاحة باستقلال القضاء إلى آخره " .

"ما عرضناه يقودنا إلى عدة أمور، أبرزها هو الخروج عن المفهوم الضيق والمحدود للشرعية، الذي يحصرها في نتائج انتخابية صماء، كمثل الذي يحصر الديمقراطية في صندوق شفاف، متجاهلًا سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وصيانة الحريات المدنية والسياسية وإطلاق حرية العمل النقابي والأهلي وفكرة العقد الاجتماعي (الدستور) وغير ذلك من قواعد أساسية للعملية الديمقراطية" .

مشكلة القوى السياسية الإسلامية , لأنها من يتولى مقاليد السلطة , في مصر على سبيل المثال , أنها تعتبر شرعية الصندوق شرعية مقدسة تخولها الاستئثار بالسلطة واحتكارها والانفراد بوضع أسس الدستور إلى ما هنالك من أمور تدل على استمرار نهج الأنظمة البائدة في هذه الدول ...

لا يمكن للإخوان أن يَصْدُقُوا في أي وعد قطعوه فتاريخهم قائم على الكذب والخداع . هم كانوا قد وعدوا بعدم الفوز بأكثر من 32 % في الانتخابات النيابية ثم أخلفوا وعدهم . ثم وعدوا بعدم خوض الانتخابات الرئاسية ثم أخلفوا بوعدهم . لذا لا يمكن الثقة في أي وعد يعطوه لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة , وغايتهم إقامة دولة إسلامية تبيح لهم الكذب والخيانة والنفاق وكل الرذائل بفتاوى شرعية وأحلام شيوخ في المنام تبشر بولايتين انتخابيتين !

يخرج المصريون اليوم ليس فقط بسبب فشل النظام الإخواني في التنمية والاقتصاد , فهذه تحتاج لمدة أكثر من سنة , لكنهم يخرجون بسبب فشل الإخوان في أمور كثيرة منها :

-;- تردي الحالة الأمنية وعدم قدرة الإخوان على الحفاظ على الأمن ..
-;- محاولات الإخوان الاستئثار بالسلطة ومفاصل الدولة "والتكويش على كل شيء" !
-;- إحساس الثوار بأن الثورة سرقت منهم وهذا الإحساس نتج عن تصرفات الإخوان في السلطة ..
-;- فشل الرئيس مرسي في تقديم نفسه كرئيس لجميع المصريين بداية من خطاباته التي يبدأها بـ "أهلي وعشيرتي" ! ثم صمته عن الإساءات وخطاب التكفير الذي تم بحضوره من قبل زعماء السلفية ...
-;- وأسباب أخرى تشير إلى أخونة الحياة العامة المصرية وتراجع الحريات وإن بشكل تدريجي ..

خروج المصريين في 30 يونيو , وإن لم يكن من أجل نزع الثقة عن رئيس الجمهورية , له قيمة معنوية تشير إلى قوة المعارضة وحيوية الثورة من أجل تعديل الميزان المنحرف ...

الانتخابات المبكرة كحقيقة من حقائق الديموقراطية شيء والقول بخطورة تطبيق هذه الحقيقة أو القاعدة على الحالة المصرية شيء آخر ..

فلا ينبغي أن يدفعك حب الإخوان أو توجهك الإسلامي إلى نفي حقيقة متعارف عليها في اللعبة الديموقراطية ..

بل عليك إثبات لماذا سيؤدي تطبيق هذه القاعدة على الحالة المصرية إلى فوضى ونزاع (غير ديموقراطي) لا تحمد عقباه , في الحياة السياسية المصرية .. خصوصاً إذا فشلت المعارضة أو قوى الثورة في تحقيق نسبة معارضة تفوق الستين في المائة .

ميزة الثورة المصرية أنها ما زالت طاهرة ولم تتنجس بعد بالغاز القطري والنفط السعودي .. والثائر طاهر حتى تثبت نجاسته بدعم سعودي قطري .
_____________
ما بين علامتي الاقتباس "" للصحفي المصري عمرو صلاح