قراءة في قصائد للشاعر عصام الديك

عمر عتيق
2013 / 6 / 28

قراءة في قصائد للشاعر عصام الديك
د. عمر عتيق
في قصيدة (كف الهوى) يرسم الشاعر لوحة وجدانية تنبض بالحلم المؤجل او الحلم منتظر ، وفي هذه اللوحة الوجدانية يثير الشاعر مسألة تمتزج فيها المشاعر الحالمة بمنظومة من القيم الذاتية وهذا التمازج بينهما هو الصراع الداخلي بعينه ...صراع بين قلب حالم وادع مرهف ومنظومة قيم تشد صاحبها إلى رصيف الواقع ، وهذا الصراع في حقيقته مؤلم ؛فكلما حلقنا بأجنحة خيالنا نحو ما يتمناه القلب وتسمو اليه النفس هبطت بنا منظومة من القيم إلى رصيف الواقع ...فلا نحن قادرون على التخلص من روعة الحلم ولا نحن قادرون على التخلي عن المنظومة الاجتماعية التي توجه سلوكنا ، لذلك لا غرابة أن نسمع الشاعر يقول :
أمشي إلى الدنيا كطفل وادع .. ويردني عنها العلى وحيائي
ويبدو الشاعر في بداية القصيدة شاكيا متعبا قلقا مضطربا إلى حد ما ، لكنه في خاتمة القصيدة يعيد ترتيب العلاقة بين الحلم والواقع فتنتصر منظومة القيم على روعة الحلم في قوله :
أنا يا فتاتي ما امتثلت لناصب .. شرك الهوى ووقفته بحبائي
وهذا النصر نوع من المكابرة والتعالي على الجراح ، أو هو شكل من أشكال التوازن بين رحيق الحلم ونزيف الواقع ، وهكذا نحن دائما نخلق من الوهم بلسما للجراح!
وتشكل قصيدة (لشهوة الورد) حالة وجدانية استثنائية تعتلي فيها الشهوةُ صهوةَ الحلم ونسمع فيها صهيل العشق ...صهيل لا يتسع له سطر ولا يحتويه حرف ..صهيل ينطلق من قوارير معتقة بالانتظار ، ولا يجد الشاعر ملاذا يعبر عن رغبته ويحتمل طوفان قلبه إلا مظاهر الطبيعة التي يُلبسها وشاح حلمه ويدثرها بعباءة قلبه ...وهو ما تجلى في قوله :
لحلم بات في نظري
بقرب حبيبة مرت نسائمها
لشرفتها
لفرحتها
والقصيدة عطش قلب وظمأ انتظار لذلك اختار الشاعر الصورة الحسية الذوقية التي تتمثل ببصمة الفنجان التي تختزل بصمة العمر ان جاز التعبير .
وتبدو قصيدة(نبوءة) (بالبحر تكتب حلمها ) قوس قزح يصور اندماج الفرح بالحزن، فتبدو التموجات النفسية التي رافقت كتابة النص حالةَ من التوتر الحالم ، وهي حالة لا يكابدها إلا الشعراء الذين يجعلون من التوتر نسمة قلب ، ومن خشونة الحقيقة حرير حلم وهو ما يكشف عنه قول الشاعر :
بالبحر تكتبُ اسمها
والحزن بالفيض اتسق
وفي قصيدة (سجلت تاريخي ) برزت ظاهرتان في القصيدة ، الأولى التصوير الفني المتنامي وهي تقنية فنية لافتة تُسجل للشاعر ، فقد بدأ التصوير المتنامي بصورة مائية مهدت لسياق القصيدة عوامل النمو والخصوبة والارتواء النفسي كما في قوله :
كم كنت أشقيهـا إلـى لقيـاك آنستـي
وأمطر الأشـواق فـي إغداقهـا اللجـب
وبت أذكي الحـب لا ترسـو عواصفـه
أو تدفع الأمواج فعـل الصـد أو تهـب
فالمطر والإغداق واللجب والرسو والأمواج تشكل صورة مائية تعبر عن نشوة روح واهتزاز فرح وارتواء قلب . ثم تأتي صورة أخرى منسجمة مع الصورة السابقة في قوله :
وقـد نذرنـا البـذر لا تهفـو منابـتـه
في الأرض ما لم يروه من ثغرك الغـرب
وهذا التكامل والانسجام بين الصورتين يؤدي إلى تعميق المعنى وإثراء الإحساس لدى القارئ ؛ لأن التكامل والانسجام من عوامل تفاعل القارئ مع النص .
والظاهرة الثانية في القصيدة شيوع الحكمة على غرار الموروث الشعري ، والحكمة في القصيدة عصارة تجربة الشاعر الذي حرص على تسجيلها بلغة الناصح الأمين لغيره ، وفي الحقيقة هو نصح لذاته التي ينتابها حزن ماض وقلق حاضر وأمل مستقبل ، لهذا لا غرابة أن تكثر أساليب الإنشاء الطلبي في القصيدة كالأمر والنهي .
وفي قصيدة (سأكون وحدك) يشكل العنوان انزياحا أسلوبيا في عودة الضمير في (سأكون) إلى المتكلم الشاعر ، وعودة الضمير في (وحدك) إلى المخاطب ، واختلاف الضميرين في كلمتي العنوان يعني أن الشاعر والمخاطب روح واحدة وجسد واحد ، فالضميران المختلفان يجسدان حالة انصهار عشق وذوبان حلم في فنجان العمر .