وهج الحقيقة في كتاب ( هواجس أسير ) للكاتب الأسير كفاح طافش

عمر عتيق
2013 / 6 / 20

ليس من السهل تصنيفُ هذا الكتاب إلى جنس أدبي محدد ؛ فالكتاب قوس قزح يجمع في حناياه حزمة من الأجناس الأدبية والفكرية ، فهو يحوي المقالة والحكاية والقصيدة النثرية ، والسيرة الذاتية ، والمذكرات الشخصية والتأملات الفلسفية . ويثير هذا الحشد والتداخل إشكالية لدى كثير من النقاد الذين يتمسكون بوحدة الجنس الأدبي ، وقليل من النقاد – وأنا منهم - يؤيدون تداخل الأجناس الأدبية في النص الواحد على اعتبار أن النص الإبداعي هو أكبر من هوية الجنس الأدبي ؛ لأن الدفقات الوجدانية والإشراقات الفكرية والتأملات الفلسفية لا يمكن أن تخضع لمعيار الجنس الأدبي الواحد . ومن يزعم أن تداخل الأجناس الأدبية في نص واحد يعد خروجا على منظومة التأليف فليعد ألف عام للوراء ليقرأ فن المقامات في العصر العباسي .
إن تداخل الأجناس الأدبية في " هواجس أسير " يمنح الكاتب ثلاثة أوسمة ؛ الأول : وسام فني يتجلى في المستوبات الفنية والتقنيات الأسلوبية التي توسل بها الكاتب في المشاهد التصويرية التي ترتقي إلى قصائد نثرية بامتياز . والثاني : وسام تسجيلي يتمثل بمهارة الكاتب في وصف مشاهد مختارة من واقع الأسير في سجون الحتلال ، وهي مشاهد تُضاف إلى السجل الوصفي لأدب السجون . والثالث : وسام فكري فلسفي يتجسد بحرص الكاتب على إعادة صياغة منظومة القيم الاجتماعية والإنسانية في سياق حاجات الأسير الفطرية والغرائز الطبيعية . وأكاد أجزم أن الجنس الأدبي الواحد يعجز عن تحقيق هذه الأوسمة الثلاثة ؛ ولهذا فإن التداخل والتنوع في الكتاب ضرورة فنية وفكرية.
سيميائية الغلاف
يشكل غلاف الكتاب لوحة من ثلاثة أبعاد ؛ الأول بعد ثقافي موروث تمثله صورة السلاسل والقيود والصلب والموت( القبر) ، وهي صورة موروثة عن واقع السجن وما يتعرض له الاسير من صنوف التعذيب ، ويحرص بعضهم على المبالغة والتهويل في وصف أصناف التعذيب التي يواجهها الأسير حتى يغدو السجن في الذاكرة الجماعية جحيما لا يُطاق ، ومقبرة للأحياء. أما الكاتب فينفي هذا الموروث ، ويسعى إلى تخليص الذاكرة الجماعية من المبالغة والتهويل من خلال التأكيد على أن التعذيب النفسي أشد وطأة وألما من التعذيب الجسدي ؛ ولهذا اختارت إدارة سجون الاحتلال التعذيب النفسي وسيلة لاعتراف الأسير .والثاني : بعد فكري تجسده الشجرة الرامزة للانتماء الوطني والتماهي مع الارض . والثالث بعد نفسي وجداني في صورة البيوت والجبال والطيور المحلقة ، ويختزل هذا البعد حنينا وحرمانا من جهة وأملا ويقينا من جهة ثانية؛ حرمان من ماض تركه الأسير خلفه ، وحلم ويقين بالحرية والعودة .
ويبدو المستوى التصويري البصري للوحة الغلاف مكونا من ثلاثة مستويات ؛ مستوى قريب وهو السلاسل والقيود والصلب ، ويرمز للزمن الحاضر للأسير . ومستوى بعيد وهو البيت الذي تحلق فوقه الطيور ويرمز للحرية . ومستوى متوسط وهو الشجرة رمز الانتماء الفكري الوطني ، وقد جاءت صورة الشجرة في وسط الغلاف لتكون رابطا فكريا ووجدانيا بين معاناة الأسير وحريته .
"هاجس الهواجس " ..تمهيد وتوطئة
يستهل الكاتب بعنوان " هاجس الهواجس " الذي يعد توطئة وتمهيدا يهدف إلى تهيئة القارئ لرؤى فكرية خارجة عن المألوف ، رؤى تتجاوز النسيج الثقافي الشائع والمسلمات والثوابت المستمدة من الموروث الاجتماعي . " هاجس الهواجس " خطاب قبْلي يبشر بعاصفة فكرية تكسر نوافذ مغلقة على أحداث مسكوت عنها ، أو يتهامس بها بعضهم سرا .. فجاء كفاح طافش ليعلن عن المضمر ، ويظهر المخفي ، ويكشف المستور ، ويضع النقاط على حروف يظنها الآخرون حروفا محرمة .

التصوير في الأماكن الممنوعة!
يشبه الكاتبُ " عين كاميرا" تصور في الأماكن الممنوعة والمحرمة ؛ فيتحدث بإسهاب عن حاجة الأسير للمرأة ، وبخاصة من مضى على اعتقاله سنوات طويلة ، وهي حاجة طبيعية فطرية غرائزية ، وأن إغفال الحديث عنها في أدب السجون بحجة " العيب" يتنافى مع أبسط الحقائق الإنسانية ، وفي هذا السياق يفتح الكاتب ما يمكن تسميته " ملفات سرية للغاية " ، وبخاصة وقائع تشكل انحرافات أخلاقية سلوكية . كما يصف الكاتب بجرأة مشاعر الأسير تجاه مفاتن وأنوثة الشرطيات اللواتي يقمن بأعمال السجان، ويرصد أشكال التحرش اللفظي والجسدي بالشرطيات . ويصف الكاتب الاحتقان النفسي لدى بعض الأسرى حينما يشاهدون أفلاما ومسلسلات في التلفاز .
ويؤكد الكاتب أن الأسرى في السجون يشبهون تماما شرائح المجتمع خارج السجن ، وما يجري في تفاصيل الحياة يجري في السجن ، وبهذه المكاشفة يُلغي الكاتب الصورة النموذجية للأسرى ..تلك الصورة المستقرة في أذهان الناس بأن الأسرى جميعا يجسدون المثل العليا والسمو الروحي والنقاء الفكري ، ويحرص الكاتب على التأكيد بأن الانحراف السلوكي والفكري يقتصر على حالات ولا يشكل ظاهرة عامة .

تسود الروحُ الوطنية فضاء نصوص الكتاب ، ولم تبرز النزعة الحزبية ، كما يغلبُ البعد الإنساني على البعد الفردي الشخصي ؛ فحينما يصف معاناته الشخصية يحرص على إبراز محنة الإنسان ، وفي تصويره لميوله ونوازعه ينطلق من حاجات الإنسان الفطرية الطبيعية الغرائزية التي تعد شرطا لديمومة الحياة واستقامتها ، وهي حاجات لا تنفصل عن منظومة القيم التي سعى الكاتب إلى إعادة صياغتها وفق الفطرة الإنسانية بأسلوب المكاشفة والشفافية والصراحة المطلقة التي يعدها كثير من الناس " عيبا " أو حرجا اجتماعيا.
بطولة وتواضع
لم يسعَ الكاتب إلى رسم معالم بطولته والتغني بشجاعته والإشادة بصموده الأسطوري كنا جرت العادة في حديث بعض المعتقلين عن تجربتهم الاعتقالية ، بل حرص كفاح طافش على تصوير خوفه في ليلة الاعتقال ، وتوتره في الزنزانة ، وغربته ووحدته في السجن . وتصوير خوفه وتوتره وغربته يجعله بطلا بامتياز ؛ لأن بطولته تتشكل من صدقه وصراحته وقدرته على مواجهة الموروث الثقافي المليء بالشوائب والمتناقضات ..هي بطولة كلمة ، وشجاعة موقف ، وإصرار على إسقاط الأقنعة عن منظومة قيم موروثة.
كفاح طافش و ... " جان جاك روسو"
تمتزج السيرة الذاتية بالمذكرات في حنايا الكتاب ، واتسم حديث الكاتب بالصراحة والمكاشفة والشفافية ، وارى أن اعترافات كفاح طافش تشبه إلى حد كبير صراحة " جان جاك روسو " في كتابه " اعترافات " . وأدب السجون حافل بالسير الذاتية والاعترافات ولكنه يكاد يخلو من الصراحة والجرأة والمكاشفة.ولا يخفى أن إظهار نقاط الضعف في التجربة الاعتقالية يجسد ثقة الكاتب بنفسه ، ووضوح فهمه لواقعه .
الموروث الثقافي للكاتب
تتجلى ثقافة الكاتب من خلال توظيف الاقتباسات المباشرة ، وامتصاص الدلالات حينا آخر ، وهذه ظاهرة تؤكد على سعة اطلاع الكاتب على مشارب ثقافية توزعت على الأدب والفكر الفلسفي والأساطير ، ففي غير موضع من الكتاب تتجلى نصوص حرفية ومعنوية لشعراء أمثال ناظم حكمت ومظفر النواب والمتنبي وقيس بن الملوح وتميم البرغوثي ، ونصوص لكتاب ومفكرين نحو غسان كنفاني . واللافت أن استدعاء النصوص جاء مندغما مع البعد الفكري والفضاء النفسي للمضمون .
النسيج اللغوي
جاءت لغة الكاتب مفعمة بالتوتر ؛ لأن اللغة بنت البيئة المادية والحالة النفسية للكاتب ، لذلك اتسمت الصياغة اللغوية بالانفعال ، وكثرتْ الألفاظ الدالة على الرفض والتمرد والعنفوان بما ينسجم مع الفضاء النفسي للسجين . وفي مواضع كثيرة تجلت اللغة الشعرية التي شكلت قصائد نثرية في صفحات كثيرة ، وهذا يعني أن الكتابة ترتبط بتموجات نفسية ولا تسير على وتيرة واحدة ؛ لأن الفضاء النفسي للأسير دائم التغير والتشكل من أطياف نفسية ؛ قهر من واقع حاضر ، وحنين لماض بعيد ، وحلم بمستقبل آت .
التقنيات الأسلوبية
يحرص الكاتب على أسلوب التهيئة في الاستهلال بهدف تهيئة القارئ لما هو قادم ، فلا يهجم على سرد الحدث بل يسهب بتأملات فلسفية كونية ، أو إشراقات روحانية .
من التقنيات الأسلوبية التي ضاعفت يقظة المتلقي للمضامين الفكرية والأبعاد النفسية التنوعُ في استخدام الضمائر التي تتوزع على المتكلم ( الكاتب) والمخاطب والغائب ، وقد برز ضمير المتكلم في سياق استرجاع أحداث وقعت خارج فضاء السجن ، أو وقائع حدثت في السجن شكلت مفاصل رئيسة لتجربته الاعتقالية . وبرز ضمير المخاطب في حوار الكاتب مع القارئ بهدف إقناع القارئ برؤية فكرية خارجة عن الموروث الثقافي ، إذ يهدف ضمير المخاطب إلى تحويل القارئ من متلق إلى مشارك في صياغة الرؤية الفكرية . وبرز ضمير الغائب في سياق استدعاء حدث يرتبط بسلوك شخصية مؤثرة في إعادة صياغة منظومة المفاهيم والقيم .
البعد الثقافي للألوان
يعرض الكاتب لعلاقة الألوان بالنسيج الثقافي ؛ فحينما كان يلبس اللون البني خارج السجن كان يشعر أن اللون البني ينسجم مع الأرض ويتماهى مع لون التراب ؛ لأنه يجسد الارتباط بالأرض والانتماء إليها . وحينما أصبح اللون البني مفروضا على الأسرى في السجن تحولت العلاقة مع اللون إلى عداء وكراهية لسببين ؛ الأول :إننا نعشق الألوان حينما نختارها بإرادتنا ، وتنسجم مع مشاعرنا وطقوسنا ورموزنا الفكرية ، ونكره الألوان نفسها حينما تُفرض علينا . الثاني : إن ديمومة ملازمتنا للأشياء والألوان والأصوات تخلق حالة من الملل والضجر والكراهية ؛ فاستمرار لون واحد في حياتنا يتنافى مع قانون التنوع في الطبيعة .
وعلى الرغم من كراهية الأسير للون البني المفروض فإن قرار إدارة السجون تغيير اللون البني إلى لون برتقالي واجه معرضة حادة من قبل الأسرى بسبب ارتباط اللون البرتقالي بمفهوم الإرهاب في الخطاب الإعلامي السياسي ، وبخاص بعد أن فرضت أمريكيا اللون البرتقالي على أسرى " غوانتانامو" ، وبهذا يكون اللون قد تحول إلى خطاب سياسي يقتضي موقفا فكريا