لمسات فنية في قصائد للشاعر جميل رفيق

عمر عتيق
2013 / 6 / 19

لمسات فنية في قصائد للشاعر جميل رفيق
د. عمر عتيق
أول السمات الفنية اللافتة في قصيدة ( ثلاث وردات ) تنوع إيقاع القافية التي جاءت موزعة على سبعة أصوات موسيقية ، وهذا شكل من أشكال التجديد في الشعر الحديث ، وهو ليس تجديدا شكليا بل تجديد ينسجم مع المناخ النفسي للقصيدة ، إذ إن عاطفة الشاعر في موزعة بين آلام السجن والشعور بالاحتقان والقهر من الاحتلال الذي سلبه حريته ودفء أسرته ... وأشواقه لبيته وبناته الوردات الثلاث ( ولاء ، سمية ، سوار ) ، فمن البدهي أن يختلف إيقاع قافية القصيدة ويتوزع على إيقاع مجهور ومهموس واحتكاكي وانفجاري ، وهذا أمر يستحق أن تُفرد له دراسة لبيان علاقة الإيقاع الصوتي بالعاطفة .
وفي القصيدة تناص قرآني جلي حينما يستدعي شاعرنا محنة سيدنا يوسف وهو في غياهب الجب في قوله :( ملقى بقاع البئر تنتظر القوافل يا أبي) ، واختيار هذا المشهد من قصة يوسف المطوله له بعده العقائدي ، فكما يسر الله جل وعلا قافلة أنقذت يوسف من ظلمة البئر كذلك يمتلأ وجدان الشاعر إيمانا ويقينا بأن مشيئة الله أقوى من غطرسة السجان ، وأن باب السجن سيفتح قريبا ... لذلك استدعى في القصيدة نفسها مشهد عودة يوسف إلى أبيه الذي ابيضت عيناه حزنا على غياب يوسف في قوله : (أبتاه هذا الليل يطوينا ونجلس في سكون/ وعيوننا تبيض من حزن عليك .... وصامتون). وتكثر في حنايا القصيدة الرموز ذات الأقنعة الشفافة التي لا تخفى على الذائقة الشعرية ، نحو العقارب والأفاعي والغربان والليل والموج في قوله :
الليل يا أبتاه تملأه الأفاعي والعقارب

ونسير في بحر عميق لا نرى في الأفق قارب

والموج يضربنا ويهجم صاخبا من كل جانب
وينبغي أن يكون الرمز في الشعر شفافا مفهوما ولا أعني أن يكون مسطحا ، بل أقصد أن يتبادر معناه إلى الأذهان بعد تأمل وتخيل .... ومن المفيد أن أشير في هذه العجالة إلى إشكالية الإغراق في الرمز لدى كثير من الشعراء وبعضهم من أقطاب الشعر الذين تبدو قصائدهم طلاسم لا يتفاعل معها إلا القارئ المتخصص . أما رموز شاعرنا جميل رفيق فهي ذات فضاءات دلالية واسعة ومكثفة وفي الوقت نفسه ميسرة .
وفي قصيدة (ليلة بدر) يقيم الشاعر حوارا بين أشواقه والقمر، والحقيقة أن الحوار بين الشاعر والمحبوبة التي أخفاها الشاعر قصدا بين ظلال القمر وهالته . ويحرص الشاعر على تهيئة القارئ على متابعة الحوار من خلال استحضار أقطاب الغزل بفرعيه الحسي ( عمر بن أبي ربيعة ) والعذري ( جميل بثينة ، وفي هذين النوعين تكمن ماهية الأشواق ؛ إذ إن الشوق والحنين لا يقتصر على جوانب نفسية وجدانية بل يضم في خلجات الشعور شوقا حسيا ، فلا انفصام بين إشراقات الروح ، ومفاتن الجسد . والبدر أو القمر في القصيدة يشكل معادلا موضوعيا أو أفقا يحلق فيه الشاعر خلاصا من ظلمة السجن وألم القيد ، فالبدر من جهة رسول القلب وفضاء الحلم والشوق ، ومن جهة أخرى فضاء حرية وانعتاق وتحرر. ولي ملاحظتان لغويتان ( وان كان يحق للشاعر ما لا يحق لغيره ) فالناقد له بعض الحق ... فتصغير القمر لا ينسجم مع سياق الغزل والأشواق إلا إذا كان الشاعر يحس بضيق من القمر ... وهذا المعنى غير مقصود في القصيدة .. وربما كان التصغير ضرورة وزن ، والملاحظة الثانية : قل يل عزيزي ( وحدك ) وليس لوحدك .
وفي القصيدة الثالثة (تمرد) يحرص شاعرنا على نفض غبار الهزيمة ويدعو إلى توقد الإرادة وشحذ العزيمة ، فلغة القصيدة تتجاوز الحث والنصيحة والتوجيه والإرشاد إلى لغة متوترة متوهجة تتناسب مع جلال الموقف وعظمة الغاية وسمو الهدف ، لهذا تكررت أفعال الأمر وبخاصة فعل الأمر (تمرد) تأكيدا على ما تقدم . ولا يكتفي الشاعر بأساليب الحث والتحريض فيضيف حزمة من المعاني التي لا يقل أثرها عن أفعال الأمر فيذكر المخاطب بأنه ابن (حي على الفلاح) ، وأنه عزيز بالإسلام ...وهذه السجايا تقتضي من المتلقي أن يتحمل واجباته ومسؤولياته ، فهي من جهة إشادة بالفلسطيني الذي ينبغي أن يؤدي الاستحقاقات العقائدية والوطنية ومن جهة أخرى عتاب مضمر لكل من تخلى عن واجباته . ويعمد الشاعر لتحقيق ما تقدم إلى استدعاء كوكبة من المواقف والمعارك التاريخية التي حققت الانتصارات وأعادت للأمة عزتها وعنفوانها فيستدعي اليرموك والقادسية وحطين ، ويستحضر جهاد القسام .وتستمر القصيدة على هذا النفس الثوري .
وفي القصيدة الأخيرة (صرخات في مسامع سجين) يعمد الشاعر إلى تقسيم القصيدة إلى أربعة لوحات فنية نفسية دلالية فيبدأ بصرخة النفس وكأن الصرخة خطاب من الشاعر المرسل ، ثم تأتي الصرخة الثانية من أقرب الناس إلى وجدانه وهي صرخة رفيق الدرب ، فالعلاقة بين المشهدين أو الصرختين علاقة بين المرسل والمرسل إليه ، ثم يستأنف الشاعر صرخاته فيبوح بصرخة الأبناء الذين يعدون حلقة الوصل بين المرسل والمرسل إليه ، وهو نبض الواقع المثقل بالألم ونبض الحلم بغد واعد .. وتنتهي القصيدة بصرخة النفس وكأن القصيدة عودة على بدء على اعتبار أن الشاعر ما زال قابعا في أغلال أسره . إن هذا التقسيم الفني النفسي يعد تجديدا في البناء الهيكلي للقصيدة المعاصرة وفتحا لافتنا في البنية الفنية للقصيدة .