الاستبداد الرمزي ومولد سوسيولوغ عراقي جديد

حكمت الحاج
2013 / 5 / 29

صدر ضمن السلسلة الفكرية وعن منشورات "مومنت كتب رقمية" في لندن، وبطبعة ورقية وإلكترونية، كتاب جديد للدكتور شاكر شاهين عالم الاجتماع العراقي الشاب والأستاذ في الجامعة المستنصرية ببغداد، بعنوان "الاستبداد الرمزي: الدين والدولة في التأويل السيميائي" بواقع ست وخمسين ومائة صفحة من القطع الكبير، يتناول الظواهر الاجتماعية الأهم في العراق ما بعد 2003 من استبداد وتسلط وعنف وطائفية وحروب رمزية علاماتية، خفية حينا وجلية أحيانا أخرى، بمنهجية علمية معاصرة تنهل من بيير بورديو ورولان بارت وغيرهما من علماء الاجتماع المعاصرين والمختصين في علم العلامات المعاصر، لكنها تتلفع برداء أسلوب العلامة العراقي وعالم الاجتماع الرائد د. على الوردي وقربه من الناس ومن هنا أدعو لتسمية هذا السوسيولوغ العراقي الشاب بخليفة علي الوردي.
ويمكن اعتبار هذا الكتاب من أهم وأخطر الأبحاث التي صدرت في الفترة الأخيرة وتتناول الشأن العراقي وتداعياته الداخلية والإقليمية وتأثره بمجرى الأحداث الدولية التي عصفت بالمنطقة والعالم لكن منظورا اليه دائما وابدأ من مقاربة سوسيوسيميلوجية في خلطة سحرية من علم الاجتماع وعلم العلامة والأنثروبولوجيا المعاصرة.
الاستبداد في القاموس العربسلامي يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه. هذا هو معنى الاستبداد عندما يقرن بـ"العدل" الذي يفقد فعاليته مع العجز عن تطبيقه. أما الاستبداد من دون عدل فهو "الطغيان".
يعرف لسان العرب "الاستبداد" بالتالي: "استبد بفلان، أي انفرد به دون غيره." أما قاموس "المنجد" فيعرف كلمة "استبد": "حكم بأمره، تصرف بصورة مطلقة، غير قابل الاعتراض". كما يعرف نفس المعجم كلمة "استبداد": "تعسف، تسلط، تحكم." ويورد المعنى الثاني: "ظلم، فرض الإرادة من دون مبرر". أما الموسوعة السياسية لعبد الوهاب الكيالي، فتورد تعريف "استبداد": "حكم أو نظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة". وتضيف نفس الموسوعة تعريفا للشيخ محمد عبده لنفس الكلمة: "المستبد عرفا من يفعل ما يشاء غير مسؤول ويحكم بما يقضي به هواه".
أما في التعريف الغربي فكلمة المستبد (despot) والاستبداد (despotism) مشتقتان من الكلمة اليونانية "ديسبوتيس" التي تعني رب الأسرة، أو سيد المنزل. وتطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه مماثلة لسلطة الأب على أبنائه. وهنا يصبح المعنى انفراد فرد أو مجموعة من الأفراد بالحكم أو السلطة المطلقة دون الخضوع لقانون أو قاعدة. دون النظر إلى رأي المحكومين. وهذه السلطة المستبدة التي يتأثر بها الفرد أو بعض الأفراد هي تلك التي تمارس الحكم دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون الذي يمارسه سلطانه فقط على الشعب.
يطرح الكتاب فكرة جديدة عن الاستبداد لا تنحصر في شكله الواقعي الملموس بل تتعداه إلى صيغة رمزية غير مرئية تستغل العلامات لتباشر عنفاً على الإنسان بدون أن يعي ذلك. لا يشمل الاستبداد الرمزي تلك الصور والشعارات التي يؤدلجها الزعيم لتقييد رعاياه كما كان الأمر في نظام صدام حسين وغيره من الأنظمة العربية بل إن الأمر يتجاوز السلطة السياسية إلى سلطة الجماعة عندما تقوم بنشر علاماتها: صور، أيقونات، خطب دينية، الخ، تلك المعبرة عن هويتها الثقافية بشكل يستبد بغيرها من الجماعات. هنا تبرز أهمية المكان بالنسبة للهويات المتصارعة خصوصاً عندما تتحول الجماعة المهمشة إلى مجتمع حاكم أو سائد يملك مقاليد السلطة. عندئذٍ تصبح الطائفة متفوقة على الدين والهوية المذهبية أقوى من الهوية الوطنية. يقول المؤلف في كتابه إن الجميع يتأثر بمنطق علم الكلام الكلاسيكي الذي أورث صراعاً لن يزول حول السلطة ومن هو أحق بالحكم. واستعمال العلامة بشتى صورها في الصراع من اجل السلطة هو استعمال أيديولوجي يخضع في المآل الأخير إلى سلطة الجماعة على الفرد ومدى طواعيته لطريقة تفكيرها التي يتسلط عليها ارث الماضي في الأسطورة والتاريخ. برز ذلك جلياً بعد أحداث التغيير في العراق عندما تم وصف الشيعة بأنهم روافض وعلقميين مقابل وصف السنّة بالنواصب والوهابية. وهي صور نمطية تحولت إلى وصمة وحديث متواصل على وسائل الإعلام لكونها مقولة تاريخية اتخذت مكانها كجزء بنيوي من النسق الفكري لعلم الكلام في نزاع الطائفتين القديم على السلطة – الإمامة، حسب ما يقول المؤلف في كتابه المهم هذا.
يتألف الكتاب من قسمين وملحقين. القسم الأول حول السلطة الرمزية ومن فصوله الزعامة والزعيم السؤدد العربي المرجعية الشيعية والمصير العمامة والنسب النبوي الأنساق الشيعية أما القسم الثاني فمخصص لمبحث الاستبداد الرمزي ومن فصوله الطاغية في الصورة العلامة بين التمثيل والتأويل صدام ضاحكاً الفحولة العربية والأسرة. وثمة ملحق عن تأويل التأويل وآخر عن المسيحيين والحضارة الإسلامية.
والمؤلف د. شاكر شاهين سوسيولوغ عراقي شاب من مواليد بغداد 1971 وهو أستاذ علم الاجتماع بالجامعة المستنصرية صدر له كتاب: العقل في المجتمع العراقي بيروت 2010 ونشر العديد من الأبحاث الاجتماعية في العديد من المجلات العراقية وشارك في عديد المؤتمرات في مجال البحث الاجتماعي ويشرف حالياً على تحرير كتاب: نقد الخطاب الثقافي العراقي (مجموعة مؤلفين) أما كتابه القادم فسيحمل عنوانا لافتا وهو أنثروبولوجيا التشيع.