متى ننصف نساءنا... وأسرنا؟!... قانون الجنسية هل سيعود إلى طاولة النقاش مجدداً؟

علاء جوزيف أوسي
2013 / 5 / 14

أربعة وأربعون عاماً عمر قانون الجنسية السوري الذي يحرم المرأة السورية المتزوجة من أجنبي من منح جنسيتها لأولادها، ففي مادته الثالثة الفقرة (ا) يحصر حق منح الجنسية السورية حكماً بالميلاد بمن ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري، دون إعطاء هذا الحق للمرأة لأسباب لا توضحها الحكومة، على خلاف أخذ الأجنبية للجنسية العربية السورية بمجرد زواجها من سوري. فالأجنبي يخضع للمادة الرابعة من المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969م ويخضع العربي للمادة 16 من المرسوم نفسه، واللتين يتفق فيهما شرط أساسي هو كمال الأهلية والخلو من الأمراض السارية والعاهات، ما يعني حرمان الأطفال والمرضى والمعاقين ولو بطريقة التجنيس العادي!

هذا القانون الذي انعكس سلباً على حياة الكثيرات من النساء السوريات وأطفالهن، والذين يضطرون إلى تجديد الإقامة كل عام، وإلا تعرَّضوا للمساءلة القانونية بمجرد التأخر البسيط. ويكتب على الإقامة بالخط العريض: (لايسمح بمزاولة العمل)، إلا في حال حيازة الأجنبي على بطاقة عمل، تكلّف مبالغ كبيرة وتسمح له بالعمل في حال حصوله على فرصة العمل وعدم اتهامه بمزاحمة العمالة المحلية. ولهذا السبب يضطر معظم أولاد الأم السورية المقيمين في سورية إلى مزاولة أعمال حرة. والأنكى من ذلك أنه لا يحق له أن يشتري عقاراً أو يستأجره، مما يضطره للعمل أجيراً عند الآخرين ودون أدنى أمان كالتأمينات أو العقود، كما لا يستطيع الزواج لأنه لا يملك هوية أو جواز سفر أو أي إثبات لشخصيته في أحيان كثيرة!

فبات الأمر وكأنه أحد أشكال العنف النفسي والتمييز الممارس ضد المرأة، وبات ينظر إليهن على أنهن متزوجات من أجانب، فلا يحق لهن منح جنسيتهن لأطفالهن، على الرغم من كل التصريحات التي تأتي من كل حدب وصوب، والتي تؤيّد أنَّ المرأة هي أساس المجتمع مادامت هي التي تربي وتنجب.

ووفقاً لتقديرات (رابطة النساء السوريات)، بلغ عدد النساء السوريات المتزوجات من أجانب وعرب نحو مئة ألف امرأة؛ تجمعهن جميعاً معاناة قانون الجنسية، والتي تظهر في عدة أوجه وأشكال.

والرابطة جمعية أهلية تأسست منذ العام 2003 من أجل المطالبة بحق منح الأم السورية الجنسية لأبنائها، والعمل على تعديل جميع القوانين التمييزية ضدّها: كقانون الجنسية الذي لم يعطَ الأهمية التي يستحقها حتى الآن.



انعكاسات وتجليات

للوقوف على قانون الجنسية والخطوات التي قامت بها الرابطة في هذا المجال التقت (النور) المحامية لويزا عيسى، عضوة رابطة النساء السوريات لحماية الأمومة والطفولة، وعضو لجنة المرأة السورية في نقابة المحامين؛ فقالت: (إلى الآن لم ينتج عن محاولاتنا الدائمة أية نتيجة رسمية، ولكننا مصرون ومستمرون للمطالبة بتعديل قانون الجنسية حتى تتحقق المساواة الكاملة للمرأة السورية مع أخيها الرجل، كما ورد في دستور الجمهورية العربية السورية، الذي صدر في 27 شباط 2012 والذي نص في الفقرة الثالثة من المادة 33: (المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة). والقانون ينظم علاقة الفرد بوطنه ودولته، وهذا الفرد هو امرأة ورجل، ولا يوجد تمييز لا بالأديان ولا بالقوانين، وإذا وجدت بعض القوانين التي مازالت تميز إلا أنها توصف بالمتخلفة.

وبينت أنه عاش في سورية في السنوات الطويلة التي لم يعدل خلالها قانون الجنسية أجيال كثيرة، والنساء يتعرضن للانتقاص من مساواتهن ومن شخصيتهن. وعلى الرغم من ذلك استمرت المرأة بالعمل والعطاء والتحمل بكل المقاييس وعلى جميع المستويات، وأثبتت مقدرتها ومارست كل الوظائف وحصلت على أعلى الشهادات. لذلك لم يعد أي فرق موجب ليكون بين المرأة والرجل في سورية، وبالأخص أن يكون ذلك من ناحية الحقوق القانونية، لعدم جواز التمييز بين مواطن وآخر وفق القانون، مما يستوجب تعديل قانون الجنسية.

وقالت عن إحدى الجلسات التي أقامتها الرابطة وسمعت خلالها شهادات من أمهات وأولادهن أبكت الموجودات حزناً للمعاناة الكبيرة التي يعشنها والمعوقات المهولة التي تكتنف طريقهن: المئات من خريجي الجامعات من أم سورية وأب غير سوري لا يجدون فرصة عمل، لأن الوظيفة بالدولة تتطلب أن يكون سورياً منذ أكثر من خمس سنوات، وإذا تمكن من الظفر بعمل حر فلا يوجد له من الضمانات أو عقود العمل ما يكفل حصوله على حقوقه، مع العلم بأنَّ حقّ الجنسية حق أساسي، وهو الرديف الأقوى لأيّ راغب في الحصول عليها من الذين تزوّجت أمهاتهم من غير السوريين. فالمرأة تبقى سوريّة بغض النظر عن جنسية زوجها.

فإحدى اللواتي قدمن شهادتهن واحدة تابعت بعد الشهادة الإعدادية دراستها في مدرسة التمريض، فكانت تدفع في سنوات الدراسة أجراً لأنه يترتب عليها سنوات خدمة للدولة بعد انتهاء الدراسة، ولكنها عند تخرجها لم توظف بحجة أنها غير سورية. وبعد فترة طالبتها الدولة بالنفقات التي دفعتها، ولكن من أين تدفع إذا لم يكن بحوزتها أي شيء والدولة تريد استرداد ما أنفقت عليها خلال الدراسة؟!

حالات كثيرة وكل واحدة منها تخفي في جعبتها كثيراً من الألم لما عانته في ظل قانون لم ينصفها، وحياة يصفها البعض بأنها جارت عليهن. وخاصة أن الكثيرين من أطفال السوريات المتزوجات في غير سوري لا يحملون جنسية لأسباب كثيرة.

وأشارت عضوة رابطة النساء السوريات أنه لا يوجد بلد في العالم إلا وتتزوج نساؤه من رجال دول أخرى، ولكن لا ينتقص حقهن، بل بالعكس تمنح جنسيتها لزوجها ولأبنائها، ولكن عندنا تدفع الأم وأطفالها ضريبة ذلك.



حجج واهية

وعن أسباب عدم تعديل قانون الجنسية حتى اليوم بينت المحامية عيسى أنه يعود لعدم قناعة المسؤولين بأهميته، وأن المرأة تستحق هذا التعديل لأنه لا يطول إلا المرأة. فالحق يمنح المرأة حق إعطاء جنسيتها لأولادها من زوجها غير السوري، ولم يبقَ إلا القليل من الدول التي لم تعدله. فالمجموعة العربية الإقليمية عدلته بمجملها، وأعطت المرأة حق منح جنسيتها لأولادها من زوجها الأجنبي، فعُدّل في مصر عام ،2004 والجزائر عام ،2005 والمغرب ،2007 واليمن ،2009 وقالت: (كل دول العالم المدنية لا تمييز بين الرجل والمرأة لأن الجنسية لا علاقة لها لا بالدين ولا الجنس، بل هي علاقة سياسية بين المواطن ووطنه، ولها قانون خاص ينظمها، ويمكن تعديله عندما يستدعي أي موجب ذلك).

فلا يوجد دولة في العالم تضم جنسية واحدة وطائفة واحدة ودين واحد؛ فالعالم مختلط ومتداخل فيما بينه، وأمسى (قرية صغيرة). ولكن لماذا يمنع القانون السوري حق مساواة المرأة بالرجل، علماً أنها مساوية له في جميع المجالات: في العمل والعلم والتربية وكل شيء، إلا في منح الجنسية التي ستبقى عقدة وانتقاصاً من حقها.

وبالنسبة للإخوة الفلسطينيين أكدت أنه لا يتعارض مع حق العودة، فهم يحتفظون بجنسيتهم الفلسطينية التي (ندعمهم فيها إلى أبعد الحدود).

وقالت: (إن الحجج بكاملها لا ترقى لأن يمنع هذا الحق عن المرأة السورية).



خطوات ولكن..!

نص الدستور الجديد في المادة 154 على ضرورة تعديله خلال ثلاث سنوات ميلادية، وإن لم يتم التعديل فهذا يعني أن القانون غير دستوري، وهو الأمر الذي يخولنا ألا نعمل به. وذلك على خلاف ما نصت عليه المادة 153 من الدستور السابق بحيث تبقى التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تُعدّل بما يوافق أحكامها، وهو أمر أعطى التشريعات صلاحية غير منتهية.

ومعنى ذلك أن حصول المرأة السورية على هذا الحق الذي تطالب به، والحملة التي بدأتها رابطة النساء السوريات من العام 2003 ومازالت مستمرة حتى اليوم، وأقيم خلال هذه السنوات العديد من النشاطات والدراسات حول الأمهات السوريات المتزوجات من غير سوري ووضع أولادهن والصعوبات التي يعانينها. كذلك نُظّم العديد من الفعاليات وعلى جميع المستويات الاجتماعية والثقافية من أجل المطالبة بإلغاء التمييز ضد المرأة، وتوصلت إلى أعداد كبيرة من أعضاء مجلس الشعب ووقع على المشروع النصاب القانوني الذي يخول طرحه ضمن الجلسة، لكنهم لم يتمكنوا من تقديمه ولم يعرض على المجلس.

إضافة إلى تقديمنا أكثر من مشروع مرسوم مع كامل الحيثيات إلى أعلى مستوى من المسؤولين. ومن ذلك الكتاب الذي رفعته الرابطة إلى السيد رئيس الجمهورية بتاريخ 16/5/2006 المرفق بعريضة وقع عليها الآلاف من المواطنين يطالبون بالتعديل، وحتى إن وزارة العدل في ردها على المعروض التي قدمته الرابطة كتبت بتاريخ 17/6/2006: (لذلك نرى أنه لابد من تعديل قانون الجنسية وفق ما ورد في المعروض المقدم من رابطة النساء السوريات).

حتى إنه تشكل خلال السنوات الماضية العديد من اللجان، منها اللجنة التي شكلت بقرار الحكومة رقم 9660 تاريخ 10/7/2011. ولكنها لم تقدم أي شيء. فالعديد من اللجان أنشئت لهذه المهمة، ولكن القانون بقي على حاله، ولم نشهد أي مسعى جدي لتعديله. ونأمل أن تتمكن اللجنة التي شكلتها وزارة العدل مؤخراً من مراجعة النصوص القانونية النافذة، وتحديد ما يتضمن منها تمييزاً ضد المرأة وتقديم التوصيات بشأنها أو بشأن العنف الأسري ضد النساء والأطفال للعمل على إلغائها أو تعديلها بما ينسجم مع أحكام الدستور وتحقيق المساواة والمواطنة الكاملة بين المرأة والرجل.



حق دستوري

شددت المحامية عيسى على ضرورة تعديل قانون الجنسية لتحصل المرأة السورية على هذا الحق، فلا يجوز أن يكون لأولاد المرأة السورية التي تزوجت من غير سوري الحق بأن يتقدموا للجنسية وخلافه، لأنه بذلك تكون حالة مشكوكاً فيها. وقد لا يحصل جزء كبير منهم عليها، وإنما عندما يكون حقاً قانونياً للمرأة مثل الرجل: (يحق لمن ولد في القطر من أب أو أم سورية أن يتمتع بالجنسية العربية السورية)، وهو ما يجب أن ينص عليه في الدستور، كما أنه يحق لأي ولد يولد لأب سوري أينما كان بغض النظر عن وضع أمه من الحصول على الجنسية السورية، فلماذا لا يحق للمرأة السورية التي ستتزوج من غير سوري أن تمنح أطفالها هذا الحق، الذي يجب أن يصبح قانونياً وأن تمنح المرأة السورية جنسيتها لأطفالها، وخاصة أن القانون السوري لا يمنع ازدواجية الجنسية.

وفيما يتعلق بالحالات الشاذة فتدرس بشكل منفرد. ولكن الحق في القانون يجب أن يكون واضحاً وجلياً ويطبق على المرأة كما الرجل. وهنا نكون قد أنصفنا المرأة والأطفال الذين لا ذنب لهم، كما لا يجوز أن نحرمهم حقاً ونعطيه لغيرهم فهو أمر لا يجوز أبداً.

ختاماً إن قانون الجنسية، كأيّ قانون آخر، يحتاج إلى تعديل مع تطور الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، إلا أنه مرتبط بسياسة الدولة. على الرغم مما يترتب عليه من نتائج وعواقب اجتماعية حياتية بحتة. ولكن تعديله اليوم أضحى أمراً ضرورياً، بحيث يمنح حق المواطنة لكل طفل ولدَ من أم وأب سوري، فهو مطلب ملح رغم كل المماطلة في إصداره، خاصة أن الحق أصبح دستورياً، وتعديله دستوري، إلا إذا كان البعض ينادي بتحرير المرأة وتمكينها من جهة، ويعمل جاهداً على تكبيلها من جهة أخرى..!