إعادة هندسة الدعم.. خط أحمر!

علاء جوزيف أوسي
2013 / 4 / 29

تناقلت العديد من وسائل الإعلام في الأيام الماضية أن الحكومة السورية تعتزم رفع الدعم عن المشتقات النفطية من المازوت والغاز المنزلي والبنزين والفيول والكهرباء والاتصالات إضافة إلى تعديل أسعار المواد التموينية من السكر والرز اللتين يتم بيعها باستخدام البطاقات التموينية، وصولاً إلى تحرير أسعارهم بشكل كامل، وذلك وفق دراسة أعدتها «هيئة التخطيط والتعاون الدولي» والتي تضمنت مقترحاً حول الوفر الناجم من تعديل الأسعار؛ مقابل تقديم دعم نقدي مباشر للمواطنين نتيجة الارتفاع الذي ستشهده أسعار هذه السلع حال تطبيق القرار، في خطوة تسعى للتخلص من أعباء هذا الدعم، في وقت أظهرت فيه الموازنة العامة للعام 2013 استمرار الحكومة في دعم المشتقات النفطية، على الرغم من زيادة الإنفاق في شكل يفوق معدلات نمو الموارد العامة، وتراجع موارد تمويل عجز الموازنة من مصادر محلية آمنة وغير تضخمية في ظل أزمة سياسية نهشت قواعد الاقتصاد الوطني وأدت لانخفاض معدلات نموه، في كنف هيكلية اقتصادية ريعية هشة، عمل على تعزيزها منذ بداية الألفية الحالية مهندسو التحول الاقتصادي.
وقدمت الهيئة دراسة متكاملة لموضوع رفع أسعار السلع المدعومة والتعويضات المقترحة بما فيها زيادة الرواتب، حيث اعتمد مقترحها أسعار المشتقات النفطية في لبنان حالياً، في حين اعتمد وسطي كلفة إنتاج الكيلو واط ساعي من الكهرباء لعام 2012، ومقترحين اثنين لسعر السكر والأرز 25 و50 ل.س للكيلوغرام الواحد من المادتين.
ووفقاً لهذا المقترح تترافق عملية تعديل الأسعار مع عملية تعويض مناسب تغطي الأثر الناجم عن العملية على الشريحة الأقل إنفاقاً، وبحيث يبلغ 76000ل.س سنوياً للأسرة في حال جرى تحريك سعر كيلوغرام السكر والأرز إلى 25 ل.س؛ أو 78500ل.س في حال جرى تحريك سعر كيلوغرام السكر والأرز إلى 50 ل.س.
كما يمنح القطاع الزراعي وفق الدراسة تعويضاً يعادل 50% من الأثر الناجم عن العملية على هذا القطاع، ويشكل هذا المبلغ الجزء الذي تقدم الدولة له دعماً مباشراً من خلال صندوق دعم الإنتاج الزراعي، أما الجزء المتبقي فنعتقد أنه يستطيع زيادة أسعاره بما يتوافق مع ارتفاع كلف الإنتاج، وذلك يمثل الحالة العامة بالنسبة لبقية القطاعات الاقتصادية.
يستند مقترح إعادة هيكلة التعرفة في قطاع الكهرباء، والذي يمكن من خلاله تحقيق عدة أغراض دون استخدام التعويض النقدي، وذلك تخفيفاً للكلف، باستخدام الآلية المطبقة حالياً مع بعض التعديلات.
يتجاوز حجم الوفر الناجم عن هذه العملية نحو 914 مليار ل.س يتم توزيع نحو 425 ملياراً وفق هذا المقترح ويبقى نحو 490 مليار ليرة تستخدم لتغطية جزء من عجز الموازن العامة للدولة من خلال تغطية الإنفاق العام بشقيه الجاري والاستثماري.

هندسة الدعم:
إذا كانت الحكومة ستدعم المواطنين بمبلغ 76000 أو 78500ليرة وهو ما يعادل نسبة زيادة الأسعار، ولكن من الذي سيعوضهم على انعكاس تلك الزيادة على بقية السلع والخدمات، فمثلاً زيادة المازوت ستؤدي -كما جرت العادة- إلى ارتفاع أسعار كل شيء بما في ذلك النقل والذي ينعكس طرداً على بقية السلع، الأمر الذي يتطلب آلية مناسبة في التوزيع تلافياً لحدوث أي عملية تلاعب أو تسرب غير مرغوبة.
إن الطريقة التي ستتبعها الدولة في توزيع الدعم على المواطنين يجب أن تكفل تطبيق العدالة الاجتماعية والعدالة في توزيع الدخل بين المواطنين والتقليل من تفاوت الطبقات في المجتمع السوري عبر رفع الطبقة الفقيرة، لتصبح طبقة متوسطة من خلال هذه الطريقة وتخفيض الدعم عن الطبقة الغنية لأن الأساس بالدعم هو دعم المواطنين المحتاجين فعلاً.
ولكننا نتسائل عن هذه الطريقة العادلة التي تجري صياغتها ليصل الدعم لجميع المستحقين وليس موظفي الدولة فقط في ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة ومقبولة في حدودها الدنيا، فلو فرضنا أن الموظفين والمتقاعدين سيصلهم الدعم عن طريق مؤسساتهم مباشرة أو من خلال علاوة في الراتب كأحد الخيارات المطروحة حالياً، فما هو حال بقية المواطنين؟! فالدعم يجب أن يساعد المواطن ليبقى صامداً وتمكينه من الحصول على رغيف الخبز الذي نأمل ألا تطاله إعادة الهندسة العتيدة.
وهنا ندخل في جدل ومناقشات طويلة مثل من يستحق هذا الدعم المادي من المواطنين وما هو مقدار الدعم لكل أسرة وهل سيكون دعماً ثابتا أم متغيراً؛ وإذا تغير فما هي الفترة أو المدة التي يتغير خلالها الدعم صعوداً أم هبوطاً؟ وما هي الفئات التي سوف تستفيد من هذا الدعم الذي سيحصل عليه من يستحقه على هيئة مبالغ مالية؟
إن إصلاح نظام الدعم أمر ضروري لأي حكومة لكنه يتطلب رؤية واضحة وخطة محددة في إطار زمني معين لتقليل الدعم وأن تكون معلنة وتدريجية لتهيئة المجتمع، وأن يتم التخطيط للأمر بعناية حتى لا يؤدي رفع الدعم إلى التأثير على شرائح السكان الأضعف مع التركيز على وضع التدابير الكفيلة بمعالجة التبعات المتوقعة على هذه الفئة من المواطنين، بجانب تغيير الثقافة المجتمعية في التعويل الدائم على دعم الدولة وزياداتها في الرواتب، مع ضرورة تشجيع الإنتاجية عند الأفراد في الأعمال، ومكافأة المجدين والمجتهدين، وليس مساواتهم مع غيرهم نهاية كل عام في المؤسسات والأعمال.

موازنة 2013
لقد أدت الأزمة التي تعيشها سورية منذ أكثر من خمسة وعشرين شهراً إلى تضرر الفئات الهشة اجتماعياً واقتصادياً في البلاد وتوسع رقعتها بشكل كبير، وبالمقابل صعدت طبقة من الانتهازيين والمستفيدين مستغلة انحسار دور الدولة وسلطتها في بعض المناطق فابتلعوا الأخضر واليابس على حساب الكتلة الشعبية الكبرى المؤلفة من العمال والمزارعين الصغار وجميع العاملين بأجر الذين رزحوا تحت رحمة هؤلاء الطفيليين.
ولهذا فقد أتت الموازنة العامة للدولة تقشفية حسب وزير المالية حيث بلغ الحجم الإجمالي للموازنة 1383 مليار ليرة سورية وبنسبة زيادة بلغت 4.26% عن موازنة 2012، خصص منها مبلغ 1108 مليارات للإنفاق الجاري، والذي ضُمن جميع النفقات التي تتحملها الدولة، وبضمنها الدعم الحكومي للمشتقات النفطية، والطاقة الكهربائية، والسلع التموينية، وصندوق الإنتاج الزراعي وصندوق المعونة الاجتماعية، هذا الدعم الذي يظهر بالموازنة الحالية بقيمة 512 مليار ليرة سورية، مرتفعاً من 386 في موازنة عام 2012 وتوزع كما يلي:
أ - دعم المشتقات النفطية 147 ملياراً.
ب- دعم الطاقة الكهربائية 250 ملياراً.
ج- دعم الدقيق والسكر والرز 77 ملياراً.
د- دعم المعونة الاجتماعية 15 ملياراً.
ه - دعم الإنتاج الزراعي 10 مليارات.
و- عجز مؤسستي الأقطان والحبوب 13 ملياراً.

جهود.. ولكن..؟!
إن الحكومة اليوم تبذل جهوداً كبيرة في معالجة الأوضاع الاستثنائية والطارئة اللازمة لإسعاف حياة المواطنين وتأمين غذائهم، وإن تلك الجهود عملت على تخفيف حدة التدهور الاقتصادي والمعيشي، ولكن مازال هناك الكثير من الخطوات للقيام بها والتي من شأنها أن تخفف من معاناة المواطنين الأمر الذي سيكون له الأثر الإيجابي في تعزيز صمود سورية، في وقت تعاني فيه موازنة الدولة عجزاً كبيراً ومتزايداً نتيجة العقوبات المطبقة؛ والمقاطعة التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وعثمانيو تركيا الجدد.
ولكننا مع الأسف وفي خضم التردي الاقتصادي هناك من يفكر في الدولة بإلغاء الدعم على سلع الاستهلاك الشعبي الواسع، ومنها الرز والسكر والمشتقات النفطية، أو التخفيف من هذا الدعم عبر إجراءات غير مدروسة، في خطوة تسعى للمساس بأهم الثوابت الاجتماعية في بلادنا. وقد حاول الكثيرون من المسؤولين في الوزارات السابقة، وخاصة الفريق الاقتصادي السابق، فعل الشيء نفسه، ولكن لم يوفق في محاولاته هذه.
إن التعامل مع الظروف الراهنة ومواجهة الأزمة الحالية يتطلب حشد كل الإمكانات المتاحة، والمالية منها على وجه الخصوص، فقد كان لنتائج الأزمة تطور خطير على صعيد الإيرادات العامة وحمل في طياته نتائج آنية ومستقبلية مباشرة وغير مباشرة، ستؤدي في مجملها إلى تدهور الحالة التنموية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
نحن نعي أن رفع الدعم سيؤمن سيولة مادية لخزينة الدولة في وقت تعاني فيه من انحسار مواردها ولكن نرى أن تسعى الحكومة لإيجاد موارد تمويل جديدة فليس واجب المواطن السوري أن يتحمل نتائج السياسات السابقة التي أنهكت الاقتصاد الوطني.
إن إلغاء الدعم أو إعادة هندسته لا يحل أزمة العجز في الموازنة، بل يضيف إلى أزمات البلاد أزمة جديدة، فالدعم خط أحمر لا يجوز المساس به والعمل عن تطوير آلياته أهم من المطالبة بإلغائه، كما لا يجوز أن نحمل المواطن الفقير أوزار ما نمر به ولتسعى الحكومة إلى إيجاد مصادر تمويل جديدة ترفد بها الخزينة.