سورية بين حوار السلاح.. وسلاح الحوار

علاء جوزيف أوسي
2013 / 4 / 1

مضى عامان على عمر الأزمة التي يعيش الشعب السوري في ظلها مستمعاً لضجيج الرصاص، ما أفضى إلى آلاف الضحايا نتيجة لتصاعد وتيرة الأحداث على الصعيد المحلي وتضخم وقائعها إقليمياً ودولياً مما وسع دائرتها وزاد من تداعياتها، نتيجة الابتعاد عن لغة التفاهم المفترض أن يتم التعامل فيها مع الحدث، فكانت لغة السلاح هي التي تعلو على لغة العقل والمنطق ولذلك دخل الشعب السوري في متاهات العنف، وما ترافق مع ذلك من عقوبات وحصار اقتصادي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا على الحكومة السورية ولكن نتائجها لامست الإنسان السوري وشردته في بقاع الأرض.
فكثر المستثمرون من كل حدب وصوب، سعياً لاستثمار الآلام والأحزان التي حصلت، واستغلال التدمير والخسائر الكبرى، فعقدت الجلسات والاجتماعات وكثرت اللقاءات والمشاورات، منهم من دعا لتسليح الشارع السوري رداً على أصوات كثيرة دعت للحوار وسيلة لمعالجة الأخطاء الكارثية فليس السلاح هو الحل بل الحوار العقلاني البعيد عن لغات التعصب والطائفية بأشكالها العفنة هو الأسلوب الواجب الأخذ به.
ولكن حتى اليوم مازال الكثيرون يرفضون الحوار مع القيادة السورية واضعين شروطاً مسبقة، ومطالب تسعى للعرقلة في كثير من بنودها، وكأنَّ أغلب اللاعبين على ساحتنا السورية غضو الطرف عن توصيات مؤتمر جنيف مقابل أجندات جيوسياسية خاصة.
ولكن من حقنا أن نسأل ما العيب أن تصل المعارضة «الوطنية» لقناعة أن التفاوض مع القيادة السورية يمكن أن يحقن دماء وأرواح أبناء شعبنا، فاللغة الوحيدة الجائزة في التخاطب هي لغة الحوار والتفاهم والسياسة، ولا يجوز استخدام العنف ضد أبناء الوطن والبيت الواحد.
وبالعودة إلى التاريخ حيث نشأت الكثير من النزعات المسلحة في مناطق مختلفة من العالم ولكنها وبعد أن حصدت المئات من الأرواح وشلت اقتصاد البلدان انتهت إلى طاولة النقاش والحوار، كونها السبيل الوحيد لإنهاء أي مشكلة خصوصاً وأن الحرب ما هي إلا دمار وقتل وتشريد وحتى المنتصر فيها أو من يدعي الانتصار قد دفع فاتورة انتصاره المزعوم على شكل جثث من أبناء بلده وهدر أموال كان الشعب بحاجه ماسة إليها في بناء بنيته التحتية وبناء اقتصاد يفضي لتنمية متكاملة.
ومن خلال استحضار التجربة الفيتنامية البطلة في التفاوض المتزامن مع المقاومة للامبريالية الامريكية؟! لقد نجحت المقاومة الفيتنامية في إجبار الحكومة الأمريكية بأن تقر «أن النصر مستحيل في الحرب الفيتنامية» والجلوس إلى طاولة المفاوضات والبدء بالحل السياسي، وانتزاعوا فيتنام من بين براثن الأمريكان، بعد أن أوصل عدوانهم وسياستهم إلى الباب الموصود، وفي ملحمة بطولية ضد الاستراتيجية الأمريكية العالمية، بقيادة حزب شيوعي فيتنامي مقاوم، مستخدماً كل الإمكانيات المتاحة، لكنهم كانوا على قناعة بأن المقاومة من دون مفاوضات هي مقاومة عبثية.
فلابد من الجلوس على طاولة الحوار لأنها السبيل الوحيد لحل أي مشكلة، والتاريخ القريب والبعيد حافل بالكثير من الأمثلة على ذلك، فبعد أن خاضت الكثير من الأمم صراعات الحرب عادت طواعية إلى طاولة الحوار لأنها وجدت أنه السبيل الوحيد لإخراج شعوبها من التهلكة، لأن لغة السلاح والتهديد لم تفد القادة بشيء ولن تبني الأوطان.
وبالعودة إلى الشأن السوري حيث تمرُّ سورية منذ عامين بمخاض عسير جراء الصراع في دوائر مفرغة سقط فيهما زهاء 70 ألف ضحية بين مدني وعسكري، وتهدم أكثر من ثلاثة ملايين منزل، أسفر عن تشريد آلاف العوائل، ناهيك عن خسارات بالمليارات الليرات وتدمير البنى التحتية التي يستغرق إعادة إعمارها سنوات، وباتت سورية اليوم حسب تصنيفات عالمية في المرتبة العاشرة ضمن قائمة الدول الأكثر بؤساً في العالم، متجاوزة الصومال ودول جنوب إفريقيا.
عامان من الحرب والقتل على الهوية حصدا خيرة شباب سورية؛ بين شهيد ومصاب؛ مهاجر أو مفقود؛ معتقل أو مختطف؛ ومن بقي راسخاً في أرضه بقي معطوب الحلم.. ومازال المواطن السوري يتساءل أما آن لهذه الحرب أن تنتهي..؟!
لقد كفانا من قدموا من شبابنا قرابين على مذابح الموت المجاني خلال سنين الأزمة، ولنعمل جميعاً عل بناء غد مشرق لأطفالنا وأن ننبذ لغة البندقة إلى لغة الحوار، فالفكر هو الذي يجب أن يسود والهمجية ولغة السلاح والتهديد والوعيد يجب أن تنتهي، فدعونا نستبدل حوار السلاح بسلاح الحوار، وصولاً الى حل مناسب يراعي كل التوازن والاستحقاقات لكل أهل سورية.
وكلنا أمل أن تنتج اجتماعات الحوار والمفاوضات المحلية والخارجية حلولاً جدية وواقعية لكل المشاكل العالقة، من أجل إعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوري، ونتمكن من العمل سوية من أجل الصالح العام وتحقيق أهداف الشعب السوري، في العيش بحرية وكرامة ومساواة بعيداً عن سياسات الإقصاء والتهميش والإلغاء والتمييز العنصري والطائفي، وعلى عقلاء السياسة أن يعوا أن السواد الأعظم من الشعب من يدفع جريرة أخطائهم، فهم الوقود الذي يُرمى على نار الفتنة.
وسيقف الشعب السوري بأطيافة كافة بقوة خلف أي اتفاق ينبثق عن الحوار، إذا ما لمسوا فيه حلولاً منطقية، بعيداً عن التشنج والتأزم، حلولاً تنسجم مع روح الدستور والمواطنة ووحدة سورية أرضاً وشعباً، فسورية لكل السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية والمناطقية.