المصالحة بين الأكراد و الأتراك، الدوافع و الأسباب

جابر احمد
2013 / 3 / 23

في 21 آذار الجاري و المصادف لما يعرف بعيد النيروز لدى الأكراد، اعلن زعيم حزب العمال الكردستاني السيد عبد الله أوجلان وفي بيان قرئ نيابة عنه وفي وسط حفل جماهيري ضخم أقيم في ديارا بكر عن عزمه على وقف اطلاق النار بينه و بين الحكومة التركية التي يترأسها رجب طيب ارد وغان والذي اقتنع هو الأخر وخلافا للحكومات المتعاقبة على دفة الحكم في تركيا بإيجاد حل عادل وسلمي لقضية الأكراد ضمن اطار الدولة التركية الموحدة .
وما حصل بين الجانبين هو ليس رغبة آنية و إنما هو تتويج لسلسلة من المواقف السياسية التي اتخذتها تركيا في عهد السيد ارد وغان حيث شكلت الديمقراطية وانسحاب الجيش من التدخل في الشؤون السياسية خلال العقد الأخير حجر الزاوية في تقارب وجهات النظر بين الجانبين، لان الحكومة التركية ادركت أن مفهوم الدولة – الأمة الذي أسس بموجبه كمال أتاتورك تركيا الحديثة و القائم على تجاهل تاريخ الغير وثقافته لم يعد مجديا في عصر العولمة ،لأن تنامي هذه الظاهرة و استفحالها على مستوى الكرة الأرضية جعلت الدولة القائمة على هذا المفهوم تتآكل من الأعلى والأسفل ، فمن من الأعلى حطمت العولمة الحدود وخيارات الدولة – الدول ( القائمة على مبدأ الأمة - الدولة ) ومن الأسفل أضعفت بشكل جدي وعبر النمو السريع للهويات العرقية وذلك بتأثير من ثورة المعلومات وتداول المعلومات حول مفهوم الدولة – الأمة. * من هنا فان الشرعية التي كانت تتمتع بها الدولة - الأمة فقدت اعتبارها إلى حد كبير الأمر الذي نتج عنه ازمه هوية لدى هذه الدول من جهة ونمو للهويات القومية من جهة أخرى وقد باتت هذه التغييرات في البلدان ذات التنوع القومي كتركيا و البلدان المجاورة لها ظاهرة للعيان. وذلك بعد أن فشلت هذه البلدان و على مدار اكثر من ثمان عقود على تأسيس دولها من إيجاد حل عادل للمسائل القومية في بلدانها و تعاملت مع قومياتها من منظور عسكري و امني بحت .
وخلال العقود القليلة الماضية قطعت تركيا شوطا مهما على طريق دمقرطة المجتمع التركي و انعكست آثارها لا على الحريات العامة و نشاط الأحزاب وعلى مختلف مشاربها الفكرية التي كانت تواجه الكثير من العراقيل وحسب و أنما انعكست آثارها أيضا على قضية الأكراد في تركيا ، فبعد أن كانت تركيا تنكر بشكل مطلق الهوية الكردية وتفرض رقابة مشددة حتى على كلمة أكراد وكردستان تم وبفضل هذه الديمقراطية تخصيص فضائية تركية حكومية تبث على مدار 24 ساعة باللغة الكردية ناهيك عن السماح بالتكلم باللغة الكردية وحتى تكوين أحزاب سياسية ذات هوية كردية خالصة، كما أن الأحزاب العلمانية والإسلامية تتنافس فيما بينها في الدفاع عن حقوق الأنسان وأجراء انتخابات حرة ونزيهة ، حتى ان الحزب الحاكم وأثناء الانتخابات المحلية كان منافسه حزب كردي في المناطق الكردية وقد سلم للعبة القواعد الديمقراطية في منافسة ذلك الحزب .
خلفية تاريخية:
كما هو معروف وبسبب الخلافات و الحروب بين الأتراك العثمانيين و الأتراك الصفويين الذين فرضوا حكمهم ومذهبهم على الكثير من الشعوب الإيرانية تم عقد مجموعة من المعاهدات بين كل من ايران والدولة العثمانية لعل أهمها معاهدتي ارض روم الأولى و الثانية والتي أدتا إلى تقسيم الأكراد إلى منطقتي نفوذ الأولى خاضعة لإيران و الثانية خاضعة للدولة التركية العثمانية .
وفي بداية القرن العشرين حاولت كل من تركيا و البلدان المجاورة لها إيجاد تغييرات جوهرية على أنظمتها السياسية والخروج بها من الحكم الفردي المطلق إلى الحكم الديمقراطي ، فظهر في تركيا كمال أتاتورك و في ايران رضا شاه و في أفغانستان الملك امأن الله خان ، فنجح المشروع التركي و فشل المشروعان الإيراني والأفغاني . لكن رغم أهمية المشروع التركي إلا انه كان مشروعا قائما على مفهوم الدولة - الأمة التي اتسم بأحياء النزعة القومية العنصرية التركية وتجاهل التنوع القومي و الثقافي في تركيا وكان من بين ضحايا هذا المشروع تجاهل الأكراد والعرب و الأرمن في تركيا باعتبارهم يشكلون احد مكونات المجتمع التركي .وظل هذا الوضع قائم إلى عهد قريب وقد لعب الجيش وعبر الانقلابات العسكرية دورا بالغ الأهمية في الأمور السياسية حيث كان يتنكر و بشكل مطلق للتنوع القومي في تركيا و من ضمنها القومية الكردية.
مصالحة الشجعان:
ان موقف حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان و المسجون حاليا لدى تركيا منذ عام 1999 لم يكن قائما على رغبته في إيجاد حل سلمي و ديمقراطي للمسالة الكردية وحسب وإنما قائم على موقف الطرف الآخر وهو حزب العدالة و التنمية الذي ابدى رغبة صادقة لحل المسالة الكردية حلا سلميا وقد اطلق و منذ توليه السلطة قبل عشرة أعوام عدة مبادرات عملية من اجل حل هذه المعضلة واليوم يأتي التأكيد على لسان رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أر دوغان الذي قال " إن بلاده ستوقف عملياتها العسكرية ضد المسلحين الأكراد إذا التزم حزب العمال الكردستاني بدعوة زعيمه عبدالله أوجلان إلى إيقاف إطلاق النار مع الحكومة التركية. وأعتبر أروغان أن تنفيذ إيقاف إطلاق النار من قبل حزب العمال هو الخطوة الأهم في خارطة الطريق لإنهاء النزاع الكردي التركي" .
بدوره حث عبد الله أوجلان بخطابه مسلحي حزب العمال الكردستاني على التخلي عن السلاح والانسحاب من تركيا والسعي لتحويل الكفاح المسلح إلى مسار سياسي ، معتبرا ما تشهده تركيا اليوم مرحلة جديدة يجب أن تتكلم فيها السياسة بدلا من البنادق .ثم أضاف قائلا "أننا وصلنا إلى مرحلة يجب أن يسكت فيها السلاح والعناصر المسلحة و أن عهدا جديدا قد بدأ، يجب أن يتم فيه تغليب السياسة وليس السلاح".
أسباب التقارب :
واذا ما تمعنا جيدا في أسباب التقارب بين حكومة السيد طيب رجب ارد وغان وحزب العمال الكردستاني تستوقفنا جملة من المواقف والأحداث منها على سبيل المثال لا الحصر ،
- الدور الإقليمي المتنامي لتركيا بزعامة حزب العدالة و التنمية للتدخل في حل المعضلات الإقليمية الكبرى في الوطن العربي وفي بلدان الجوار اذا من غير اللائق ان تنسى تركيا حل مشاكلها الداخلية ومن جملتها حل قضية الأكراد لديها وتبحث عن حل مشاكل الآخرين.
- سحب ورقة حزب العمال الكردستاني من يد النظامين السوري و الإيراني .
- تقوية السلم الداخلي خاصة و أن تركيا أصبحت ساحة لتنفيذ العمليات الإرهابية .
- تفادي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، كون العمليات العسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني سوآءا داخل تركيا أو خارجها قد ستنزف جزء من مواردها الاقتصادية و البشرية .
- طموح الأتراك بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي .
- كسب ثقه الناخب التركي وغيرها من الأمور.
أما فيما يخص حزب العمال الكردستاني أيضا تستوقفنا عدة أمور منها على سبيل المثال لا الحصر :
- فشل السياسات التركية طوال العقود الماضية في القضاء على حركة الأكراد عسكريا.
- الضغوط الذي واجهت الحزب من قبل أشقائه في كردستان العراق و الدور الكبير الذي لعبه السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق في أقناع مقاتلي حزب العمال بالتخلي عن الكفاح المسلح عبر تنقية الأجواء وزرع بذور الثقة بين الجانبين .
- رغبة الحزب الصادقة في التخلي عن الكفاح المسلح خاصة وان اسمه قد ادرج من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة الإرهاب .
- نجاح الحركة الكردية المدنية في تكوين حراك سياسي كردي حقيقي داخل تركيا و تكوين كتلة برلمانية فاعلة تمثل الأكراد في البرلمان المركزي التركي.
هل يتعظ النظام الإيراني ؟
كما هو معروف كانت ايران تسمى به " البلدان المتصالحة الإيرانية " وكانت بلدانها تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي عن الدولة المركزية ولكن بعد مجيء رضا خان البهلوي إلى دفة الحكم وتنصيب نفسه كملك لإيران قام بتغيير مفهوم الدولة القائم آنذاك على التنوع القومي وأقام نظام سياسي قائم على مفهوم الدولة - الأمة ، دولة مستندة على حراب الجيش وامه آرية عنصرية بامتياز مسنودة بجيش من المثقفين العنصريين .
وطوال حكم الأسرة البهلوية والتي امتدت من عام 1925 إلى عام 1979 جرت محاولات عدة لأحياء موضوع التنوع القومي والثقافي في ايران ولكن جميع هذه المحاولات أجهضت وتم التعامل مع قضية القوميات باعتبارها تشكل خطرا داهما على الأمن الداخلي وعلى استقلال ايران وسيادتها الوطنية .
و بعد سقوط نظام الشاه عام 1979 جرت محاولات جادة لإعادة النظر في تعريف الهوية الإيرانية إلا أن هذه المحاولات أجهضت في مكانها وفي هذا المجال يرى الكاتب الإصلاحي الإيراني تاج زادة " انه عندما حصلت الفرصة و لأول مرة لفك الارتباط مع الايدلوجية العنصرية الشاهنشاهية وجد من يفرض علينا تعريفا آخر " للتقدم " و " الإيرانية " وهذا التعريف بطبيعته يتجاهل الغير وينتقص من حقوقهم الإنسانية وقد جاء هذا التعريف على لسان الخميني عندما اعتبر الأمة في خطبه على أنها " الشعب الموجود بالفعل معطيا مفهوما و تعريفا " مبهما " وغير قابل للتفسير و التأويل للتنوع القومي و الديني في ايران وذلك جريا على أساليب تعاريف الديكتاتورية عن الأمة " و بالتالي بقيت قضية القوميات تراوح مكانها دون حل كما بقي النظام الإيراني يتعامل معها من منظور امني على هدي السياسية الإيرانية في عهد الشاه كون الحديث عنها أو التشجيع على طرحها يعتبر مساسا باستقلال ايران و سيادتها الوطنية ! كما أن التجارب التي مرت على ايران خلال اكثر من ثلاث على عقود أثبتت انه لا يمكن للجمهورية الإسلامية في وضعها الراهن أن تتعظ لكي تقدم حل للمسالة القومية في ايران ، بل أنها أمعنت في اضطهاد هذه الشعوب ومصادرة حرياتها على كافة المستويات .
ويبقى الأمل معقود على مدى حراك الشعوب الإيرانية و توازن القوى بينها وبين النظام القائم في ايران ، كما الأمل أيضا معقود على مؤتمر شعوب ايران الفيدرالية الذي يسعى إلى إسقاط النظام الديني وإقامة نظام فيدرالي لا مركزي في ايران تشارك في تكوينه كل مكونات المجتمع الإيراني القومية .
*لمزيد من الاطلاع حول أوضاع ايران والقوميات الإيرانية راجع الرابط التالي للكاتب:
http://www.ahewar.org/m.asp?i=1550