شيئاً في صدري..الرسم الحلال ...!!

وردة العواضي
2013 / 3 / 18

كنت طفلةٍ موهوبة تحب الرسم وتؤلف قصص أطفال درامية في العمر السادسة..ربما لو أن أحداً أكتشفني في ذلك الوفت لأصبحت أول طفلة عربية موهوبة بالرسم والدراما.
لكن لم ينتبه أحداً ممن حولي بهذة الموهوبة الفريدة لفتاة في ذلك العمر, على رغم انني نشأت في أسرةٍ متعلمة ذو فكر متحرر ومحافظة في آن , من أب يجيد خمس لغات حية ودكتور في القانون الجنائي من ألمانيا الغربية وذو فكر متحرر ومحافظ في نفس الوقت, ومن أم من جنسية وثقافة مختلفة و ثقافتها ودراستها باللغة الأيطالية وكانت تسافر إلى أروبا برفقة والدي أو بدون, إمرأة قوية لها رأيها وشخصيتها,وجو الأسرة العام جو خليط من التحرر والتدين بعيد عن أي نوع من التشدد أو فرض رأي .
لكن لم يكتشفني أحد سوى أخوتي المقربين لي بالسن و زمبلات في المدرسة في الفصول الأبتدائية..كان أبوي يرون الرسم أنه مضيعه للوقت,وقت عمل الواجبات المنزلية التي كنت أكره المواظبة عليها .
وبمرو الوقت, وكلما أكبر , كلما تتحسن موهوبتي في الرسم وينمو خيالي الدرامي, وتبرز ملامحه بشكل أجمل , لكن أمارسه في خفاء حتى لا أحاسب أنني اهملت واجباتي المنزلية . وفي السن العاشرة حيث وصلت موهوبة رسمي إلي ذروته, أخبرتني أختي التي تكبرني والتي كانت تدرس في ايطاليا برفقة أخواتي, في ذلك الوقت , فترة نهاية الثمانيات و جاءت لزيارتنا في العطلة الصيفية , تخبرني بأن الرسم حرام , وأنه تشبه بالخالق ......ياااااااااة,لم تقل لي ذلك عندما كانت تعيش معنا في البلد قبل عامان من سفرها إلى هناك, ولم تسمع هي أيضاً بتلك الفتاواة من قبل فهي كانت ايضاً رسامة مهارة..إلا عندما ذهبت للدراسة هناك في إيطاليا برفقة أخوتي !!!ولم أسمع بدوري عن هذة الفتوى من والدي الملم بعلوم الشرع كرجل قانوني ومحامي ولم يقحم هو بدوره أي فتاواة في حياتنا ,ولكنها جاءت من هناك من إيطاليا!!.وكانت المرة الأولى التي أسمع بها من أختي ..!!
.فسماعي لهذة الفتوة كان أمراً غريباً وصعباً علي , صعب على فتاة تحب دينها ,تحب ربها وتحب موهوبة الرسم في نفس الوقت أن تختار بين أمرين ,بين ربها الوهاب وبين موهوبتها الموهوبه لها من الوهاب !!!
طبعاً , لا أريد أن أعصى الله , ولا أريد أن يسألني الله يوم القيامة أن أحيي الرسومات التي أرسمها. فذهبت وأحرقت دفتران التي فيها قصصي الدرامية المصورة الرائعة, أحرقته وأنا أتالم ولكن حبي لله أكبر من ذلك وكان هو عزائي , فما دام هذا في مرضاة ربي, فحسبي هو.
ثم مرت الشهور , ووجدت نفسي أمسك بالقلم لا أرادياً ,وارسم دون أن أشعر ..ويأتي أخي الذي هو صديقي في نفس الوقت , و الذي نلعب سوياً وكنا نتشارك في موهبة الرسم أنا وهو وأخي الأخر , يذكرني بتلك الفتاواة ,خشيتاً علي من عقاب الله سبحانة وتعالى, وبصوتٍ حنون يقول لي ,:أختي , هل نسيت أن الرسم حرام,و أن الله سيسألك أن تحيها يوم القيامة !!!" وأنا أحاول مراراً أن لا اسمع هذة الفتوة القاسية,تباً لها . ثم عدت و أحرقت مالدي ,لأحرق ذنوبي , كونها تعتبر من الشرك وأنا التي أوحده..وفي كل مره أحرق ,ولأن السؤال لا يحوز في تلك المسائل , كنت أسأل نفسي بصمت :" الله يعلم بأنني لا أريد التشبه به وهو من أعطاني هذة الموهبة , فكيف يحاسبني على ما وهبني إياة ؟؟".
ثم , جاء حل فقهي لأرضاء الرسامون المتشبهون بالخالق أمثالي كما يزعم ..يأنني أخيراً أستطيع أن أرسم رسم حلال !! وهو بتر الوجة أو الرأس من الجسم !! ..
عجبي , وهل كان التشبه بالخالق يكمن في رسم الوجه أو الرأس , هل هذة كانت الحلقة المفقودة في تحريم رسم البشر وهو الشرك المبين ؟!! كيف أرسم جسماً من غير رأس, أو رأس بدون ملامح وجه وهذا الجزء أهم جزء من بقية الجسم ,ألا وهي الهوية , بل وهو ما أتقن في رسمه أكثر من أي جزء أخر.:رسم العيون والحواجب والأنف والشفاة والشعر والأذنان !! يا لها من فتوى إغتيالية للجمال ولكل ما هو جميل , اللعنة ,من أين أتوا بها , فتحريمها جملةً أرحم من تحليلها بهذة البشاعة",..كانت هذة الصرخة التي كانت بداخلي والتي لم أجرء بالبوح بها حتى لا أكون قد تجاوزت في حق دين الله كما علمونا في البيت و المدارس. فملامح المجتمع بدأت تتغيير في تلك الفترة وتزيد رقعة المحرمات في حياتنا شيئا فشيئاً!!
حاولت التأقلم بهذة الفتوى لأرضي ربي وأشبع رغبتي في الرسم . أرسم جسم بدون رأس , ثم أرسم رأس وجسم لكن يجب أن أفصلهم من بعض بالقلم , برسم خط يقطع ويفصل الرأس عن الجسد, أو أرسم الرأس بدون ملامح وجه ,بدون عيون وشفاة وانف , أي وجه مطموس!!, , هكذا ما تقوله الفتاواة, وهو طمس للوجوه ,تماما مثل فتاواة وجه المرأة عورة , وعليها بطمس هويتها التي هو وجهها .
يالتشابة الفتاواتان في طمس الوجه والهوية و قتل الجمال .!!
كان المنظر بشعاً, أن أفصل رأساً عن الجسد... كالجزار أو كالمقسلة التي تفطع الرؤوس لتفصله من الجسد وكذلك الحال مع رسومي..لاااه . كان هناك صراع بين حبي لديني وبين هذة الفتوة المريبة أن ثمة خطأ في الأمر.!! لكن تعلمنا أن كلما يقوله فقهائنا ومشائخنا صحيح لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ,تماما كالقراءن !! وهذة كانت ثقتنا بهم إلى حد الحماقة, حتى أودعنا لهم أمانة ديننا وعقولنا وبل أفئدتنا , نسمع بسمعهم ونبصر ببصيرتهم ونفكر بفكرهم , فهم من يقررون شكل ديننا كيف نعيش وكيف نتحدث , ونتنفس , حتى في تفاصيله الصغيرة , كل هذا بسبب الثقة الزائدة , أو سميها الحماقة الزائدة عن الحد , وعلى رغم من ذلك , لم يكونوا هم أهلاً لها , فكانوا نائمون على مجلدات ومنجزات غيرهم يقرأون لنا ما صدر من فتاواة منذ قرون, ونحسبهم ساهرون في البحث والتنقيب في أمور الفتاواة المعاصرة ولكنهم كانوا نائمون.. نائمون حتى توقفت بهم عقارب الساعة منذ تلك القرون وعادوا بدين بملامح مطموسة تماما كما هي فتاواة الرسم الحلال !!.
وقبل أن انهي فترة المرحلة الإعدادية , لم استطيع الأستمرار في سماع هذة الفتاواة , أن أحرق رسمي , ثم أعود وأرسم ثم أحرقه من جديد, حتى , وصل السيل الزبى . إنها موهبتي المفضلة ولا يمكنني التخلي عنها ..لا يمكنني الأستمرار على هذا الهراء ولا أستطيع أن أخدع نفسي .!! أنا لا أكون أنا إلا بالرسم , فهي صديقتي الودود التي أبوح لها كلما يجول في خاطري ,شجوتي واحلامي .فأرسم نفسي الفتات القوية الشجاعة , ثم أرسم نفسي الفتات المنقذة للمساكين , ثم القتات الحنون الطيبة المخلصة , والفتات الرومانسية الحالمة وتتخيل فارس أحلامها, , كل هذا أرسمه واسجل هويتي ونفسي على دفاتري ,ثم يقولون لي تتشبهني بالخالق عز وجل , حاشا.... حتى جاءت اللحظة ,حواراً صامت بيني وبين الله مناجية له : " يا الله ... أنت غفورا رحيم ,وأنت من وهبتني هذة الموهبة, وتعلم سري وما اخفى بأنني لا أنوي التشبة بجلالك, أنت أعلم بنفسي أكثر مني , وإن الأعمال بالنيات ولكل أمريءً ما نوى كما علمته خاتم أنبياءك , وأني غير قادرة أن أخلع عن الرسم , فساعدني والهمني ياااااااااا رب".
ومنذ ذلك اليوم , شعرت بإحساس قوي جدا بأن ما يقولوه المشائخ في هذا الأمر ليس من عند الله , وقد ينطبق هذا على فتاواتٍ أخرى متعلقة بأمور حياتنا الدينية.وأندلعت أول شرارة ثورة التمرد بداخلي وكان رفضي القاطعً لتلك الفتاواة الجائرة بحق فن الرسم والأستمرار في موهوبتي الجميلة, لكن... ..كم من رسوماتٍ وقصصٍ مصورة اغتلتها, حرقتها بيدي هاتين, قتلت حبيباتي ومنجزاتي ...لن يعود ما فات من طفولتي الموهوبة ومراهقتي لن تعود , فلم تعد دراما القصص المصورة صديقتي الحميمة التي كنت اشكو لها في سري,ربما تخلي عنها مراراً قد جعلتها تهجرني بسبب تلك الفتاواة الجائرة ...ومن يدري ,ربما كنت حظيت بلقب أول طفلة عربية في رسم القصص الدرامية للأطفال في تلك الفترة ..
وأتسائل اليوم , ترى كم من طفلا مثلي ضلته تلك الفتاواة من ممارسة الفن الجميل وكم سيضلون من بعدها.؟؟ يقال ُرب ضرةً نافعة , فربما لو كنت اصبحت الطفلة المشهورة لما أهتممت اليوم في تنقيب وتمحيص فتاواتهم ...فهل هذا من سوء حظهم أن تحرمني فتاواتهم مما أحب؟
كل يوماً يمر, تزداد الصحوة بالداخلي تنمو وتنمو بأن أبحث عن الحقيقة في أصول الدين , وأقرأ لكل الأفكار الجديدة والمختلفة في الطرح .....فلم أعد أسمع بسمعهم وأبصر ببصيرتهم ,فقد أستردت أمانتي , عقلي, وسأترد منهم ديني الذي خطفوه. وجاء اليوم ليدفعوا فاتورة الحساب,في متابعة مصادر صحة فتاواتهم , وكشف الستار ,حتى لا نحرم طفلاً اخر عن هذة الموهوبة الجميلة وعن أي موهوبة أخرى في الفن الجميل, وحتى لا نترك سجن فتاواتهم تمتد إلى الأجيال القادمة.