أرمجدون - الصدام كضرورة للمصالحة

رياض حمادي
2013 / 2 / 21

أرمجدون ونهاية الأديان

ارتبطت معركة "أرمجدون" بعنوان سائد وملازم لها هو " نهاية العالم " فكيف ستكون نهاية للأديان ؟! وهل للأديان نهاية ؟!

معركة أرمجدون أو هرمجدون في الوجدان والأساطير الدينية عند أتباع الأديان السماوية تمثل المعركة الختامية التي سيتمكن فيها طرف ديني من التغلب على الأخر . سيكون مسرح المعركة أرض فلسطين وستستخدم فيها الأسلحة النووية . الكلمة أصلها عبري - ( هار مجدو ) أو جبل مجدو – وهي بحسب المفهوم التوراتي " معركة فاصلة بين الخير والشر أو بين الله والشيطان وتكون على إثرها نهاية العالم " . في الأساس هي عقيدة يهودية مسيحية , لكن المسلمين يؤمنون أيضاً بمعركة كبرى في آخر الزمان تقع بين المسلمين واليهود دون الإشارة إلى اسم هرمجدون تحديداً وفي النسخة الإسلامية تنتهي المعركة بانتصار المسلمين على اليهود . وبالرغم من أن أرمجدون خرافة دينية إلا أن لها توظيفا سياسيا من قبل قادة بعض الدول الكبرى .

معركة أرمجدون أسطورة لم ينسجها العقل الخرافي فحسب لكنها التعبير الحقيقي عن مئات السنين من الاحتقان الديني والطائفي وهي التعبير الحقيقي لما يعتمل في نفوس المؤمنين من حقد وبغض وكراهية لبعضهم البعض. هذا الحقد هو ما يحول دون المصالحة وشيوع دين الإنسانية.

كجواب مختصر على السؤال السابق أرى أن تأجيل الصدام هو تأجيل للقاء أو المصالحة . وأقصد باللقاء اللقاء بين الشعوب, فأكبر عائق يحول بين الإنسان وأخيه الإنسان هو الأديان الأصولية والمذاهب المتطرفة ووحدها الصدمة أو المعركة الكبرى كفيلة بإقناع الأتباع - أو ما سيتبقى منهم - بأن أديانهم ومذاهبهم عامل دمار وتفريق لا عامل بناء وتوحيد .

القوى السياسية الكبرى وعلى رأسها أميركا تدرك هذه الحقيقة لذلك حالت دون الصدام الحقيقي بين المذهبين الشيعي والسني وعملت على أن تكون نتيجة الحرب العراقية الإيرانية " نصف هزيمة ونصف انتصار " . وهي لا تسهم في تغذية الاحتقان الطائفي بين المذهبين إلا بمقدار ما يستنزف قوى الطرفين دون فناءهما .

كربلاء سنية شيعية

هناك من يحذر من خطر الصدام الدموي بين المذهبين الشيعي والسني ويسعى في نفس الوقت إلى التقريب بين المذهبين لتجنب مثل هذا الصدام الذي سيسبب الكثير من الدمار على حد قولهم. أتفق مع أصحاب هذا التحذير في النتيجة التي سيؤدي إليها الصدام الدموي بين المذهبين لكني أرى في هذا الصدام نتيجة سلبية أولية ستؤدي إلى نتيجة إيجابية أهم وهي وعي أتباع المذهبين بخطورة سلاح الدين من جهة وخطورة اعتقاد الطرفين امتلاك الحقيقة الدينية من جهة أخرى.

ستعمل أرمجدون السنة والشيعة أو كربلائهم الكبرى على إقناع أتباع المذهبين بأن كلاهما على خطأ وبأن الله محايد ولا يقف مع أي منهما . لابد من الصدمة القوية ليقتنع هؤلاء بنسبية الحقيقة الدينية ومعركة كبرى كهذه ستجعلهم يعيدون التفكير في كثير من العقائد والأفكار التي تمثل عوامل خلاف وجفاء بينهم . حينها سيعملون على نزعها وحل إشكالياتها . وما ينطبق على هرمجدون الشيعة والسنة الصغرى ينطبق على هرمجدون الأديان السماوية الكبرى.

هناك من يرى بأن الخلاف بين المذهبين أصله وجذوره سياسية وهم محقون في ذلك لكنهم مخطئون حين يعتقدون أن الاتفاق السياسي وحده كفيل بحل الخلاف خصوصا في ظل دول وأنظمة ذات طبيعة دينية . وصحيح أيضاً أن تقدم وسائل الاتصال وشيوع وسائل المعرفة الأفقي بين الجماهير كفيل بإقناع الكثيرين من أتباع المذهبين بالانفتاح نحو الآخر لكن الأحقاد والضغينة تملأ صدور أغلبية الأتباع وهؤلاء لن يقنعهم سوى تكامل الحلين معا في شكله العلماني الإنساني أو حدوث البديل وهو الصدام .

ثلاثمائة عام من الحرب الفعلية المتقطعة وأكثر من ألف عام من الحرب الكلامية بين المذهبين لا تكفي . كما أن مئات السنين من المناوشات الجارحة لا تكفي كي يثوب هؤلاء إلى رشدهم ويعودون إلى فطرتهم . فالجراح تلتئم وتتعافى ولابد من كربلاء سنية شيعية تكون بمثابة ذكرى أو ناقوس خطر للطرفين يحيون فيها ضحايا معركتهم ولا يعيدون التفكير في تكرارها أو الانتقام لأن أي انتقام معناه كربلاء أخرى .

العلمانية أو الصدام

في ظل تغييب متعمد للعلمانية كدواء شافٍ للداء الطائفي – والأيديولوجي- لا يمكن الحديث عن " عقلنة أو دقرطة العلاقات بين طوائف الإسلام " . ويبدو أننا أمام حتمية تاريخية حين يكون الصدام الدموي هو البديل للعلمانية . كما أن الحديث عن التقريب بين المذهبين الشيعي والسني حديث عاطفي , كذر الرماد في العيون , وهو كفيل بتخفيف حدة النزاع وتأجيل الصدام لكنه لا يعمل على نزع فتيله لأنه حديث يُغيب الكثير من الحقائق المتنازع عليها والتي يعرفها الأصوليين من أتباع المذهبين. فالنار كامنة تحت الرماد والمزيد منه سيبقيها تحته لكنه لن يطفئها نهائيا .

البزوغ العالمي للعلمانية لن يكون إلا بعد تجريب جحيم الحروب الدينية الكبرى . وهرمجدون أو أرمجدون وإن كانت أسطورة تغذيها الأديان إلا أنها في ظل غياب أو تغييب الحل العلماني أصبحت تمثل ضرورة للقضاء على الأديان كطموح أقصى أو على الأقل للحد منها وتحييدها أو فصلها عن الدولة . وبسيادة الحكومة العلمانية العالمية سيزداد التقارب بين هذه الحكومات والدول وشعوبها حين تجمعهم ثقافة مشتركة تقل فيها المناسبات التي تدعوا إلى الحروب . خير شاهد على هذا هو توقف الحروب بين الدول التي تبنت العلمانية .

العلمانية في أوروبا لم تكن ثمرة للفكر التنويري والعلمي والإصلاح الديني فحسب وإنما كانت ثمرة صدام وحروب دينية استمرت لمدة عقود جعلتهم يدركون نسبية الحقيقة الدينية وأهمية تحييد الدين بوصفه سلاحا فتاكا يمكن أن يقضي على الحياة برمتها . تأجيل هذا الصدام بين المذهبين الشيعي والسني هو تأجيل للعلمانية , والتعجيل بتفعيل العلمانية يعني نزع فتيل الصدام بينهما. وما ينطبق على الحديث عن الشيعة والسنة – وبقية طوائف ومذاهب الإسلام المتصارعة – ينطبق على الحديث عن الشرق والغرب ليس في مسماه " صدام الحضارات " فالحضارات لا تتصادم وإنما في مسماه " صدام الأديان " .

العلمانية في الغرب محصلة صدمتين : صدمة علمية وفلسفية تنويرية حين كشف العلم الكثير من أوجه الزيف التي كان يروج لها الدين عند تفسيره للظواهر الطبيعية , وصدمة دموية تمثلت في الحروب الدينية وإثر الصدمتين أدرك غالبية الناس بأن الدين عامل تجهيل وفناء في نفس الوقت فتحتم إقصاءه من الحياة السياسية والعلمية معاً فتحقق التقدم .

على مايبدو أن قدر العلمانية أن تنبعث من بين الركام ولا يمكن الإحساس بنعيم العلمانية إلا بعد الاكتواء بجحيم الأديان والمذاهب والطوائف . أما إن كان هناك من اكتوى بهذه النار ولم يخرج بضرورة تبني العلمانية كحل فربما كان السبب أن الحريق لم يكن كافيا شافياً أو أن المكتوي بالنار أضل من الأنعام ! فالمثل يقول " لا يلدغ المؤمن من جُحر - جحيم الدِّين – مرتين " !

تأجيل الصدام – أو المصالحة - بين فتح وحماس هو ما يؤجل اللقاء – أو الصدام - بين الفلسطينيين والإسرائيليين . الصراع بين فتح وحماس ذو طبيعة أيديولوجية وأي لقاء بين الأيديولوجيات المتناقضة لا يتم إلا بعد صدام أو إحلال " أيديولوجيا " بديلة تجمع الطرفين ولا تفرقهما . هذا في حال اعتبرنا العلمانية أيديولوجيا يمكنها أن توفق بين اليمين واليسار - عندما تحل محلهما - كأداة لحل القضية الفلسطينية بين الأخوة الأعداء , قبل أن تحلها بين الأعداء أو طرفي النزاع الرئيسيين والذي يجمعهما – أو بالأحرى يفرقهما - الصراع على الأرض على خلفية دينية .

وتأجيل الصدام بين أنصار المدنية – العلمانية – وبين القبيلة هو ما يؤجل تحقيق الأولى على أرض الواقع كون الثانية وقفت حجرة عثرة كبرى ومازالت تقف ضد المدنية منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام ولم يستطع الدين القضاء عليها أو الحد منها ذلك لأن الدين لا يمثل السلاح المناسب للقضاء على القبيلة .

ويمكننا أن نسأل في هذا الصدد :
لماذا فشلت كل الحوارات بين الأديان أو بين المذاهب المختلفة ؟!

والجواب : لأن الحوار قائم على قواعد دينية حيث كل طرف لديه قناعة بأنه وحده من يملك الحقيقة دون الطرف الآخر . كما أن الأديان في جوهرها ومنذ نشأتها عامل أساسي من عوامل الفرقة والشتات بين الشعوب والأمم وقد عبر عن هذه الحقيقة النبي عيسى عندما قال فيما معناه :
" أتيت لأفرق بين الأخ وأخيه والأب وابنه ... "
وحين ظهر الإسلام اتهمه (المشركون ) وقالوا : هذا الدين يُفرقُ ما بين المرء وزوجه , وما بين الأخ وأخيه . وكلام المشركين ليس عاريا عن الصحة فقد عبر القرآن عن هذه الفكرة بشكل أو بآخر في قوله :
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ...} البقرة 213
لذلك من الطبيعي أن يفشل أي حوار بين الأديان والمذاهب طالما كان قائما على قاعدة دينية مطلقة. وحده الحوار القائم على قاعدة علمانية تؤمن بنسبية الحقيقة كفيل بالخروج بحلول .

العلمانية كترياق

ليس هذا المقال دعوة للعنف كوسيلة لإحلال المدنية أو العلمانية محل أعداءها وإنما تحليل لصراع بين قوى متناقضة - قوى تسعى لتوحيد الإنسانية وقوى تحول دون هذا الهدف - في ظل غياب الإجماع من قبل الأطراف المتناقضة على الحل السلمي غير المكلف – العلمانية . كما هو تنبيه إلى أن العنف يكون البديل عند تغييب العلمانية .

لا أريد من وصف العلمانية كترياق لحل جميع إشكالياتنا الإنسانية أن أجعل منها " نهاية التاريخ " أو أيديولوجيا خلاص إيجابية بديلة تحل محل أيديولوجيات الخلاص السلبية . العلمانية – بمعناها الإنساني - ليست حلاً أفضل إلا في كونها حالة موضوعية محايدة لا تقف موقف الخصم أو العداء من بقية الأطراف المتصارعة وإنما موقف الاستيعاب والاحتواء .العلمانية هي أن نختلف على كل شيء ونتفق على شيء واحد هو الحرية والإنسانية .

يمكن للعلمانية أن تكون أيديولوجيا خلاص سلبية ويوطوبيا مثالية إذا اعتقد أنصارها أنها الحقيقة الوحيدة المخلصة . فحتى التكنولوجيا يمكنها أن تكون أيديولوجيا كما يذهب هابرماس عندما تكون أداة للتحكم والسيطرة واليقين وإساءة التوظيف. ليست العلمانية أيديولوجيا لأن الأيديولوجيات الدينية وكثير من الأيديولوجيات الفلسفية قائمة على المنطق المطلق المؤمن بالحقيقة المطلقة ونقيضها الباطل. بينما منطق المعرفة المتنامية وتعدد وجوه الحقيقة ونسبيتهاهو منطق العلمانية . تُعلمنا العلمانية أنه عندما ينعدم الشعور بامتلاك الحقيقة تنعدم معه الحروب المدافعة عنها . ولن تتوقف الحروب الدينية والمذهبية إلا إذا انتهى الأتباع إلى الاعتراف بنسبية الحقيقة وبعدم امتلاكها. هذا النوع من المجتمعات المعرفية هو ما تسعى إليه العلمانية .

العلمانية لا تحرمك أو تمنعك من التعبير عن حقيقتك الدينية لكنها تطلب منك الاعتراف في حق الآخرين أن يعبروا عن حقائقهم أيضاً. بكلمة أخرى : الاتفاق على أن الحق والحقيقة ملك الجميع وليست حكرا على طرف دون آخر . من هنا تقوم فلسفة الديموقراطية الحديثة على عدم الإيمان بالحقيقة المطلقة وتؤمن بدلا عنها " بالحقيقة التي ترتأيها أكثرية الناس " .

وجوابا على الشق الثاني من السؤال أقول أنه ليس بالإمكان التخلص من الأديان لا بقتل المتدينين ولا بانتشار الوعي والثقافة العلمانية على نطاق واسع . فالدين كما عبر المفكر الدكتور نصر حامد أبو زيد مكوِّن اجتماعي ولذا لا يمكن فصله عن المجتمع كما أن اجتثاث الدين غير ممكن عند جون كين وأقصى ما يمكن أن تحققه العلمانية هو تقليص دور الدين وإضعاف هيمنته على مؤسسات الدولة وإزاحته باعتباره المرجعية الأولى المُسيرة لكل صغيرة وكبيرة في حياة الناس وإحلال الثقافة العلمانية بمعناها الإنساني والمنهج العلمي العقلي بدلا عنه .

سبب آخر في عدم القدرة على التخلص النهائي من الأديان يرجع إلى حاجة الناس إلى مصادر للتوجيه الخارجي – كما يؤكد إيريك فروم في كتابه " الدين والتحليل النفسي ". الأديان بمسمياتها وطبيعتها التقليدية أحد مصادر هذا التوجيه كما أن الفلسفات والأيديولوجيات تشكل مصدراً آخر .

لم يعد شرطا لترياق العلمانية كي يعطي مفعوله ضد سموم الأديان والمذاهب المتطرفة أن يمر بنفس المرحلة الزمنية الأوروبية الطويلة , فظروف العصر تغيرت بفضل تسارع التاريخ وانتشار وسائل المعرفة حيث أصبح " بالإمكان تحديث ذهنية ونفسية أمة خلال جيل (25 عاما ) " . وفي هذه البشرى , التي يزفها لنا علي الوردي , أمل للإسراع بتعاطي هذا العلاج .