السياب لَحْظَتنا

حكمت الحاج
2013 / 1 / 29


لا بأس في الحديث مجددا عن بدر شاكر السياب، ذلك الشاعر الخالد، بمناسبة، أو ربما بغيرها، فاستذكار رموزنا خيرٌ ألف مرة من بعث روح ميتة في رموز لا تمت إلينا بصلة. أسوق هذا الكلام لأن هنالك من سألني إن كنت بوصفي شاعرا عراقيا، قد تجاوزتُ حقاً السّيابَ من حيث هو قصيدة، بعد أن مرّ على وفاته ما يقرب من نصف قرن، وكان بودي أن أجيبه بطريقة عامية في الكلام كأن أقول له / وَمَنْ نحن لكي نتجاوز السياب؟/ لكني فضلت أخيرا أن أستعيد كلاما كنت قلته يوما تحت شعار ذكراه الخالدة وقريبا من تمثاله الحزين في البصرة العظيمة أم الموانئ جميعا:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمرْ
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء... كالأقمار في نهَرْ

لا يهمني "السياب" من حيث هو سيرة، ولا من جهة أنه نصّ، ولا من حيث هو فعل في التاريخ. رسائله تافهة وممله وكلها كدية وشحاذة.. يتوسل يوسف الخال كي يجد له عقدا للترجمة مع مؤسسة فرانكلين للنشر، ويطلب الى لست أدري من، أن يبعث له شيئا من الأموال، الخ من تلك الفضائخ التي تضمنها كتاب رسائل السياب الذي حققه ونشره الناقد العراقي ماجد السامرائي. لا تهمني أيضا تقاطعات شخصه مع التباسات واقع الدولة العراقية وظروف الأحزاب وتبديل المعتقدات. فهو مرة شيوعي وأخرى بعثي حسب الظروف العامة في العراق الذي ظلت ظروفه خاصة. مقالاته التي كانت تحت عنوان / كنت شيوعيا/ ليس هناك أسخف منها، بسطحيتها وضحالتها وركاكتها.
لا تهمني أيضا تقاطعات نصه الشعري مع مصادر انكليزية مزعومة، أو تأثرات عربية مؤكدة. وبالتأكيد لن تهمني في هذا السياق تلمذته على يد مدرس بريطاني في دار المعلمين العالية آنذاك، ولا درسه على يد جبرا ابراهيم جبرا، حيث من هذين الاثنين، كما يشاع، تعلم كل شئ.
مطر...
مطر...
مطر...
تثاءب المساء، والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ

ما يهمني بالدرجة الأولى تلك القشعريرة التي ظلت تلازمني سنين طويلة منذ أن قرأت لأول مرة قصيدته الملحمية الجبارة / أنشودة المطر/ حيث تاريخ حي مختصر للانسان في أهاب قصيدة ليست سوى عن جيكور، قريته المجهولة ضمن حدود أبي الخصيب، إحدى مقاطعات البصرة جنوب العراق، والمشتق اسمها من اللغة الفارسية بما يعني انها النهر الصغير الأعمى.
كيف لا يرتجف هلعا من يسمع السياب وهو يقول:
وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوعْ،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:
مطر...
مطر...

أو لا يذوبُ فَرَقَاً من يقرأ هذا المقطع من القصيدة نفسها:
أكادُ أسمعُ العراق يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ،
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ
لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ.
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطرْ

أو لا يذرفُ دمعا من القلب وعين على العراق وعين على الدم والسياب يقول:
مطر..
مطر...
وفي العراق جوعْ
وكلَّ عام ـ حين يعشبُ الثرى ـ نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ

ولكن، وعلى جلال وأهمية وجمال ما تقدم، أرى أن ذلك كله لا يهم بقدر ما يهمنا طرح سؤال صحيح من وجهة نظر مغايرة، واضعا نصب عيني مفهوم "اللحظة المعرفية" كما تثبت ذلك وتقعد في الأدبيات النقدية المعاصرة، وتعريف "الأزمة" كما يرد عند مفكر مثل "بول ريكور"، من أجل أن نفحص جدل العلاقة ما بين أزمتنا الشعرية الراهنة، وبين السياب كأزمة.
اللحظة المعرفية هي بؤرة تجمع فيها لحظات عدة تشكل في نظامها القيمي استجابة لتحديات تفرضها الأزمة التي هي بالضرورة منعطف على مستوى التاريخ.
الأزمة هي منعطف. والحركة السيابية كانت منعطفا. إذن، كان التاريخ الأدبي مأزوما والخطاب يطرح تحديا، فهل كانت الاستجابة السيابية منعطفا أصيلا؟
من هنا أطرح السؤال الذي يهمني، متتبعا نسق المفاهيم المقدمة أعلاه وأسأل:
هل السياب هو لحظة؟
وهل السيابية هي لحظة معرفية؟
وإذا كانت هي كذلك، فهل كانت لحظة قطع معرفية؟
إننا جميعا مطالبون بأن نصوغ أسئلتنا بشكل غير زائف وذلك كي نحصل على إجابات حادة ودقيقة وحقيقية. وقد يكون من المفيد في هذا المقام أن نثبت النتائج التي تقررها الأجوبة، تاركين مهمة وضع الأسئلة وسيرورة تطبيقاتها الإجرائية الى مقام آخر.
ان الذي يحدونا الى مناقشة السياب وذكراه بهذا الشكل إنما هو اعتراف منا في الأقل، بالأمور التالية:
أولا: اننا ما زلنا، من جهة الانتاج الشعري، في اللحظة السيابية وامتداداتها وتفريعاتها، ولم نغادرها بعد. ولا احتجاج بما تنتجه أنواع أدبية أخرى مثل قصيدة النثر عربيا، فإنها في أحسن حالاتها لا تقدم أملا ما.
ثانيا: لا تبدو في الأفق القادم تباشير قطوعات معرفية جديدة تشكل بحد ذاتها لحظة جديدة، بمعنى أن تكون لحظة جوابية ناجعة على تساؤلية الشعر، إذ يبدو ان الشعر العربي الراهن لم يستنفذ بعد كل امكانات العمودية السيابية، إن صح التشبيه.
ثالثا: تطرح اللحظة السيابية أشكالات وتساؤلات تتعلق باللغة الأم والكلام المحكي ولغة الحياة اليومية وعلاقة الشاعر بالغرب ومن ثم علاقته بالتراث أو ارتداده اليه وخلق الأنموذج الأسمى وأسطرة الواقع المعاش وأسلفة الحداثة وتعصير القدامة، كما تطرح على البساط الشعري مواضيع الله والأب والسلطة. كل هذه المشكلات ما زالت تفعل فعلها وتعمل، ولكن الملاحظ انها لا تقدم نتائج مفيدة. أما تجاهل هذه المشكلات والتساؤلات فإنه ليس إلا قفزة في العدم وتجاوز للأزمة من دون المرور بها.
رابعا: كان الشعر العربي قبل السياب ومن بعده وحتى الآن، في مقام - الإخبار عن - أو – التبليغ - بدلا من أن يكون في مقام - الوجود في – أو الحضور.
الشعر العربي إخبارٌ عن الوطن والأرض والأهل والحبيبة واللقمة والسيف والبندقية والقضية والهوية والعدو المتربص والعدو المتآمر والعدو الخفي، والاحتلال والاستعمار والاستقلال والارهاب والعولمة الخ الخ ولم يستطع أبدا أن يكون سؤالا في الوجود.
بمعنى آخر: لا يملك الشعر العربي على مر تاريخه أي بُعد أنطولوجي،إنما كان بُعده الأول والأخير سياسيا. ولعل للحظة التي تعقب السياب وتقطع معه، أن تصحح هذا الخطأ.
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة.
ويهطل المطرْ...

ولد بدر شاكر السياب في 24 ديسمبر 1926 بقرية جيكور جنوب شرق البصرة. درس الابتدائية في مدرسة باب سليمان في أبي الخصيب ثم انتقل إلى مدرسة المحمودية وتخرج منها في 1 أكتوبر 1938م. ثم أكمل الثانوية في البصرة ما بين عامي 1938 و 1943م. ثم انتقل إلى بغداد فدخل جامعتها/ دار المعلمين العالية من عام 1943 إلى 1948م، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته.
من أعماله: أزهار ذابلة 1947م. أساطير 1950م. حفار القبور 1952م. المومس العمياء 1954م. الأسلحة والأطفال 1955م. أنشودة المطر 1962. المعبد الغريق 1962م. منزل الأقنان 1963م. شناشيل ابنة الجلبي 1964م. نشر ديوان إقبال عام 1965م، وله قصيدة بين الروح والجسد في ألف بيت تقريبا ضاع معظمها. وقد جمعت دار العودة ديوان بدر شاكر السياب عام 1971م، وقدم له المفكر العربي المعروف الأستاذ ناجي علوش. وله من الكتب مختارات من الشعر العالمي الحديث، ومختارات من الأدب البصري الحديث. توفي السياب عام 1964م بالمستشفى الأميري في الكويت، ونقل جثمانه إلى البصرة، ودفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير.