الليبرالية بين تراثها التقليدي ودلالاتها المعاصرة

أشرف حسن منصور
2013 / 1 / 16

الليبرالية
بين تراثها التقليدي ودلالاتها المعاصرة

مقدمة:
نقصد بالليبرالية تلك الأفكار والمبادئ التي ظهرت مصاحبة لظهور الرأسمالية في الغرب، وخاصة في القرن السابع عشر على يد توماس هوبز وجون لوك. وكانت موضوعة في صورة فلسفية لأن أصحابها حرصوا على تأسيسها على مبادئ عامة كلية ونظرة شاملة للإنسان. فقد استندت ليبرالية هوبز ولوك على تصور عن الطبيعة الإنسانية والمجتمع الإنساني، وكذلك على افتراضات حول طبيعة المجتمع السابقة على تأسيس السلطة السياسية والتي أطلقا عليها "حالة الطبيعة الأولى". ونود أن نؤكد في البداية على أن الليبرالية بذلك لم تكن وليدة التأمل الفكري في طبيعة الإنسان والمجتمع كما توحي بدايات التراث الليبرالي، ولم تكن سعيا من بعض المفكرين نحو وضع مبادئ جديدة لتنظيم المجتمع تضمن الحرية للجميع؛ فلم تكن النيات الطيبة والأهداف الإنسانية النبيلة وراء ظهور الليبرالية، بل كان ظهورها مشروطا بالتغيرات الاجتماعية التي بدأت في أوروبا القرن الخامس عشر والتي أدت إلى صعود طبقة البورجوازية. فعلى الرغم من اعتماد الليبرالية على أسس فلسفية، إلا أن لهذه الأسس بدورها قاعدتها الاجتماعية التي انطلقت منها. لقد كانت الليبرالية تعبيرا عن البورجوازية وعن نظرتها للإنسان والمجتمع. وبناء على هذا سوف نحلل عناصر النظرية السياسية الليبرالية وفق الشروط الاجتماعية لوجودها والتي جعلتها ممكنة.
1-السيكولوجيا الفردية:
الليبرالية رؤية للإنسان والمجتمع والسياسة، وهي تعتمد في رؤيتها هذه على نظرة خاصة للإنسان تتصف بكونها ذرية Atomist أو تفتيتية، إذ ترد المجتمع إلى أفراده المكونين له، وتنظر إلى هؤلاء الأفراد على أنهم ذرات مستقلة عن بعضها. ولا تختزل المذاهب الليبرالية المجتمع إلى أفراده وحسب، بل هي كذلك تحمل تصورا خاصا عن الفرد. فالفرد لديها كائن بيولوجي بصفة رئيسية، يصدر عنه سلوكا مشروطا بالرغبة في حفظ بقائه مثله مثل أي حيوان آخر.
يعتمد كل مذهب ليبرالي على مبادئ تتعلق بالطبيعة البشرية؛ وكون المذهب يبدأ بهذه البداية دليل على أن بدايته فردية في الأساس، إذ تتمثل هذه البداية في مجموعة التأملات المتعلقة بالطبيعة البشرية التي هي في حقيقتها طبيعة فردية. فعندما نرى في مؤلفات فلاسفة الليبرالية جزءا أول يتناول ما يسمى بالطبيعة البشرية ( 1) فيعني ذلك أنهم يقصدون طبيعة الفرد. ويعد مبحث الطبيعة البشرية في مؤلفاتهم سيكولوجيا فردية؛ أي مبحثا يدرس الإنسان من منطلق كونه فردا تتحكم في سلوكه الرغبة والحاجة وتشرطه حسب منطق المثير والاستجابة. ولذلك كانت نظريات هوبز ولوك حول الطبيعة البشرية الإرهاصات الأولى لعلم النفس التجريبي في القرن التاسع عشر.
تحمل نظريتا هوبز ولوك فلسفة حول الإنسان تضع الحاجات needs والرغبات desires في أساس التراتب الهرمي لقوى الإنسان، بحيث تأتي كل من الإحساسات والمشاعر والفكر تالية على ذلك الأساس الأول الذي يشترك فيه الإنسان مع باقي الحيوانات ( 2) . وعلى الرغم من أن فلاسفة السياسة اليونان كانوا يعترفون بالحاجة والرغبة باعتبارهما المحددين الأساسيين للطبيعة الإنسانية إلا أنهم أصروا على ضرورة تجاوزهما في سبيل تأسيس نظام اجتماعي وسياسي ومن أجل قيم أكثر أخلاقية. لكن مجتمع القرن السابع عشر الذي عاش فيه هوبز ولوك هو أول مجتمع يضفي على الرغبة قيمة ملزمة وينظر إليها على أنها عقلانية ومشروعة. والسبب في ذلك يرجع إلى أن الظرف الاجتماعي والتاريخي آنذاك كان في حاجة إلى تبرير التغيرات الجديدة الحادثة على مستوى الاقتصاد والتي كانت تتطلب من الفرد الزيادة الكبرى في ثروته والسعي نحو الحصول على المزيد منها باستمرار، ذلك لأن قيم الزهد والتقشف والقناعة والرضى بالقسمة والنصيب لم تكن لتصلح في مجتمع بورجوازي ناشئ يسعى لزيادة الثروة. وبذلك كان النظام الاقتصادي الناشئ في حاجة إلى محفزات فردية للعمل، ولم يكن هناك أصلح من النظرة الليبرالية عن الطبيعة الإنسانية باعتبارها رغبة لامتناهية ( 3) ، والتي تترجم إجتماعيا إلى الرغبة في الامتلاك اللامحدود والسعي الذي لا ينتهي لمراكمة الثروة.
تقيم فلسفتا هوبز ولوك تراتبا لقوى الإنسان، بحيث تأتي الإحساسات في البداية وتليها الانفعالات والرغبات، ثم يأتي التفكير في النهاية ومعه ملكتي الفهم والعقل، وتختص ملكة الفهم بالوصول إلى التعميمات القائمة على انطباعات الحواس، وتختص ملكة العقل بالوصول إلى المجردات والأفكار العامة انطلاقا من تعميم ثان للتصورات العامة للحواس ( 4) . وكان من جراء هذا التراتب الذي يسير من الحس إلى العقل أن حدث انفصال في نظريتيهما بين الرغبة المرتبطة بالحواس والانفعالات من جهة والعقل من جهة أخرى. فظهرت الثنائيات الشهيرة بين الرغبة والعقل، والرغبة والإرادة، والرغبة والأخلاق. ولأن الرغبة مرتبطة لدى الفلسفة الليبرالية بالقاعدة الأساسية للطبيعة الإنسانية والمتمثلة في الحس والانفعال، لم يكن من الممكن للعقل والإرادة والأخلاق أن يكون لهم استقلال عن الرغبة، ذلك لأن موقع العقل في أعلى سلم القوى الإنسانية لا يجعله مسيطرا على باقي القوى تحته بل يجعله هو نفسه مشروطا بها، كما يجعل دوره تنظيميا وحسب، إذ لا يفعل شيئا إلا أن يرتب الأولويات في إشباع الرغبات وينظم الانفعالات. وبذلك أصبحت للرغبة الأولوية المطلقة في سلم القوى الإنسانية وأصبح إشباعها هدفا في حد ذاته، بل وأصبح العقل نفسه وسيلة لإشباع الرغبة. وكان من السهل على تطورات الفلسفة الليبرالية في القرن التاسع عشر أن تحول مفهوم الرغبة إلى مفهوم اللذة Pleasure ومفهوم المنفعة Utility، وقد ظهر ذلك واضحا في فلسفات جيريمي بنتام وجيمس ميل وابنه جون ستيوارت ميل.
إن الثنائيات التي تظهر في الفلسفة الليبرالية بين الرغبة والعقل والحس والعقل ترجع إلى أساس اجتماعي يتمثل في الانقسام بين الحياة العامة التي يتقيد فيها المرء بالقواعد والمعايير والتقاليد وأنساق الأخلاق من جهة، والحياة الخاصة التي تتحكم بها الرغبة والحس الشائع Common Sense من جهة أخرى.العقل هو تعبير عن تلك الحياة العامة وعن قواعدها وقوانينها، والرغبة تعبير عن الحياة الخاصة. والانفصال بين الحياة العامة والحياة الخاصة ليس انفصالا أصليا كامنا في طبيعة المجتمعات البشرية، بل هو انفصال مميز لنمط معين من المجتمعات وفي فترة تاريخية معينة، وهو المجتمع الذي يعزل أفراده ويحصرهم في حيزهم الخاص، المجتمع الذي يمنع أفراده من أن يكون لهم دورا اجتماعيا نظرا لسيطرة السلطة السائدة فيه على كل ما هو عام. وبذلك تكون ثنائيتي الحس والعقل والرغبة والعقل نقلا لتناقض اجتماعي إلى المستوى الفلسفي.
تذهب الفلسفة الليبرالية إلى أن البشر يسعون وراء الرغبة وفقا لطبيعتهم. والرغبة يمكن أن تكون في أشياء مادية أو معنوية. الرغبة في الأشياء المادية هدفها الوصول إلى الراحة والحصول على السعادة واللذة، أما الرغبة في الأشياء المعنوية فهي رغبة في الحصول على الشرف، والشرف هو الاحترام الذي يلقاه المرء من الآخرين، واعترافهم له بالقوة والوجاهة ( 5) . وتؤدي هذه النظرة للرغبة إلى تناقضات عديدة. فسعي كل فرد نحو تحصيل الماديات يؤدي حتما إلى صدام الأفراد مع بعضهم نظرا لندرة ما هو متوفر منها؛ كما أن السعي نحو الشرف ليس سعيا بريئا يتم في الفراغ، ذلك لأن حصول المرء على قوة ينـزعها بالمثل من شخص آخر. وهنا يحدث النـزاع الذي ينقلب بالطبع إلى صراع، صراع على الماديات وعلى السلطة، مما يؤدي إلى الفوضى التي تنتهي بفقدان البشر لحرياتهم. ولهذا السبب شكلت قضية النظام وقضية الحرية موضوعا أساسيا في الفكر الليبرالي، إذ حاولت النظريات السياسية الليبرالية التوفيق بين حريات الأفراد والنظام الاجتماعي الذي يتعرض للتهديد من جراء نفس تلك الحرية التي تنقلب بسهولة إلى حالة من الصراع والفوضى. وقد وضعت الليبرالية الحرية في مفهوم الحق الطبيعي ووضعت فكرة النظام في مفهوم العقد الاجتماعي، كما سوف يتضح في الصفحات التالية.
والملاحظ في التحليل السابق كيف أن خطا واحدا يربط بين المفهوم الليبرالي عن الطبيعة الإنسانية وحاجاتها، واختزال هذه الحاجات إلى المال، واختزال المال للمجتمع كله إلى أفراد؛ وهذا يدل على الصلة القوية بين الأساس الفلسفي لليبرالية والجانب الاقتصادي منها.
كذلك فإن النظرة الليبرالية حول الطبيعة الإنسانية باعتبارها رغبة لامتناهية، والتي ترجمت إلى الرغبة اللامتناهية في الامتلاك والاستحواذ اللانهائي في عصر الليبرالية التقليدية ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، ترجمت مرة أخرى في القرن العشرين إلى التصور الاستهلاكي عن الرغبة؛ وتحولت الرغبة بذلك من رغبة لامتناهية في الامتلاك إلى رغبة لامتناهية في الاستهلاك. لقد كان التعليم الليبرالي حول الحاجات والرغبات خادما لأيديولوجيا الملكية الخاصة في عصر صعود الرأسمالية، ولأيديولوجيا الاستهلاك في عصر الإنتاج السلعي الكمي الموسع.
لقد كان المجتمع البورجوازي الناشئ في حاجة إلى تحديد ماهية الإنسان باعتباره راغبا لامتناهيا ومستهلكا لامتناهيا للسلع وذلك كأساس أخلاقي لاقتصاد السوق، وكنوع من الدافعية التي تجعل النظام الجديد مبررا في نظر المجتمع ( 6) ، ضامنة استمراره في العمل ومضفية عليه شرعية تربطه بتصور عن الطبيعة الإنسانية، وتجعل أفراد المجتمع يقبلونه ويستمرون في تدعيمه وفي الاندماج فيه والتماهي معه. إن الإنسان المستهلك Homo Consumatus هو من أساسيات اقتصاد السوق، وقد أدى التصور الليبرالي عن الطبيعة الإنسانية باعتبارها حاجات ورغبات وظيفة إلحاق قيم السوق الاستهلاكية في الطبيعة الإنسانية وجعلها الجزء الأساسي والأصيل منها.
وتضفي أيديولوجيا المجتمع الإستهلاكي معنى جديدا على مفهوم الحاجة وتوظفه توظيفا جديدا يضعه في إطار فكرة المساواة. فالمساواة تصبح تساوي البشر جميعا أمام الحاجات. وبما أن هناك حاجات أولية للنوع البشري إذن فهناك قيم إستعمالية واحدة ومتساوية بالنسبة لجميع البشر. تصبح المساواة هي تساوي البشر أمام الحاجات وأمام موضوعات إشباع هذه الحاجات، كما تصبح الحقوق الطبيعية للإنسان هي حقوقه في استهلاك موضوعات إشباع حاجاته (7 ) . وهكذا يتم إلغاء كل أوجه اللامساواة الاجتماعية والتاريخية. وبذلك لن يكون هناك معنى للتساؤل حول ما إذا كان المجتمع الإستهلاكي يحقق المساواة أم لا، أو هل هو ديمقراطي أم لا، وهل قضى على أوجه اللامساواة أم لا، طالما أنه يوفر إشباعا للحاجات وينقل قضية المساواة إلى المجال الإستهلاكي بأن يدعي أن كل البشر متساوين في حاجاتهم وأنه يوفر لهم بالفعل طرق إشباعها. وبذلك أبدل المجتمع الاستهلاكي قضية المساواة ونقلها من المجال الاجتماعي والسياسي إلى المجال المادي الإستهلاكي.
2-حالة الطبيعة الأولى:
وضعت النظريات السياسية الليبرالية نصب عينها التساؤل حول النظام السياسي الصحيح. والحقيقة أن هذا التساؤل لا ينفصل عن التفكير في أصول المجتمع المدني أو الحياة قبل السياسية للإنسان. وهذا ما دفع هوبز ولوك نحو وضع نظرية في حالة الطبيعة الأولى State of Nature السابقة على الاجتماع البشري وظهور السلطة السياسية، وذلك لتوضيح كيفية ظهور المجتمع والدولة انطلاقا من حالة سابقة عليهما يُفترض خلوها منهما. لم يكن مبحث "حالة الطبيعة الأولى" باعتباره جزءا أساسيا من النظرية السياسية موجودا في الفكر السياسي اليوناني، ويعد أول ظهور مكتمل له مع هوبز، والسبب في ذلك يرجع إلى أن هوبز ومن بعده لوك كانا في حاجة إلى تدعيم فكرة الحقوق الطبيعية للإنسان وإضفاء استقلال عليها، فوضعا مبحث الحالة الأولى باعتبارها الحالة التي كان البشر يتمتعون فيها بكافة حقوقهم مطلقة ومتحررة من أية قيود. كان هوبز ولوك على وعي بأن أي سلطة وأي نظام اجتماعي يقيد حرية الأفراد، ولذلك افترضا أن الحالة التي خلت من السلطة كانت حالة الحرية التامة. لقد كانت حالة الطبيعة الأولى فكرة مناسبة لليبرالية لأن ما يميزها حقيقة أساسية وهي أنها حالة من الحقوق الكاملة وبدون أية واجبات، وهذا ما جعلها أساسية ومحورية في النظريات الليبرالية، إذ خدمتها جيدا في تأسيس مفهومها عن الحرية باعتبارها حرية من التدخل الخارجي على إرادة الفرد واستمتاعه بحقوقه الطبيعية ( 8) .
يذهب هوبز إلى أن المجتمع شئ مصطنع يؤلفه البشر لما فيه من فائدة تعود عليهم، وهو ليس نتاجا طبيعيا للطبيعة البشرية، لأن هذه الطبيعة لا تتعاون إلا بهدف المصلحة الشخصية. يقول هوبز: "لا نسعى للمجتمع من أجل ذاته ووفقا للطبيعة، بل من أجل الشرف والفائدة التي نحصل عليها منه؛ هذه هي ما نرغب فيه بصفة أساسية، أما المجتمع فهو ما نرغب فيه بصفة ثانوية. والطريقة التي يجتمع بها البشر تُعرف بمعرفتنا بالأشياء التي يفعلونها عندما يجتمعون. فإذا اجتمعوا لتجارة فمن الواضح أن كل واحد منهم لا يهتم بأخيه بل بنفسه ومصلحته" ( 9) وعلى الرغم من أن هوبز يحتفظ بالتحديد اليوناني لهدف الإجتماع البشري والذي يضعه في الخير العام، إلا أنه يغير من معنى الخير العام بحيث يصبح المصلحة الشخصية لكل فرد من الأفراد المجتمعين؛ وبذلك يقدم هوبز تعريفا جديدا للخير يضعه في قياس منطقي شبه أرسطي، إذ يذهب إلى أن الاجتماع البشري من أجل الخير العام، وهذا الخير العام هو مجموع المصالح الشخصية للأفراد، أي هو مصلحة شخصية معممة على المجتمع كله، وهذه المصلحة تتأسس في الربح والفائدة التي يحصل عليها المرء، والربح والفائدة يتمثلان في تجنب الألم والحصول على المتع التي تؤثر في الحواس مباشرة ( 10) .
والبشر متساوون في حالة الطبيعة الأولى، ومن تساويهم يأتي حقهم المتبادل في أن يحفظوا حياتهم ويسعوا وراء المنافع الشخصية؛ وهذا ما يؤدي إلى صدامهم مع بعضهم البعض. وليس هناك سبب ليجعل أحدهم يردع نفسه عن إلحاق الأذى بالآخر، لأن لكل واحد منهم الحق المطلق في الدفاع عن نفسه وفي فعل ما يشاء في الآخر وفي التعامل معه بمثل ما يتعامل الآخر معه. وأقصى ما يمكن أن يرتكب ضد الآخر في حالة الطبيعة هو القتل، وبالتالي فالقتل مباح ضد الجميع إذ ليست عليه أية قيود، وهنا يقول هوبز مقولته الشهيرة أن حالة الطبيعة هي "حرب الكل ضد الكل" Bellum Omnis contra Omnis .وعندما يكتشف البشر أن حالة الطبيعة خطرة على حياتهم كأفراد يسعون للتخلي عنها عن طريق الاتفاق على شكل من النظام، وهو نظام الغاية الأساسية منه حماية المرء من أخيه ومن الحرية المطلقة للناس على بعضهم البعض والتي تؤدي في النهاية إلى فقدان الحياة. هذا النظام إما أن يفرض بالعنف ويحفظ بالقوة وبالتهديد المستمر باستخدام القوة، أو يتم التوصل إليه برضاء الأطراف؛ والملاحظ أنه في الحالتين يتم التوصل إلى اتفاق وعقد، سواء باستخدام القوة أو بدونها ( 11) .
أما لوك فإن نظريته في حالة الطبيعة تختلف عن نظرية هوبز، على الرغم من احتفاظها بمعالمها الرئيسية. إن حالة الطبيعة عند لوك هي الحالة التي يجد البشر أنفسهم عليها عندما تختفي السلطة السياسية من بينهم. ويميل لوك إلى الاعتقاد في أن حالة الطبيعة ملازمة للمجتمع البشري سواء قبل ظهور السلطة السياسية أو بعدها، لأن المجتمع مهدد دائما بالعودة إليها، طالما أن أي نظام سياسي عرضة للإنهيار. والفرق الأساسي بينه وبين هوبز أنه يضع الحق الطبيعي في حالة الطبيعة ويذهب إلى أن سبب الصراع فيها هو الرغبة في حماية الحق الطبيعي لكل فرد وفي رغبة كل فرد في معاقبة كل من يتعدى على حقوقه الطبيعية بنفسه ( 12) ؛ في حين أن حرب الكل ضد الكل عند هوبز سببها تصادم المصالح الخاصة للأفراد.
إن حالة الطبيعة الأولى لدى لوك هي حالة من الحقوق الكاملة، إذ يذهب إلى أن الانتقال منها إلى المجتمع المدني لا يأتي بأي حقوق جديدة لم تكن موجودة في الحالة الأولى؛ بل إن تنظيمات المجتمع المدني نفسها هي والحكومة لا تعمل إلا على الحفاظ على الحقوق الطبيعية الموجودة في الحالة الأولى. لا يخلق الاجتماع أية حقوق جديدة عند لوك، ومعنى هذا أن الحقوق التي يأتي النظام السياسي ليضمنها ويحميها هي الحقوق الفردية أساسا، لأن حقوق الحالة الأولى هي حقوق فردية في الأساس. كما تعني نظرية لوك هذه أن الحقوق هي حقوق أفراد فقط، وأن المجتمع، لكونه كيانا مصطنعا، فهو لا يتمتع بالشخصية الاعتبارية وليست له أية حقوق مختلفة عن حقوق الأفراد. والحقيقة أن هذه النظرية تلغي المجتمع باعتباره مقولة مستقلة من النظرية السياسية. كما تعني تلك النظرية أيضا أن الأفراد إذا ما حصلوا على حقوقهم فليس هناك ما يدعو إلى البحث عن مزيد من الحقوق للكيان الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وقد أدت هذه النظرية إلى صعود المفهوم الشكلي عن الحقوق والحريات باعتبارها ضمانات للأفراد؛ وعندما يتم اختزال الحقوق إلى حقوق فردية يؤدي ذلك إلى تفتيت الكل الاجتماعي بسعي كل فرد نحو حقوقه وانصرافه لشئونه الخاصة، والحقيقة أن هذا الوضع هو في حقيقته حالة من الطبيعة الأولى كامنة في المجتمع المدني، بحيث تصبح الحالة الأولى باعتبارها صراعا دائما بين الأفراد ملازمة للمجتمع، ولا تستطيع أي سلطة سياسية تدعي أنها تضمن الحقوق الفردية القضاء على تلك الحالة الأولى الكامنة في المجتمع، بل على العكس تعمل على إدامتها.
لم تكن حالة الطبيعة الأولى هي الجزء الأول من نظرية هوبز السياسية، بل سبقتها نظرية أخرى في الحركة الفيزيائية للجسد البشري والجسد الاجتماعي. يبدأ هوبز مؤلفاته السياسية بنظرية في المادة وحركتها وفي ميكانيكا الأجساد العضوية، ثم ينتقل منها إلى البحث في ميكانيكا حركة الأفراد في المجتمع، ثم يتوصل إلى أن حركة الأفراد هذه ينتج عنها المجتمع، أي أن الحركة الفيزيائية تؤدي إلى حراك اجتماعي وبالتالي إلى ظهور نظام اجتماعي. فالمجتمع عند هوبز عبارة عن نسق من الحركة الفيزيائية للأفراد. وبالتالي فالكل الاجتماعي لا يتحرك إلا بحركة أجزائه وليست له حركة من ذاته مستقلة عن الأفراد. والحقيقة أن من نقدوا الفكر الليبرالي مثل هيجل وماركس وماكفيرسون أكدوا مرارا على أن الحركة الفيزيائية للأفراد لا يمكنها من ذاتها أن تؤدي إلى حركة اجتماعية أو نظام اجتماعي، لأن الأفراد لا يتحركون إلا انطلاقا من مجتمع قائم بالفعل وحسب الحركة التي يتيحها النظام الاجتماعي القائم ( 13) ، وهم بذلك يؤكدون على أن الحركة الحقيقية هي حركة المجتمع الذي يدفع أفراده لتغيير موضعهم، ذلك لأن ظروفا اجتماعية هي التي تدفع الأفراد نحو الحركة وليست دوافع فردية؛ فالكل الاجتماعي لديهم سابق على أفراده وهو الذي يحركهم لا العكس.
كما أن حالة الطبيعة ليست هي الحالة الأولى التي بدأ عندها الإنسان قبل قيام التنظيم السياسي، بل هي حسب نقد هيجل وليو شتراوس وماكفيرسون لهوبز تجريد من المجتمع القائم بالفعل. لا يتكلم هوبز عن الحالة السابقة على الاجتماع والتنظيم، بل عن الحالة التي تنتج إذا خلا المجتمع من أي تنظيم، وإذا انفك الرابط الاجتماعي بين الناس. والدليل على ذلك أن حالة الطبيعة التي وصفها هوبز تفترض وجود مجتمع قائم بالفعل، ذلك لأنها حالة ثورة وحرب أهلية، حالة اختفاء السلطة والمجتمع، ذلك الاختفاء الذي يؤدي إلى اندلاع الحرب؛ إنها في حقيقتها حالة المجتمع الإنجليزي وقت الحرب الأهلية في القرن السابع عشر. عندما تختفي السلطة في المجتمع يسعى كل فرد نحو صالحه الشخصي وحفظ ذاته وحياته والاحتياز على أكبر قدر من القوة.
وعلى العكس من فكرة هوبز عن حالة الطبيعة، يذهب لوك إلى أنها ليس من الضروري أن تكون حالة أولية بدائية سابقة على المجتمع المدني بل يمكن أن تكون موجودة في حالة وجود المجتمع. ويميل لوك وفق ذلك إلى اعتبارها حالة من غياب الحكومة لا غياب المجتمع كله ( 14) ، ذلك لأن حالة الطبيعة يسودها قانون طبيعي، ولا يمكن تصور وجود قانون طبيعي وسط همج أو برابرة مثل هنود أمريكا الشمالية. حالة الطبيعة يمكن أن تكون حالة المستوطنين الأوائل لأمريكا لا حالة الهنود الحمر، ذلك لأنهم كانوا ينتمون إلى مجتمعات وحكومات في أوروبا قبل انتقالهم لأمريكا ثم وجدوا أنفسهم بدونهما. ويعد هذا التصور عن حالة الطبيعة مختلفا تماما عن تصور راولز مثلا لما يسميه الوضع الأصلي، إذ ينظر إليه نفس نظرة هوبز على أنه حالة بدائية تسبق ظهور المجتمع.
وإذا كانت حالة الطبيعة هي حالة اختفاء الدولة وأية تنظيمات سياسية كبيرة، فإننا يمكن أن نبحث في التاريخ عن عصور اختفت فيها الدولة لنجعلها معيارا لمفهوم حالة الطبيعة لدى الفكر السياسي الليبرالي. وبالفعل فقد وجد عصر اختفت فيه الدولة وهو عصر الانتقال التاريخي من العصور الوسطى إلى العصر الحديث في أوروبا. في هذا العصر لم تكن الدولة الحديثة قد ظهرت بعد، كما شهد اختفاء الدولة الرومانية واضمحلت فيه سلطات الملكيات القديمة وتجزأ فيه الكل الاجتماعي إلى دويلات ومدن مستقلة وإقطاعيات. وحينذاك شكل التجار والفرسان ورجال الدين والنبلاء مجتمعات خاصة بهم ونظموا أنفسهم في جمعيات ونقابات وذلك لمواجهة حالة اللانظام والفوضى الناتجة عن اختفاء الدولة. وما نستخلصه من هذه الحقيقة أنه عندما وُجدت حالة طبيعية واقعية شهدت اختفاء الدولة لم تكن مكونة من أفراد متصارعين كما ذهب هوبز ولوك، بل من تنظيمات اجتماعية ضمت أفرادها في ظل مصلحة عامة مشتركة.
لكن هل حالة الطبيعة الأولى مجرد افتراض نظري لم يكن له وجود في الواقع؟ لقد رأينا أن حالة المستوطنين الأوروبيين لأمريكا الشمالية كانت بالفعل حالة من الطبيعة الأولى، وقد ظهر ذلك واضحا في عملية الإبادة الجماعية للعرق الهندي هناك، فقد كانت حربا للكل ضد الكل، لا بمعنى أنها حرب بين الأفراد وبعضهم، بل بمعنى أنها كانت حربا للمستوطنين البيض باعتبارهم كلا على العرق الهندي باعتبارهم كلا أيضا.
كما أن حالة حرب الكل ضد الكل هي حالة واقعية وتاريخية حدثت مرارا في تاريخ الجنس البشري باعتبارها حربا عالمية؛ وقد أشار هيجل إلى أن هذه الحالة هي السائدة بين الدول. فعلى العكس من تأملات كانط التي بشرت بإمكانية الوصول لسلام دائم بين الدول، ذهب هيجل إلى أن العلاقات الدولية بين دول كل منها ذات سيادة لا يمكن أن تكون إلا حالة من الطبيعة الأولى التي تميزها الحرب بصفة أساسية. يقول هيجل: "تتمثل القضية الأساسية للقانون الدولي في أن المعاهدات باعتبارها أساس الإلزامات بين الدول يجب أن تُحفظ"، أي أن أساس القانون الدولي ما هو إلا إلزام أخلاقي يحدد ما يجب أن يكون، وليست له سوى سلطة أخلاقية ولا يحوز على قوة من ذاته تجعل الدول تلتزم به، "..وبما أن سيادة الدولة هي أساس علاقاتها مع غيرها، فإن الدول بذلك تكون في حالة الطبيعة الأولى بالنسبة لبعضها البعض. فحقوقها لا تتحقق إلا من خلال إراداتها الفردية لا من خلال إرادة عامة (تفوق الدول وتشكل) قوة دستورية فوقها" ( 15) . إن العلاقات الدولية بين الدول باعتبارها كيانات جزئية قائمة بذاتها كما لو كانت أفرادا هي حالة من الطبيعة الأولى كما وصفها هوبز ولوك، إذ يفرض الأقوى إرادته وقانونه على الأضعف.
وتتضح مواجهة هيجل لليبرالية السياسية من قوله أن حالة الطبيعة وقانون الطبيعة الذي يصدر عنها هو سيادة الأقوى وغلبة القوة والعنف والفوضى، حالة يجب على البشر أن يتخطوها. أما حالة المجتمع فهي الحالة التي يظهر فيها الحق. والحق لا يظهر في حالة الطبيعة الأولى بل في حالة المجتمع، "والذي يجب أن يقيد ويضحى به هو الإرادة الهوجاء والعنف في حالة الطبيعة" ( 16) لا الحق الطبيعي للأفراد الذين تذهب النظريات الليبرالية إلى أنهم يحوزون عليه بالكامل في حالة الطبيعة والذين يقيدون جزءا منه ويستغنون عنه في سبيل إقامة النظام السياسي. البشر لا يضحون بجزء من حقوقهم وحرياتهم في سبيل الانتقال إلى الحالة الاجتماعية، بل يقيدون الهمجية والعنف السائد في حالة الطبيعة.
إن مفهوم حالة الطبيعة الأولى باعتباره جزءا أول من النظرية السياسية الليبرالية ينطوي على عملية تجريد من المجتمعات القائمة بالفعل، فهو يضع في حالة الطبيعة الأولى الخصائص التي تصلح لأن ينبني عليها المجتمع والنظام السياسي حسب الرؤية الليبرالية لهما. فحالة الطبيعة في هذه النظريات هي حالة الحقوق الكاملة والحريات المطلقة، كما لو أن كل نظام يأتي بعد الحالة الأولى يشكل قيودا على الحقوق الأصلية والحريات الأصلية. كما أن تأسيس المجتمع والسلطة السياسية لا يلغي حالة الطبيعة الأولى وينحيها جانبا بغير رجعة، ذلك لأن حالة الطبيعة تظل كامنة ومحايثة لكل نظام يأتي بعدها، تظل الشبح الذي يحوم فوق النظام الاجتماعي ويهدده بالعودة مرة أخرى إذا ما فشل هذا النظام. وبذلك يكون المفهوم جزءا من حجة دائرية تضع في المقدمات ما تريد إثباته وتجعل بداية الحجة تصادر على المطلوب، كما أنها تفسر نشأة النظام انطلاقا من الرغبة في تجاوز الحالة الأولى، وتفسر الحالة الأولى على أنها اختفاء للنظام وبذلك تجعلها ملازمة لكل نظام، إذ هي ما يظهر في حالة فشله. هذا بالإضافة إلى أن تصور هوبز عن النظام الذي ينتج عن الحالة الأولى ليس نظاما اجتماعيا وسياسيا حقيقيا بل هو شكل من أشكال الحالة الأولى، إنه تنويعة على الحالة الأولى وتطورا لها لا إلغاءا كاملا لها وحلولا محلها؛ ذلك لأن النظام وفق هوبز يتحقق بإرادة الأقوى وتسليم الجميع له، حتى لو كان هذا الأقوى مجموعة من الأفراد أو كيانا مصطنعا يسمى المجتمع أو "الإنسان المصطنع" ( 17) .
إن السبب الذي جعلنا نتناول بإسهاب الانتقادات التي وجهت لمفهوم الحالة الأولى أن هذا المفهوم قد عاد ليكتسب أهمية على يد جون راولز الذي أعاد صياغته تحت مسمى "الوضع الأصلي" The Original Position . فبينما كان يشير تاريخ الفكر السياسي التالي على هيجل إلى تناقص الاهتمام بمفهوم الحالة الأولى وعدم تشكيله لمنطلق أي نظرية سياسية، عاد هذا المبحث إلى الظهور في كتاب راولز "نظرية العدالة" A Theory of Justice سنة 1971. وقد عاد بشكل جديد وبمبررات ودعائم مختلفة. لقد كان راولز في حاجة إلى إحياء مبحث الحالة الأولى للتأكيد على المساواة الأصلية للبشر، وفي نفس الوقت لتبرير كل أوجه اللامساواة على أنها نتيجة لاختلاف الكفاءة الشخصية لكل فرد والتي ينميها انطلاقا من الوضع الأصلي للبشر والمتمثل في عدم التمايز في المهارة بين الأفراد.
3-الحق الطبيعي:
تحمل نظرية هوبز في الحق الطبيعي طابعا ميكانيكيا واضحا مصدره الرؤية المادية التي يعتنقها والنـزعة التجريبية الميكانيكية التي تميز رؤيته لعالم الطبيعة والعالم الإنساني على السواء. يستنتج هوبز الحقوق الطبيعية من الطبيعة البشرية، فهو يذهب إلى أن البشر كائنات ميكانيكية متحركة، ولكي تستمر في الحركة يجب أن تشبع حاجاتها. إشباع الحاجات إذن جزء أساسي من الحق الطبيعي للإنسان. والحاجات الأساسية للإنسان هي الحاجات اللازمة في استمراره في الحركة وهي حفظ حياته بتوفير مأكل وملبس ومأوى وحماية ( 18) . ولا يستطيع الإنسان تأمين هذه العناصر إلا إذا كان مالكا لمصادرها، وبالتالي فحق ملكية مصدر إشباع الحاجات هو الحق الطبيعي الأول والأساسي. نرى هنا كيف تؤدي حجة هوبز منطقيا من الطبيعة البشرية إلى حقوقها الطبيعية ثم إلى حق الملكية الذي يعد الهدف الأساسي لمبحث هوبز في الطبيعة البشرية. كما نرى كيف أن النـزعة المادية الميكانيكية تعد خيطا واحدا يربط نظريته في المعرفة بفلسفته الطبيعية وفلسفته في الإنسان وتصوره عن طبيعة المجتمع البشري.
والحقيقة أن المبادئ الليبرالية كانت ثورية وتقدمية في عصرها، القرن السابع عشر الذي كان الإقطاع فيه لا يزال منتشرا، ولا تزال فكرة الحق الإلهي للملوك قائمة. في ظل نظام إقطاعي ونظامه التراتبي تظهر الفردية الليبرالية على أنها ثورية وتقدمية بالمقارنة، لكنها تتحول إلى أيديولوجيا في فترة لاحقة، تتحول إلى نظرية تبريرية للأوضاع القائمة عندما تنقلب هذه الأوضاع ذاتها إلى قوة قمعية وتظهر سلبياتها على المجتمع.
يتصف مفهوم الحق الطبيعي بعدد من الخصائص المميزة وهي:
1. المساواتية: Egalitarianism ويعد توماس هوبز هو أول من ظهرت لديه هذه الفكرة، إلا أنه يبنيها على معان سلبية. إذ يذهب هوبز إلى أنه على الرغم من الاختلاف بين القوي والضعيف إلا أن الضعيف يمكن أن يقتل القوي، وبذلك فهما متساويان. لاحظ كيف يضع هوبز أساس التساوي في إمكانية القتل المتبادل التي يشترك فيها القوي والضعيف؛ إنه يؤسس مفهوم المساواة على إمكانية القتل المتبادل. كما يذهب إلى أنه على الرغم من الاختلاف في الثقافة والتعليم إلا أن الجاهل يتساوى مع المتعلم في القدرة على التدبر Prudence ، أي السعي نحو تحقيق المصلحة الشخصية والنجاح الفردي.
2. الفردية: Individualism . بينما ذهب فلاسفة اليونان إلى أن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، ذهبت نظريات الحق الطبيعي على العكس من ذلك إلى أنه غير اجتماعي بطبعه، ويرجع ذلك إلى أن الأفراد متساوين وبالتالي ينزعون دائما نحو الاستقلال عن الجماعة والتميز عنها، ونحو التخلص المستمر من أي قوة تفرض عليهم. ومن هنا فإن أي التزام من أي نوع يكون ضروريا لنشأة المجتمع يحتاج إلى تفسير من نوع خاص. فالنظام السياسي بذلك يصبح نتيجة اتفاق وإجماع بين أفراد، ويصبح في نفس الوقت شيئا مصطنعا، ويمكن بذلك أن يكون مؤقتا ومزعزع الأسس لأنه عرضة للتغير الدائم ( 19) .
3. الطوعية: Voluntarism . بما أن الحالة الأساسية للإنسان هي حالة المساواة وحالة اللامجتمع يصبح أي نظام نتيجة للفعل الطوعي للأفراد. ومعنى ذلك أن المجتمع من صنع الأفراد وتابع لإرادتهم بحيث يستطيعون تغييره أو تعديله كيفما شاؤوا. والحقيقة أن هذه الفكرة من أكثر الأفكار الليبرالية ثورية، وهي السبب وراء ظهور الفكر الليبرالي بمظهر القوة التقدمية الثورية في مرحلة صعود البورجوازية، ذلك أن فكرة المجتمع باعتباره من صنع الأفراد كانت مواجهة لفكرة المجتمع باعتباره رابطة طبيعية تقليدية والتي كانت تسود العصور الوسطي والنظام الإقطاعي بها. لقد كانت هذه الفكرة هادمة لأسس الإقطاع بتركيزها على أولوية الأفراد في صنع المجتمع، لكنها سرعان ما تحولت إلى فكرة أيديولوجية عندما استخدمت لهدم كل محاولة لوضع تشكيلة إجتماعية مختلفة عن التشكيلة البورجوازية بتركيزها على تفتيت الكل الاجتماعي إلى أفراد ( 20) .
4. الاختزالية: Reductionism. المعرفة لدى نظريات الحق الطبيعي هي اختزال أو رد الكل إلى أجزاءه المكونة له على اعتبار أنه مركب من هذه الأجزاء المستقلة عن بعضها، وعلى أساس أن التركيب بينها ليس إلا تجاورا مكانيا لا تفاعلا واعتمادا متبادلا. ومعرفة العالم الاجتماعي تتحقق برد هذا العالم إلى أجزائه الصغيرة الذرية، أي الأفراد، وممارسة رد آخر للأفراد إلى سلوكهم، وإرجاع هذا السلوك إلى الرغبات والحاجات. وبذلك يكون النموذج الأعلى والمثالي لعلم السياسة علم نفس ميكانيكي وآلي للنـزعات والرغبات. وبما أن الرغبة الأساسية للإنسان هي حفظ الذات، تكون السياسة كلها مجالا للمصلحة الشخصية؛ لا لمصلحة أشخاص معينين بالطبع، بل للمصلحة الشخصية في ذاتها باعتبارها قيمة معممة على المجتمع كله. ويطلق على هذا الشكل من ممارسة المعرفة "التحليل" Analysis ، وقد طبعت الفلسفة التحليلية كل فكر ليبرالي وشكلت له الأساس الإبستمولوجي منذ هوبز ولوك وعبر هيوم وبنتام وميل وحتى فريدريك هايك وميلتون فريدمان.
5. الكلية: Universalism . ينـزع مفكرو الحق الطبيعي نحو وضع خصائص عامة تميز ما يسمونه بالطبيعة الإنسانية التي يعتبرونها ثابتة على مر الزمان وفي كل مكان، وانطلاقا من هذه الطبيعة البشرية يستنتجون نظرية في السيادة وفي شكل الحكومة يدعون أنها هي المتفقة معها ( 21) .
وقد تعرضت نظرية الحق الطبيعي لانتقادات عديدة أهمها نقد إدموند بيرك في أواخر القرن الثامن عشر، ونقد هيجل في أوائل القرن التاسع عشر والسابق الإشارة إليه، ونقد المفكر القانوني هالويل في النصف الأول من القرن العشرين. ينقد بيرك مفهوم الحق الطبيعي باعتباره مفهوما ميتافيزيقيا "يدخل الحياة العامة كما لو أنه أشعة من الضوء تدخل وسطا كثيفا، وتنحرف وتنكسر عن مسارها المستقيم.. وفي وسط الكتلة الكبيرة والمعقدة من المشاعر والاهتمامات الإنسانية تمر الحقوق البدائية للناس بعمليات متنوعة من الانحرافات والانكسارات والانعكاسات بحيث يصبح من اللغو الحديث عنها كما لو أنها استمرت في بساطتها واتجاهها الأصلي" ( 22). يفترض بيرك، تمشيا مع نظريات هوبز وجروشيوس ولوك، أنه قد وجدت حقوق طبيعية للبشر في الحالة الأولى، لكنه يشك في احتمال أن تكون هذه الحقوق قد انتقلت كما هي وبكاملها إلى المجتمع بعد تأسيس النظام الاجتماعي وترك الحالة الأولى، ذلك لأن الحقوق الطبيعية لن تثبت على حالها البدائي الذي ظهرت به في الحالة الأولى، وواقعة دخولها المجتمع المدني تغير من طبيعتها واتجاهها بحيث أنها لا تعد حقوقا ولا تعد طبيعية بل تصير شيئا آخر غير الذي كانت عليه. صحيح أنه قد كانت هناك حقوقا طبيعية في الحالة الأولى، إلا أنها لم تعد طبيعية ولم تعد حقوقا بمجرد دخولها في نسيج الحياة العامة، كما لا يمكن العودة إليها أو حتى إعادة صياغتها بمفردات المجتمع المدني.
أما هالويل فيلسوف القانون فيذهب إلى أن المفكرين الليبراليين في القرن السابع عشر أمثال جروشيوس ومدرسته، بالإضافة إلى سبينوزا، كانوا يعتقدون في نظريتين مختلفتين عن الحقوق. تقول النظرية الأولى أن الأفراد يقبلون القانون ويخضعون للنظام لأن هذا القانون يصدر عن حقائق وقيم خالدة، فهذا هو مصدر شرعيته؛ وتُعرف هذه الحقائق والقيم الخالدة عن طريق العقل والضمير. أما النظرية الثانية فتقول أن الأفراد يخضعون للقانون لأنه صادر عن إرادتهم الحرة وعن إجماعهم واتفاقهم. ولم يكن هؤلاء المفكرين على وعي بأن هاتين النظريتين متعارضتين، وذلك يرجع إلى تمسكهم بالتراث الديني المسيحي وبعقلية القرن السابع عشر التي تفترض أسسا مطلقة لفكرة الحقوق الطبيعية ( 23) . ومصدر التعارض بين النظريتين أن الأفراد من الممكن أن يتفقوا على ما يتعارض مع القانون الطبيعي باعتباره حقائق وقيم خالدة، فمن الممكن أن يتفقوا على إبادة شعب آخر أو احتلال أرضه أو استغلاله؛ فليس كل ما يتفق عليه الناس متفقا مع القانون الطبيعي.
ومع تحول الفكر الليبرالي إلى أيديولوجيا تبريرية للرأسمالية وتجسده في الأنظمة القانونية للدول الغربية تحولت الليبرالية إلى صيغة شكلية واتخذت طابعا وضعيا. إذ تم رفض كل القيود الاجتماعية على الإرادة الذاتية، وبالتالي تحولت الحقوق الطبيعية إلى حقوق فردية، ولم تعد هذه الحقوق الفردية تظهر على أنها خصائص إنسانية موضوعية، بل باعتبارها امتيازات شكلية قضائية. كما لم تعد فكرة النظام الطبيعي الذي يضم الفرد والدولة إمكانية قابلة للتحقيق أو نظاما عقلانيا يتطلب من الأفراد جهدا لتحقيقه، بل أصبحت أيديولوجيا تستخدم في إسكات كل معارضة للنظام باعتبارها عصيانا وخروجا على الإجماع ( 24) .
كما أدى تجمد المبادئ الليبرالية في صيغ قانونية شكلية وتحولها إلى أيديولوجيا تبريرية أن أصبحت فكرة الحق الطبيعي في التملك الخاص مبررا للنظام الرأسمالي والاستغلال الذي يمارسه. إن مبدأ الملكية الذي تكلم عنه لوك في القرن السابع عشر يختلف تماما عن مفهوم الملكية في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد كان لوك يقصد الملكية الصغيرة التي تمكن المرء من تلبية احتياجاته، وتختلف هذه تماما عن الملكية الاحتكارية لعمل الغير ولوسائل الإنتاج في الاقتصاد المعاصر ( 25) . لم يكن لوك يعرف ملكية المؤسسات الاحتكارية، بل كان يقصد الملكية التي يمكن للفرد أن يحوز عليها بنفسه ويشتغل عليها بعمله. عندما تنظر ليبرالية القرنين التاسع عشر والعشرين إلى الملكية الخاصة على أنها حق طبيعي فهذا يعني أنها تضفي الشرعية على استغلال عمل الغير والاستحواذ على الموارد الطبيعية ووسائل الإنتاج لجني الربح الشخصي. ولم يكن هذا ما يقصده لوك أبدا.
إذا كان لفكرة الحق الطبيعي محتوى من الصدق بعيدا عن الإطار الأيديولوجي الذي نشأت وصيغت فيه واستخدمت للدفاع عنه، أي إذا كانت تعبر بالفعل عن حقوق إنسانية ثابتة وخالدة، فإن نقد ماركس يستطيع أيضا أن يعبر عن هذا المحتوى ويفسره. فماركس يذهب إلى أن مفاهيم الحق الطبيعي كانت بالفعل تعبيرا صادقا عن البورجوازية ورؤيتها للعالم وللمجتمع، وعن وضعها الطبقي ومشروعها في تغيير العلاقات الاجتماعية والنظام الإقطاعي القديم، إذ لم تكن هذه المفاهيم مجرد أكاذيب أو أوهام. لكن مصداقيتها ومشروعيتها ليست مطلقة بل هي صادقة ومشروعة طالما كانت تعبيرا عن فكر الطبقة التي تتبناها وعن أوضاعها الاجتماعية الواقعية ومشروعها السياسي، إلا أنها تحولت إلى مفاهيم أيديولوجية عندما حاولت البورجوازية فرضها على باقي طبقات المجتمع واستخدامها لفرض سيطرتها وكبت التناقضات الطبقية والتعتيم عليها ( 26) ، وبذلك تحولت فكرة الحق الطبيعي من قوة تحرر إلى قوة هيمنة، والسبب أنها استخدمت لتبرير حق التملك الخاص لعمل الغير ولوسائل الإنتاج، وتحول الحق الطبيعي للفرد في حياة ومأوى وعمل وحماية إلى حق طبيعي في الاستحواذ اللانهائي على الملكية والثروة، وبالتالي على عمل الآخرين.
والملاحظ أن هوبز ولوك قد اهتما بالحقوق أكثر من اهتمامهما بالحريات، وهذا يرجع إلى أنهما كانا ينظران إلى الحق باعتباره الضامن الحرية، فحق الملكية الخاصة مثلا كان هو الضامن الأساسي للحرية الشخصية والمدنية لديهما. أما الفكر الليبرالي المعاصر والذي يتجسد في أعمال فريدريك هايك وجون راولز، فقد اهتم على العكس بالحريات أكثر من اهتمامه بالحقوق. لقد كان اهتمام هوبز ولوك منصبا على الحقوق لأنها كانت موضوعا حيويا وحساسا يتصل بقوة بالظروف الاجتماعية لعصرهما؛ إذ شهد ذلك العصر استمرارا للحق الأرستقراطي الوراثي والحق الملكي الإلهي؛ ولذلك فقد أتيا بنوع جديد من الحقوق أكثر جذرية وأكثر ثورية وهو الحق الطبيعي الإنساني، واستعانا بالكتاب المقدس للتدليل على وجود مثل هذا الحق، أي ليثبتا أن الكتاب المقدس يؤيد الحق الطبيعي للإنسان لا الحق الإلهي للملوك، ساحبين بذلك البساط من تحت أقدام السلطة الكنسية التي كانت متحالفة مع الإقطاع والملكيات المستبدة في أوروبا. موضوع الحق إذن كان موضوعا صراعيا ونضاليا بالنسبة لهما ولذلك أولياه عناية أكبر من مفهوم الحريات. أما هايك وراولز فهما على العكس يهتمان بالحريات أكثر من الحقوق، ذلك لأنهما اعتقدا أن الدساتير الديمقراطية الحديثة ضمنت الحقوق في حين أن المطلوب في نظرهما هو ضمان الحريات، وذلك لما عاصراه من صعود الأنظمة الشمولية في الشرق والغرب على السواء؛ كما أنهما لاحظا أن ضمان الحقوق يختلف عن ضمان الحريات، وأن الحرية يمكن أن تنكمش حتى في ظل دساتير تكفل الحقوق.
هذا بالإضافة إلى وجود دافع أيديولوجي وراء تركيزهما على الحريات، وهو أن الخوض في موضوع الحقوق سوف يأتي معه بحقوق أخرى غير الحقوق الفردية مثل الحقوق الاجتماعية التي ينكران وجودها من منطلق أن حرية الفرد هي حقه الوحيد الذي يمكن تصوره، وأن حرية كل أفراد المجتمع هي كل المطلوب، وبذلك يتم اختزال الحق الاجتماعي لديهما إلى حق الأفراد في الحرية وحسب. فإذا ما حاولا الخوض في موضوع الحقوق فسوف يجدان نفسيهما ينجرفان نحو إعطاء الأولوية للحق الاجتماعي الذي يتجاوز الأفراد، ونحو إعطاء الأولوية لما ينظران له على أنه يحمل شبهة الاشتراكية، في حين أنهما المدافعين الأثيرين عن الرأسمالية الليبرالية.
إن الحق الطبيعي الذي تقصده الليبرالية التقليدية هو حق فردي وشخصي، وينتهي في النهاية إلى أن يكون الحق في الملكية الخاصة. لم تهتم الليبرالية التقليدية سوى بالحق الطبيعي باعتباره حقا فرديا، لكن يمكننا فهم الحق الطبيعي من وجهة نظر أخرى، أي باعتباره حقا اجتماعيا. الحق الاجتماعي هو حق فئة اجتماعية كاملة في أن تحوز على حقوقها الاقتصادية والسياسية وما يقابلهما من مكانة اجتماعية. والحقيقة أن جميع النضالات الاجتماعية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت نضالات باسم الحقوق الاجتماعية، مثل حقوق العمال والفلاحين والزنوج وسكان المستعمرات والطلبة والنساء والأقليات في كل مكان. عندما تحصل فئة اجتماعية على حقوقها باعتبارها فئة يحصل أفرادها بالتالي على حقوقهم الفردية؛ لكن العكس ليس صحيحا، لأن حصول الأفراد على حقوق فردية لن ينهي التمييز والتحيز ضد الفئة التي ينتمون إليها أبدا. والحقيقة أن الالتفاف حول الحقوق الاجتماعية بإتاحة شئ من المميزات للأفراد كانت الأسلوب المفضل للنظم الحاكمة، وقد حدث ذلك في الرأسماليات الغربية من إعطاء مكاسب مادية ومميزات تأمينية للعمال، ورفع الحد الأدنى لأجور النساء التي كانت خلف أجور الرجال بمراحل، وإتاحة الفرصة للزنوج كأفراد في الصعود الاجتماعي مع عدم انتهاء التمييز العنصري ضدهم بالكامل وبقاء أوجه اللامساواة على حالها.
إن فهم الحق الطبيعي على أنه حق فردي يجعل نظريات الحق الطبيعي شكلية وصورية ومجردة وبدون مضمون عيني حقيقي، لأنها تركز على الفرد فقط، وهذا الفرد ما هو إلا تجريد؛ مقولة مجردة لانطباقها على كل فرد وأي فرد. ولا يتحقق المضمون العيني للحق الطبيعي إلا عندما يُفهم على أنه حق اجتماعي. هنا فقط يستطيع مفهوم الحق الطبيعي التخلص من الطابع الشكلي المجرد الذي يطبع الحق الفردي والشخصي ويتصف بالعينية والواقعية والامتلاء الواقعي عندما يصبح حقا اجتماعيا لطبقة أو فئة.
4- الحق في الملكية الخاصة:
كان الليبراليون الإنجليز في القرن السابع عشر هم أول من جعل الملكية الخاصة حقا طبيعيا، وأول من ربط بين الفردية والنـزعة الاستحواذية Possessivism . كما ذهبوا إلى أن الفرد لا يدين لأحد ولا لمجتمعه بملكيته، ولا تستتبع ملكيته هذه أي واجبات عليه نحو مجتمعه. هذا بالإضافة إلى أنهم وعلى رأسهم هوبز قد فهموا الحرية على أنها الحق في العزلة، أي في الانعزال عن الآخرين وإخراجهم عن نطاق ملكية الفرد ( 27) .
يأتي هوبز في سياق نظريته السياسية بمجموعة من الافتراضات التي لم يعلن عنها بوضوح، والتي يتضح فيها تأثير المجتمع البورجوازي الناشئ ونظامه الاقتصادي. فهو يذهب إلى أن العلاقات بين الناس في المجتمع تسير حسب ما يتمتع به كل فرد من قوة، وأن حركة المجتمع كله هي حركة القوى العاملة فيه ( 28) . والملاحظ أن علم الفيزياء المعاصر لهوبز كان يتكلم هو الآخر عن القوة وينظر لها ويعتبرها محركة الكون كله في صورة الجاذبية؛ بحيث ظهرت الفيزياء النيوتونية باعتبارها نظرية في قوة الجاذبية بصفة أساسية، وكانت جزءا مهما من التصور الميكانيكي عن العالم والذي بدأ يسود في النصف الثاني من القرن السابع عشر. هذا التصور الميكانيكي كان متزامنا مع اكتشاف الآلة وقدراتها الإنتاجية الخيالية، وبذلك أخذ العلماء يفهمون الطبيعة على أنها آلة كبيرة معقدة. إن التصور الميكانيكي عن العالم والإنسان عند هوبز هو انعكاس لهذا التطور الجديد في أسلوب الإنتاج والذي صاحب صعود البورجوازية.
وتحمل نظرية هوبز في القوة طابعا كميا، إذ تنظر إليها على أنه من المكن قياسها وتقييمها من قبل الطرف الآخر، وهي محل انتقال وزيادة ونقصان وانتزاع، وبذلك تكون مثل أي سلعة في السوق؛ وبالفعل فهناك سوق للقوة، فيه فرق بين ما يشعر به المرء من قوة وكرامة، وما يكون عند الناس من شعور نحوه بالقوة والكرامة، وفي الغالب فإن تقييم الناس لمدى قوته هو الذي يسود، مثلما يحدد حجم الطلب سعر السلعة. كما أن سعي المرء نحو مزيد من القوة ليس سعيا فطريا أو فسيولوجيا، بل هو يفترض حيازة المرء على ملكية يستطيع بها المطالبة بمزيد من القوة أو الاستحواذ على المزيد من الملكية بالاعتماد على ما عنده منها منذ البداية، فالملكية تتيح الحصول على المزيد منها، أما من لا يملك فلا يستطيع الحصول على أي شئ. إن مفهوم القوة عند هوبز كما نرى يفترض سوقا للقوى قائم على أساس السوق الاقتصادي بمعناه الرأسمالي، حيث لا يتم تبادل السلع وحسب، بل الممتلكات وقوة العمل البشرية ( 29) ؛ وعندما تكون قوة العمل البشري خاضعة لمنطق السوق، تباع وتشترى ويحتكر ما تنتجه من قبل آخرين غير أصحابها، وعندما يكون المرء مرغما على أن يبيع قوة عمله لآخر أو يموت جوعا، تضيع الكرامة الإنسانية وتصبح هي ذاتها سلعة تباع وتشترى في السوق
تحمل نظريتا هوبز ولوك تحيزا لصالح أصحاب الملكية وضد من لا يملكون. إذ يذهب هوبز إلى أن العامة The Common People ليس أمامهم سوى أن يقبلوا السلطة وسيادة الهيئة الحاكمة، طالما أنه ليس هناك بديل عنها. ذلك لأنه لا مصلحة لهم في مواجهة هذه السيادة أو في تدعيمها، لأنهم بطبيعة وضعهم خارج مجال السياسة الذي لا يشمل إلا أصحاب الملكية. هؤلاء العامة ليست لهم مصلحة مباشرة في الاعتراف بسيادة من يسودون، على العكس ممن يملكون، ويصبح العامة بذلك صفحة بيضاء قابلة لأن تكتب السلطة فيها ما تشاء. والملفت للنظر ظهور مفهوم الصفحة البيضاء Tabula Rasa في نظرية هوبز السياسية والذي يقصد بها العامة، قبل ظهورها لدى لوك في نظريته في المعرفة والتي قصد بها العقل قبل أن يتصل بالعالم التجريبي. ويستمر هوبز في الحديث عن العامة بقوله أن هؤلاء ترضيهم الاعتقادات الدينية وتجعلهم يقبلون بأوضاعهم، ولذلك سوف يكون من الأسهل جعلهم يقبلون السلطة بالعقل، أي من منطلق كونها تعبيرا عن العقلانية، وتكون السلطة تعبيرا عن العقلانية عندما تكون ضامنة لحقوق الملكية الخاصة. وكل ما على السلطة أن تفعله إزاء العامة هو تحرير جزء من وقت عملهم ليتلقوا التوجيهات من هؤلاء الذين يتولون مهمة نبرير السلطة أمامهم. وتعد وجهة نظر هوبز هذه إعلانا مبكرا وبسيطا عن المهمة الأيديولوجية للسلطة في ظل الرأسمالية وعن الوظيفة الأيديولوجية للدولة، إذ نجد في نظرية هوبز السابقة الشكل الأولي الجنيني لما سيتطور بعد ذلك في صورة الإعلام الحديث ومهمته الأيديولوجية في الهيمنة.
كما افترض لوك علاقة عمل مأجور في حالة الطبيعة الأولى، وذلك بقوله أن منتج العامل الذي يعمل لدي يعد ملكي وذلك دون اعتراف من آخرين ودون حاجة إلى إجماع المجتمع أو رضائه؛ وهو بذلك يخرج علاقة العمل المأجور من نطاق العقد الاجتماعي ( 30). كما جعل لوك حق الثورة هو الطريقة الوحيدة لممارسة المواطنة، لكنه في نفس الوقت سحب ذلك الحق من العمال المأجورين. وينظر لوك إلى هؤلاء على أنهم غوغاء وغير قادرين على الفعل السياسي العقلاني، وإذا اتحدوا فسوف يتحدون في عصيان مسلح، ولذلك أنكر عليهم حق الثورة الذي احتفظ به لأصحاب الملكية من الطبقة الوسطى( 31) . والحقيقة أن موقف لوك من العمال المأجورين هو نفس موقف النظام الرأسمالي طوال تاريخه، وهو أيضا موقف كل رجل أعمال إزاء من يعمل عنده.
حملت النظريتان السياسيتان لهوبز ولوك مسلمات مستقاة من ثلاثة مصادر: الاقتصاد الرأسمالي الناشئ، ونموذج السوق الرأسمالي، والمجتمع البورجوازي. فقد أعطت هذه العوامل الاقتصادية-الاجتماعية للمجتمعات الأوروبية في القرن السابع عشر حقا لم يكن موجودا من قبل، وهو الحق في التملك والاستحواذ غير المحدود والمراكمة اللامحدودة للثروة. ويبحث ماكفيرسون عن الأساس الفلسفي-القيمي الذي يكمن وراء هذا الحق الجديد ويحدده في تصور عن الطبيعة الإنسانية باعتبارها طبيعة راغبة في الأساس، والنظر إلى هذه الرغبة على أنها عقلانية ومشروعة؛ وما أضفى عليها العقلانية والمشروعية النظام الاقتصادي الناشئ المكون من العلاقات الرأسمالية والسوق الحر والطبقة البورجوازية التي كونت نفسها في ظل هذا النظام الجديد. والحقيقة أن الحق اللامحدود في التملك والاستحواذ يتحول عمليا إلى الحق في الاستخدام اللامحدود لقوى الآخرين وعملهم، بما أن النظام الرأسمالي يحول العمل إلى سلعة يستطيع المرء بيعها لآخرين ويعطي الحق للآخرين في شرائها والاستحواذ على كل ما تنتجه ( 32) .
5-العقد الاجتماعي:
تعد نظرية العقد الاجتماعي النتيجة المنطقية للمسلمات التي بدأ بها الفكر الليبرالي حول الطبيعة الإنسانية وطبيعة المجتمع. فلأن الفكر الليبرالي بدأ بالقول بأن اجتماع الناس مع بعضهم لا يكون حسب الطبيعة بل حسب الضرورة، وأن المجتمع شئ مصطنع أنشأه الأفراد لتبادل المنافع، فقد توصل هذا الفكر منطقيا إلى أن النظام الاجتماعي يكون نتيجة اتفاق بين الأطراف المشاركة في صنعه، ويعبر عن عقد أصلي بينهم لضمان الأمن والسلام المتبادل.
كان هوبز على وعي تام بأن أصل السلطة في العالم الحقيقي هو القوة، وبأن صاحب القوة هو الذي يستطيع فرض سلطته؛ ولو كان يعتقد في غير ذلك لكان قد ظهر على أنه أكثر المفكرين السياسيين سذاجة. لم يذهب هوبز إلى أن العقد الاجتماعي هو أصل السلطة، بل ذهب إلى أنه أصل النظام ( 33) ، أي الكل الاجتماعي الذي يجمع الأفراد والسلطة معا في جو من الأمن والسلام. فعلى الرغم من أن القوة هي أساس أي سلطة في أي مجتمع، إلا أن ما يضمن الأمن ويحمي أفراد المجتمع من الصراع المستمر مع بعضهم البعض ومع القوة السائدة اتفاقهم على أن يكفوا عن الحرب الدائمة ويضمنوا الأمن للجميع. صحيح أن الإجماع والاتفاق الذي يحققه العقد الاجتماعي متحقق بحضور قوة غالبة، وبفعلها، إلا أن قوة القهر وحدها ليست كافية لضمان الأمن، إذ يجب أن يقبل الناس السلطة طواعية ويسلموا لها بالشرعية ويكفوا عن حمل السلاح ويتخلوا لها عن حق استخدام العنف في ردع أي مخالف.
فلا يهم ما إذا كان مصدر السلطة غزوا لمجتمع أو استيلاء على أرض أو تحولا مؤسسيا من نظام في الحكم إلى نظام آخر، ففي كل تلك الحالات يجب أن تكون العلاقة بين السلطة والناس علاقة عقد يتخلى بموجبه الناس عن حقهم الطبيعي في استخدام القوة للسلطة باعتبارها الضامن الوحيد للأمن. والمواطنون عند هوبز يسلكون تجاه السلطة كما لو أنها ناشئة نتيجة هذا العقد، والسلطة كذلك تفعل نفس الشئ تجاههم، إذ تقدم نفسها لهم كما لو أنها تنشأ نتيجة اتفاقهم وإجماعهم عليها، وتقدم ذلك على أنه مصدر شرعيتها، في حين أن مصدر أي شرعية هو القوة. ويكون العقد الاجتماعي وفق تحليلنا هذا خداع متبادل ووهم سياسي كبير، لكنه وهم ضروري يجب اعتناقه وتبادله بين الناس ومع السلطة، لأنه يريح الجميع. ويتحول وهم العقد الاجتماعي هذا في عصرنا إلى وهم الديمقراطية، إذ يدعي الحاكم الديمقراطية دائما، في حين أنه دكتاتور، ويدعي المحكوم بأنه يعيش في ديمقراطية، في حين أنه مقهور.
هناك تناقض عميق في نظريات العقد الاجتماعي حول نشأة الدولة. فالدولة في هذه النظريات تنشأ من عقد أو اتفاق الناس حول النظام السياسي الذي سيحكمهم. الدولة إذن نتيجة إجماع عام شامل. إلا أن أي محاولة للخروج عن هذا الإجماع الذي تحقق لمرة واحدة وإلى الأبد سينظر إليها على أنها تمرد وخروج على الإجماع وعصيان وستقابل بالقمع والعقاب. صحيح أن لوك قد تحدث عن حق الثورة، أي حق الشعب في أن يثور على الحكومة الظالمة أو التي لا يرضى عنها، إلا أن ذلك لا يمكن أن يحدث. فالدولة تدافع عن نفسها في مواجهة أي حركة من هذا النوع بشراسة وعنف لا مثيل لهما. صحيح أن نشأة الدولة يمكن أن تكون بإجماع عام، إلا أنه لا يمكن أن يكون هناك إجماع على الإطاحة بالدولة؛ فالدولة بأجهزتها الأيديولوجية والقمعية سوف تعمل على عدم ظهور هذا الإجماع. من أسهل الأمور تحقيق إجماع للشعب حول النظام، إلا أن الإجماع لا يمكن أن ينعقد بنفس السهولة حول الإطاحة بالنظام. إن التناقض في هذه النظريات هو بين نوعي الإجماع، فهما ليسا متساويين وليسا على نفس الدرجة من الإمكانية والشرعية.
إن عملية تأسيس السلطة السياسية في الليبرالية التقليدية تتضمن طرفين: الأفراد والسلطة، إذ يكون منشأ السلطة تعاقد الأفراد فيما بينهم، وبذلك تصبح السلطة شركة مساهمة، والحقيقة أن هذا يكشف عن مفهوم البورجوازية للسلطة. كما تكشف الليبرالية التقليدية عن اختفاء المؤسسات الوسيطة بين الأفراد والدولة، في حين أن السلطة في العالم الواقعي إذا نشأت نتيجة تعاقد فهو يكون بين مؤسسات لا بين أفراد. إن النظرية السياسية الليبرالية تنظِّر لعلاقة ثنائية بين الأفراد والدولة. فلماذا غابت المؤسسات الوسيطة عنها؟ هل لأن العصر الذي ظهرت فيه لم يكن يعرف المؤسسات الوسيطة؟ كلا. فالعصور الوسطى الأوروربية عرفت تلك المؤسسات في صورة النقابات الحرفية واتحادات التجار. إن السبب في اختفاء المؤسسات الوسيطة التي تشكل جوهر المجتمع من الفكر السياسي الليبرالي هو الوضع الاجتماعي والسياسي للبورجوازية، ذلك لأنها قامت كطبقة باعتبارها أفرادا، وكانت الفردية والاستقلال الفردي الشرط الأساسي في عضوية تلك الطبقة، ولم يكن من الممكن للشخص أن يصبح فردا مستقلا إلا إذا كان يستطيع العيش وفق شروط الحياة البورجوازية. كما قامت البورجوازية كطبقة على أنقاض المؤسسات الوسيطة السابقة عليها في التاريخ الأوروبي مثل النقابات الحرفية. إن العلاقة الثنائية بين الأفراد والدولة في أدبيات الليبرالية التقليدية ما هي إلا انعكاس لعلاقة البورجوازية منذ نشأتها بالدولة: علاقة مباشرة دون توسط مؤسسات وسيطة، لأن البورجوازية كانت حريصة على ألا تقدم نفسها في صورة طبقة وأخفت نفسها دائما بتقديم نفسها في صورة أفراد مستقلين. ويرجع السبب في ذلك إلى أن البورجوازية كانت المقرض الأساسي للدولة منذ صعودها في جمهوريات شمال إيطاليا: البندقية، جنوة، ميلانو. كانت الدولة آنذاك مدينة للبورجوازية في صورة مقرضيها الأفراد.
كيف يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي الآن والمجتمع أصبح يتكون من فئات وطبقات وجماعات مصالح؟ لن يصبح مفهوم العقد ذا دلالة إلا إذا تصورناه على أنه وصف لما يحدث من اتفاقات ومساومات بين الأحزاب والقوى السياسية. وحتى المساومات التي تنتهي إلى اتفاق ما بين القوى السياسية لا تسير حسب منطق العقد الاجتماعي بل حسب منطق القوة؛ إن التهديد المستمر باللجوء للقوة هو الضامن الحقيقي للعقد الاجتماعي، إذ يصبح العقد بذلك هدنة مؤقتة ناتجة عن توازن بين القوة والقوة المضادة، وتخل مؤقت عن ممارسة العنف والعنف المضاد.
6-إشكالية النظام:
كيف يحدث النظام في المجتمع وفق الفكر الليبرالي؟ كانت إجابة فلاسفة الليبرالية على هذا السؤال بسيطة ومباشرة على مدى تاريخ الفكر الليبرالي كله والممتد عبر أربعة قرون: النظام في المجتمع يحدث تلقائيا وبدون تخطيط مسبق ومقصود.
تتضح فكرة تلقائية النظام من نظرية هوبز في حركة المجتمع ذات الطابع الميكانيكي. يأتي هوبز في سياق نظريته السياسية بمجموعة من الافتراضات التي لم يعلن عنها بوضوح، والتي يتضح فيها تأثير المجتمع البورجوازي الناشئ ونظامه الاقتصادي، كما يتضح فيها اشتراكه مع التصور العلمي السائد في عصره عن الحركة الفيزيائية. فهو يذهب إلى أن العلاقات بين الناس في المجتمع تسير حسب ما يتمتع به كل فرد من قوة، وأن حركة المجتمع كله هي حركة القوى العاملة فيه. والملاحظ أن علم الفيزياء المعاصر لهوبز كان يتكلم هو الآخر عن القوة ويُنظِّر لها ويعتبرها محركة الكون كله في صورة الجاذبية؛ بحيث ظهرت الفيزياء النيوتونية باعتبارها نظرية في قوة الجاذبية بصفة أساسية، وكانت جزءا مهما من التصور الميكانيكي عن العالم والذي بدأ يسود في النصف الثاني من القرن السابع عشر. لقد كان هوبز ينظر إلى المجتمع كما نظرت الفيزياء المعاصرة له إلى الكون، بحيث أدت به هذه النظرة إلى القول بأن النظام في المجتمع يحدث تلقائيا بفعل توازن قوى الأفراد مع بعضها والمناظر لتوازن قوى الجاذبية في الكون والذي ينتج عنه استقرار الكواكب في مداراتها وحركاتها حول النجوم.
والنظام في الفكر الليبرالي هو نظام المصالح الشخصية من حيث توافقها وليس نظاما من العلاقات الاجتماعية؛ ولا يؤمن الفكر الليبرالي "بوجود فاعلين اجتماعيين تحددهم القيم والعلاقات الاجتماعية في آن معا. بل يؤمن بالمصالح والامتيازات الخاصة ويسعى لأن يفسح لهما أوسع مجال ممكن" ( 34) كما أن للفكر الليبرالي موقف محدد من الغايات، فهو يتيح تعددا للغايات وحرية نحو تحقيق أي منها، ولكي يقوم بذلك يرفض أن يعطي لأي غاية قيمة مطلقة أو أفضلية على باقي الغايات؛ تصبح القيمة أو الغاية بذلك نسبية و"تكف عن أن تكون عقيدة وتكتفي بأن تكون إما مصلحة أو ميلا أو رأيا، ولا تستطيع المطالبة بفرض نفسها على الآخرين. وهذا ما ينطوي على صورة للحياة الاجتماعية تُستبعد منها المعتقدات والنزاعات الاجتماعية الأساسية في آن معا"( 35) . والحقيقة أن الرأي والميل والمصلحة هي ما يبدأ به الفكر الليبرالي وهي ما ينتهي إليه أيضا، وذلك كما نرى من نظريات هوبز ولوك وهيوم. والليبرالية بذلك تشبه الدائرة المغلقة التي تجعلنا نعود دوما إلى نقطة انطلاقنا، أي تبدأ بمجموعة من القيم التي تقدمها في صورة مسلمات حول الطبيعة البشرية لينتهي بها أيضا مقدما إياها في النهاية على أنها قيم سياسية.
شكل النظام مشكلة عويصة أمام الفكر الليبرالي وذلك لأنه ينكر من البداية أي استقلال للمجتمع عن أفراده المكونين له، ولهذا السبب نرى أن النظام عند هوبز يتحقق وسط تعارض المصالح الفردية عن طريق قوة غير شخصية هي قوة الدولة أو "التنين-اللفياثان" Leviathan كما أطلق عليها. كما يتحقق النظام عند لوك بعقد اجتماعي يتمثل جوهره الأساسي في أنه عقد بين أصحاب الملكيات الخاصة مستبعدا كل من لا يملك، وبذلك يتحول عقد لوك الاجتماعي إلى شركة مساهمة بين أصحاب الملكية ولا يرقى أبدا إلى مرتبة المجتمع الإنساني.
إن السبب الأساسي الذي يجعل النظام يشكل مشكلة عويصة الحل أمام الفكر الليبرالي هو أنه يقوم على الفصل الحاد والحاسم بين المجال الخاص والمجال العام، مجال الأفراد ومجال المجتمع والسلطة السياسية والدولة. إذ لا توجد وسائط بين المجالين بحيث تتحول السياسة إلى مجرد حماية للمجال الخاص، أي للملكية الفردية وحق الأفراد في الاستحواذ على المزيد منها. وتصبح الحكومة في ظل هذا النظام "لجنة لإدارة الشئون المشتركة للبورجوازية" كما قال ماركس وإنجلز ( 36) . ونتيجة مثل هذا الفصل بين المجال اخاص والمجال العام أن تصبح المبادئ الليبرالية في الحكم آلية لاختيار الحكام عن طريق الديمقراطية الشكلية، أي النظام الانتخابي الذي تضع فيه الصفوة السياسية رجالها أمام الشعب ليختاروا واحدا منهم. وعلى الرغم من أن الشعب هو الذي يختار حكامه في هذا النظام الشكلي، إلا أن هذا كله ليس سوى وهم كبير، لأن الحقيقة أن الحكام هم من يختارون أنفسهم.
وكما فصل الفكر الليبرالي بين المجال الخاص والمجال العام فقد خلط في نفس الوقت بين مستويين للممارسة السياسية، المستوى الداخلي للعلاقات بين السياسيين والأحزاب وأعضاء الحكومة، والمستوى الخارجي من العلاقات السياسية الكائنة بين المجتمع المدني والدولة أو القوى السياسية في المجتمع والسلطة السياسية، أو بين مستوى أصغر ومستوى أكبر في الممارسة السياسية؛ وهو ينقل الآليات التي تحكم المستوى الداخلي الأصغر إلى المستوى الخارجي الأكبر. إن السياسة باعتبارها مجموعة مساومات وتوازنات وحلول وسطى ومصالح متبادلة وضغوط هي السياسة كما يمارسها السياسيون أنفسهم من أعضاء حكومة وممثلي أحزاب ونواب وجماعات ضغط. ينقل الفكر الليبرالي هذه الصورة إلى المستوى السياسي الأكبر ويعتقد أن هذه هي نفس علاقة الشعب بالسياسة أو السلطة السياسية والدولة، أو علاقة المجتمع المدني ومؤسساته بالدولة، إلا أن هذا خطأ كبير. لكنه خطأ مبرر، فعندما تصبح الحكومة لجنة لإدارة الشئون المشتركة للبورجوازية، أو للرأسماليين أو لرجال الأعمال والمستثمرين، تصبح علاقة الشعب بالسلطة السياسية علاقة ضغط ومساومة وحلول وسطى بعد أن أصبحت تلك السلطة تعبيرا عن مصالح رأس المال، وبذلك تتحول السياسة إلى مساومات وضغوط وحلول وسطى بين الشعب وممثلي رأس المال المتحكمين في سلطة الدولة.
إن رفض الفكر الليبرالي الاعتراف بوجود مجال اجتماعي مستقل عن ثنائية الفرد والدولة قد قيد من مجال تحققه العملي للغاية بحيث أنه لم يحتل في التاريخ سوى مرحلة انتقالية بين صراع البورجوازية مع الإقطاع والأرستقراطية وصراع الحركات الشعبية مع الرأسمالية؛ فالليبرالية لم تكن إلا أداة البورجوازية في الصراع بينها وبين الإقطاع والملكيات المطلقة، إلا أنها بمجرد انهيار النظم القديمة تحولت إلى أيديولوجيا مبررة لحكم البورجوازية وبالتالي حوربت من قبل الحركات الشعبية والقومية، إذ لا تجد هذه الحركات ذاتها ولا تعبيرا كافيا عنها في الليبرالية ( 37). هذا بالإضافة إلى أن اقتصاد السوق الذي يستخدم الليبرالية كغطاء فكري وأيديولوجيا مبررة له ليس ليبراليا بالمرة، إذ تسوده علاقات القوة والاحتكارات.
يشترك جميع الليبراليين التقليديين في الشك في قدرة الجمهور على حكم ذاته، وفي الخوف من الغوغاء والفوضى التي يمكن أن تنتج عن ديمقراطية مباشرة ينظرون إليها على أنها ديماجوجية وفوضوية. وقد قدم لهم عصر الإرهاب في الثورة الفرنسية مثالا حيا على فوضوية الديمقراطية المباشرة مما شكل لديهم مبررا قويا لرفضها. الحقيقة أن الليبراليين التقليديين يخافون من كل من لا يملك، لأنه ليس لديه شيئا يفقده، وبذلك يكون اعتراضه ورفضه للوضع القائم أشد راديكالية وعنفا. كما أنهم في نفس الوقت يحاولون تأسيس نظام يضممن الحرية، تلك الحرية التي يفهموها على أنها حريتهم هم أصحاب الملكية، وهذا ما يجعلهم يسعون دائما نحو التوفيق بين الأكثرية الشعبية فاقدة الملكية والحرية، وذلك بمنع تلك الحرية السياسية التي يؤسسونها من أن تتوسع وتؤدي إلى وصول الشعب إلى السلطة، ذلك الوصول الذي ينظرون إليه على أنه انتصار للديماجوجية( 38). إن الديمقراطية التي تبغيها الليبرالية التقليدية ديمقراطية مقيدة ومحكومة جيدا ومقصورة على البورجوازية.
7. الأساس الاجتماعي-الاقتصادي لليبرالية:
يقول هيجل عن الفلسفة أنها "عصرها ملخصا في الفكر"، أي أنها التعبير الفكري عن عصرها الذي وجدت فيه، ولا ينطبق هذا المبدأ أكثر من انطباقه على الفلسفة الليبرالية، بمعنى أنها كانت تالية في ظهورها على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي بدأت في الظهور في أوروبا منذ القرن السادس عشر. تمثلت هذه التغيرات في ظهور طبقة جديدة هي البورجوازية، الطبقة المنشغلة بالتجارة والصناعة والأعمال المالية. أتت هذه الطبقة بأشكال جديدة من النشاط الاقتصادي غير الخاضعة للنظام الإقطاعي المعتمد على الملكية الزراعية. وحملت هذه الطبقة معها رؤية مختلفة للمجتمع ناتجة عن نمط عيشها الجديد والأنشطة الاقتصادية الجديدة التي تخصصت فيها. تميزت هذه الرؤية الجديدة بالتأكيد على قيم الفردية والحرية والمساواة بالضد على النظام الإقطاعي الذي كان نظاما تراتبيا سلطويا يقيد الأفراد بالأرض وبمهن معينة طوال حياتهم. وبذلك حملت البورجوازية طابعا ثوريا منذ بداياتها وجاءت بوعود براقة لتحرير الناس من الأنظمة الإقطاعية التي كانت مسيطرة عليهم. ولم تكن تلك الوعود سوى تعبير عن رغبة البورجوازية في التحرر من الإقطاع والنظم الأرستقراطية، وانعكاس قيمي وأخلاقي وفلسفي للوضع الجديد للبورجوازية.
قدمت الليبرالية تعريفات للفرد و الحرية و العدالة، والحقيقة أنها لم تكن إلا انعكاسا لاقتصاد السوق الرأسمالي. فالفرد هو الشخص الذي يتمتع بحرية إقامة علاقات مع غيره من أفراد المجتمع و يدخل معهم في تعاقدات ، و الحرية هي حرية الفرد في أن يبيع عمله و نتاج عمله ، و حرية البائع و الشاري في الدخول في تعاقدات يضعون شروطها بأنفسهم مع عدم تدخل الدولة في هذه العمليات وترك آليات السوق تعمل بحرية. أما المساواة والعدالة فتتحققان عن طريق توازن المصالح والمنافسة الحرة في السوق. والحقيقة أن جميع الحقوق الليبرالية تختزل في حق الملكية. فالحرية هي حرية التملك، والمساواة هي تساوي الأفراد في سعيهم نحو التملك، والأمن هو المناخ الذي يضمن للفرد حمايته لملكيته والحصول على المزيد منها.

التعريفات السابقة للفرد والحرية والمساواة كانت بالفعل تعبيرا عن فكر البورجوازية وأسلوب حياتها و سلوكها. فعندما ظهرت البورجوازية كانت في صراع مع الإقطاع و الأرستقراطية . ولكي تخرج من براثن النظام القديم وتؤسس نظامها الجديد في الإنتاج كان لابد وأن تقدم تعريفات جديدة للفرد والحرية والمساواة، وهدفت من ذلك أن تفسح مجالا للفرد كي يعمل ويراكم رأس مال ويستخدم قوى عاملة ويبادل ما ينتجه مع غيره من المنتجين دون الخضوع لإقطاع أو أرستقراطية أو إشراف دولة.
كانت الليبرالية إذن تعبيرا عن فكر البورجوازية وخبرتها الاجتماعية الجديدة. فعندما تتحدث المذاهب الليبرالية عن الحرية والمساواة والصالح العام فإن حديثها هذا مرتبط بالوضع الطبقي والاقتصادي للبورجوازية. ولأن البورجوازية مكونة من تجار ورجال صناعة ورجال مال فقد كانت رؤيتها الليبرالية مشروطة بتلك الأنشطة التي تمارسها. وهذا ما كشف عنه ماركس. يضع ماركس الأوضاع الاقتصادية الجديدة التي تميز الاقتصاد الرأسمالي باعتبارها الأساس الذي قامت عليه مبادئ الليبرالية، إذ يستنبط مبادئ الحرية والمساواة والمصلحة العامة من عملية التبادل المميزة لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، أي التبادل القائم على السوق. يقول ماركس:
طالما تم النظر إلى السلع والعمل على أنها قيم تبادلية [أي سلع مطروحة للبيع في السوق بسعر يعبر عن قيمتها باعتبارها سلع]، وإلى الطريقة التي تتصل بها السلع المختلفة مع بعضها البعض على أنها مجرد تبادل لقيم تبادلية، والذي يعني تساويها، فإن الأفراد الذين تحدث بينهم هذه العملية ينظر إليهم على أنهم متبادلين Exchangers . وطالما أن الطابع الشكلي [لهذه العملية] هو محل الاعتبار، فليس هناك ما يميز هؤلاء عن بعضهم البعض، وهذا هو الشكل الاقتصادي الذي يواجهون فيه بعضهم البعض في علاقة تبادل؛ إنه مؤشر لوظيفتهم الاجتماعية وعلاقاتاهم الاجتماعية تجاه بعضهم البعض. كل فرد منهم متبادل، أي لديه نفس العلاقة الاجتماعية مع الآخر والتي للآخر معه. وباعتبارهم فاعلين للتبادل وقائمين به فإن علاقاتهم هي علاقة مساواة. من المستحيل أن نجد أي أثر للتمييز ولا للتناقض بينهم، ولا حتى أي اختلاف. Grun 241
والملاحظ أن ماركس يوضح أن علاقة التبادل تطمس الفروق بين الأفراد وتساوي بينهم بشكل مطلق يضيع أي اختلاف كيفي، والغريب أن هذا هو نفس النقد الذي يوجه للنظم الاشتراكية: المساواة الطامسة للاختلاف والفروق الفردية. نرى في هذا النص كيف يظهر هذا الطمس في المجتمع الرأسمالي نفسه.
إن المساواة التي تنشأ من عملية التبادل هي في حقيقتها تسوية لأطراف التبادل، إذ يصبح الأفراد بذلك غير متمايزين تجاه بعضهم البعض Indifferent، ولا يعيرون شأنا لما يجعلهم مختلفين كأفراد، فالسعي نحو المصلحة الفردية يختزل الأفراد إلى ذرات مجردة جوفاء. ويضع ماركس في النص السابق يده على المعنى الذي عبر عنه دوركايم بعد ذلك باللامعيارية Anomy، ذلك لأن خلو المجتمع من المبادئ المعيارية العامة التي تحكم سلوك أفراده وحياده تجاه كل القيم هو نتيجة لنظام التبادل السلعي الذي ينحي الجانب المعياري للسلوك الإنساني ولا يهتم إلا بتبادل المصالح ويحول العمل البشري ونتاج هذا العمل إلى سلع ويقذفها في السوق. ويستمر ماركس في القول بأن هذه التسوية التي هي حقيقة المساواة في عملية التبادل، مع تنحيتها للمعايير وطابعها الشكلي المادي، تنتهي إلى أن تقطع كل علاقة اجتماعية حقيقية بين الأفراد وتجعل العلاقة الوحيدة بينهم هي علاقتهم باعتبارهم أجسادا. هكذا يختزل التبادل السلعي الأفراد إلى أجسادهم بعد أن يلغي وجودهم الاجتماعي بالكامل، وهنا تتحقق نظرية هوبز عمليا، والذاهبة إلى أن حركة المجتمع هي الحركة المادية لأجساد الأفراد المكونين له.
وبعد أن يحلل ماركس علاقة التبادل باعتبارها تبادلا لقيم تبادلية Exchange Values يعود ليحلل جانبها الثاني باعتبارها تبادلا لقيم استعمالية Use Values. تبادل القيم الاستعمالية هو تبادل الحاجات Needs، إذ يحوز الطرف الأول على ما يلبي حاجة الطرف الثاني، والثاني على ما يلبي حاجة الأول. وهنا يحدث التكامل والتساند بينهما وتتخذ العلاقة التبادلية علاقة اجتماعية، ويظهر مفهوم الإخاء Fraternity. ويشير ماركس إلى أن أصل التساند الاجتماعي في ظل الرأسمالية يعتمد على تلك العملية في تبادل القيم الاستعمالية. والملاحظ كيف يظهر مصطلح "التساند" Solidarity ومصطلح "الاندماج" Integration في تحليل ماركس، المصطلحين الأثيرين لدى علم الاجتماع واللذان يشير إليهما ماركس قبل تطوير علماء الاجتماع الكامل لهذين المفهومين. الفرق الأساسي بين ماركس ورواد علم الاجتماع الذين وضعوا هذين المفهومين في سياق نظرية سوسيولوجية (دوركايم-فيبر-بارسونز) أن ماركس يوضح كيفية ظهور مبادئ التساند والاندماج الاجتماعي من خلال عملية التبادل السلعي المميزة لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، في حين نظر رواد علم الاجتماع إليهما من منظور قيمي ومعياري، بمعنى أن التساند والاندماج معياريان يتحققان خارج العملية الاقتصادية لا انطلاقا منها كما ذهب ماركس.
ومع مبدأ المساواة ومبدأ الإخاء (التساند) يظهر مبدأ ثالث خلال عملية التبادل السلعي وهو الحرية. يقول ماركس:
على الرغم من أن الفرد (أ) يرغب في السلعة التي يملكها الفرد (ب) فإنه لا يحوز عليها بالقوة، والعكس بالمثل، بل هما يعترفان ببعضهما البعض تبادليا باعتبارهما ملاكا، أشخاصا تتغلغل إراداتهم في سلعهم. وبالتالي فإن الشخصية باعتبارها مبدأ قضائيا تظهر هنا، إلى جانب الحرية، طالما أن تلك الحرية ذاخلة في مبدأ الشخصية [أي طالما كانت حرية الفرد ضرورية لجعله شخصا بالمعنى القانوني]. لا يحوز أحد على ملكية الآخر بالقوة. وكل واحد منهما يتخلى عنها طواعية.. ويلبي حاجة الآخر كما يلبي الآخر حاجته؛ كل منهما يستخدم الآخر باعتباره وسيلة [وهذا ما عبر عنه فيبر سويولوجيا بمفهوم الفعل العقلاني الهادف Purposive Rational Action]. ويتضمن وعي هذين الفردين ثلاثة أشياء: 1) أن كل واحد منهما يصل إلى غايته فقط عندما يخدم الآخر كوسيلة؛ 2) أن كل منهما يصبح وسيلة للآخر؛ 3) أن المصلحة المشتركة التي تظهر على أنها دافع الفعل تدرك على أنها واقعة قائمة من قبلهما معا". Grun 243-4
يستنبط ماركس في هذا النص مبدأ الشخصية القانونية مع ما تتضمنها من حرية، ويستمر في الكشف عن الهيكل القانوني الليبرالي للبورجوازية من داخل عملية التبادل. والملاحظ أن عملية التبادل هذه هي التي تعطي لدى أطرافها الداخلين فيها وهما بمصلحة متبادلة يفهمونها على أنها مصلحة مشتركة وعامة، إذ ليس شرطا أن تكون المصلحة المتبادلة بين شخصين Mutual Interest مصلحة عامة للمجتمع كله General Interest . يقول ماركس في ذلك:
إن المصلحة العامة هي عمومية المصالح الذاتية. وبالتالي فعندما يضع الشكل الاقتصادي الذي هو التبادل المساواة المتعددة الجوانب للقائمين بهذا التبادل، فإن مضمون هذا التبادل هو الحرية. ولذلك فالمساواة والحرية لا تحترمان في عملية تبادل القيم التبادلية وحسب، بل إن هذا العملية هي الأساس الواقعي المنتج لكل مساواة وحرية. وباعتبارهما أفكارا خالصة فإنهما التعبيرات المثالية عن هذا الأساس؛ وباعتبارهما متطوران في علاقات قانونية وسياسية واجتماعية فهما هذا الأساس نفسه لكن في سلطة أعلى. Grun 245
أي يحوزان على سلطة أعلى بفضل تشكيلهما لمبادئ قانونية وسياسية. وهذا هو الأساس الأيديولوجي للفكرة القائلة أن اقتصاد السوق الحر هو الذي يضمن الحرية والمساواة، تلك الفكرة المستمرة حتى الآن والمستخدمة في تبرير التوسع العالمي للرأسمالية وفي الدعاية لها لدى الدول الاشتراكية السابقة ودول العالم الثالث.
تتأسس مبادئ المساواة والحرية في المجتمع البورجوازي من تلك العلاقة التبادلية التي يصفها ماركس. لكن يعود ماركس ليقول أن هذه المبادئ مقامة على تجريد، فهي ليست إلا أمثلة Idealization لعملية مجردة في الأصل وهي عملية التبادل السلعي بين الأفراد والتي ليس لها وجود في الواقع؛ إنها إذن أمثلة لتجريد Idealization of an Abstraction. في العالم الحقيقي لا تتأسس العلاقات الاقتصادية حسب هذا النموذج المثالي للتبادل السلعي البسيط، ذلك لأن المجتمع الرأسمالي يتكون من أناس لا ينتجون إلا القيمة التبادلية أي العمال، وبذلك فهم لا يشكلون طرفا في العلاقة التبادلية المثالية التي يفهم بها المجتمع البورجوازي نفسه. لا يحتوي النظام الرأسمالي على أفراد منتجين يبادلون منتجاتهم مع يعضهم البعض، بل على فئة لا تملك إلا قوة عملها ولا تحصل من عملها إلا على القيمة التبادلية، أي الأجر، وفئة ثانية تستخدم الفئة الأولى لإنتاج سلع بهدف الربح. وفي ظل هذا التقسيم الطبقي للعمل بين العمل المأجور ورأس المال يحدث تراتبا طبقيا تنتفي فيه المبادئ المثالية للمساواة والحرية، لأن العلاقة الأساسية لا تعد علاقة أفراد يبادلون منتجاتهم مع بعضهم البعض بل علاقة مواجهة طبقية وخضوع طبقة لأخرى. يمكن أن يكون المجتمع البورجوازي متحدثا عن نفسه وعن أفراده هو باعتبارهم فئة المنتجين الرأسماليين عندما يبني المساواة والحرية على عملية التبادل، أي على السوق، تلك العملية التي لا تحدث إلا بين أفراده فقط، لكنه يستبعد طبقة كاملة من نموذجه المثالي، الطبقة المنشغلة مباشرة في الإنتاج.
رأينا كيف أن البحث في الأسس الاجتماعية والاقتصادية لنشأة الليبرالية قد أخرجنا من الطابع الفلسفي والحقوقي والسياسي للخطاب الليبرالي وأدخلنا في مجال جديد مع نصوص ماركس السابقة وهو مجال الاقتصاد السياسي. والحقيقة أن ماركس يقدم نقده السابق لمبادئ الليبرالية في سياق نقده للاقتصاد السياسي الكلاسيكي، إذ كشف ذلك العلم عن تبنيه للرؤية الليبرالية للمجتمع، ورسمت تطوراته لدى الاقتصاد المبتذل Vulgar Economics صورة للسوق الرأسمالي باعتباره محققا لمبادئ المساواة والحرية والعدالة؛ ولم يكن في ذلك سوى أيديولوجيا مبررة للرأسمالية.
1) Thomas Hobbes, Leviathan, Or The Matter, Forme and Power of a Commonwealth, Ecclesiastical and Civil. (Basil Blackwell: Oxford 1957), pp. 7-13.
2 ) Hobbes, De Homine (On Man), in Man and Citizen. (Humanities Press: USA 1972), pp. 45-62.
3) C.B. Macpherson, Democratic theory : essays in retrieval. (Oxford : Clarendon Press, 1973), P. 27.
4 ) John Locke, An Essay Concerning Human Understanding. (Prometheus Books: New York 1995), pp. 59, 74, 92.
5 ) Hobbes, Leviathan, pp. 63-70.
6 ) Macpherson, op. cit, pp. 30-31.
7 ) Jean Baudrillard, The Consumer Society: myths and structures. (London ; Thousand Oaks : Sage, 1998), pp. 50-51.
8 ) Leo Strauss, Natural right and History. (University of Chicago Press, Chicago 1953), p. 184.
9 ) Hobbes, "The Citizen", in: Man and Citizen, op. cit. p. 111.
10 ) Ibid. P. 112.
11 ) Ibid. pp. 114-118.
12 ) Locke, Two Treatises of Government and A Letter Concerning Toleration, (Yale University Press: New York 2003), pp. 101-104.
13 ) Macpherson, The Political Theory of Possessive Individualism: Hobbes to Locke, (Oxford : Clarendon Press, 1962), pp. 16-17.
14 ) Lock, Loc. Cit.
15 ) Hegel, The Philosophy of Right. (Oxford: Oxford University Press, 1942), P. 214.
16 ) Hegel, "Encyclopedia of Philosophical Sciences: The Philosophy of Mind", Par. 502 (http://www.marxists.org/reference/archive/hegel/index.htm).
17 ) Hobbes, On Man. P.83.
18 ) Hobbes, Leviathan. Pp. 84-85.
19 ) Steven Smith, Hegel s critique of Liberalism: rights in context.( Chicago : University of Chicago Press, 1989), P. 62.
20 ) Ibid. P. 63.
21 ) Ibid. P. 64.
22 ) Edmund Burke, Reflections on the revolution in France (1790) (Doubleday, New York 1961), p. 74
23 ) John Hallowell, The Decline of liberalism as an ideology, with particular reference to German political legal thought. (Kegan Paul, London 1946), pp. 6-11.
24 ) Ibid. P. 19.
25 ) Ibid. P. 74.
26 ) Karl Marx and Frederick Engels: The German Ideology. (http://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/german-ideology/ch01.htm).
27 ) Liberalism and its critics, 42-45.
28 ) Hobbes, Leviathan, pp.31ff.
29) Macpherson, The Political Theory of Possessive Individualism, pp.40-42.
30) Ibid. P. 60.
31) Ibid. P. 62.
32) Macpherson, Democratic theory, pp.17-18
33 ) Hobbes, Leviathan, pp.84ff.
34) آلان تورين: ما الديمقراطية. ترجمة عبود كاسوحة. منشورات وزارة الثقافة، دمشق 2000، ص 80.
35) المرجع السابق، نفس الصفحة.
36) Karl Marx and Friedrich Engels: "The Communist Manifesto", in: Selected Works, Volume I, (Moscow: Foreign Languages Publishing House, 1955), P.36.
37) تورين: المرجع السابق، 81-82.
38) المرجع السابق: 153.
د. أشرف حسن منصور