شهرزاد الجزائر ...-جميلة زنير- إرث قصصي متجدد

فضيلة معيرش
2013 / 1 / 12

نثرت آهاتها في نصوصها ، وزرعت الأمل المكتظ بجماليات اللغة والقول الآسر والسرد المتدفق ...الوجع الفائض الآتى من جمر النكبات وزغاريد الأسرار والأوزار ، تحملها جميلة زنير فتنوء بحملها ، لتنبثق نصوص راقية
تتماهى في الوصف الخارجي لتحملنا في حالات فريدة من النصية المنحوتة بالألم...تلك النوافذ المفتوحة عن التجدد والخلق.
فهي تملك من الحسية اللغوية العالية ما تجعلها تستنهض مفاتيح اللغة الظاهرة والباطنة... فتزيح القارئ على الانخراط في سياقات الابجدية الخاصة به ، متميزة بذلك عن غيرها .
جميلة زنير لبست إكليل السرد المتدفق ...صاحبت ضنون النصوص وعاشرت أنواع الأحلام والهزائم جابت بساتين الحكايا ، وهي تصارع صحار العمر بين همس الأمل تارة وجمرات العثرات تارة آخرى مثلها مثل باقى البشر فهي الشاعرة الضالة المسكونة بتباريح الحنين .فقد جابهت الوجد بالوجد ، والحنين بالحنين.
كتبت وداعبت بحر اللغة ،وركبت متن الحرف،وصاحبت نياشين المعنى،حلقت مع الهامات الشامخة لأرض الجزائر أخذت مقعدا أماميا بينهم.
حيث فرضت وهجها وألقها في إصرار على البوح المبتكر على صخور الاحتراق .
لعبت كل أدوارها الإنسانية والأخلاقية بأريحية عالية ،أم حنون أحبت أنيس الروح وخلدته في مهجات كل الأمهات الثكالى،
قاصة نثرت العبق بين فيافي القصص العالمي ،وتربعت على عرش القصص لأكثر من ثلاثين سنة فقد بدأت الكتابة منذ بداية السبعينيات.
كتبت عن تجربتها فلم يكن هناك من يطلع على كتباتها ويأخذ بيدها ويوجهها يقول : بشير خلف" وإن كانت جميلة زنير تصف تجربتها بجرأة وألم دون أن تعتمد أسلوبا مستفزا في طريقة كلامها".
قاصة لم تخدش الذوق العام ولم تستفز المجتمع الجزائري القبلي مثل ما فعل غيرها ...خاصة في فترة ما بعد الاستقلال ، هذه الفترة الحرجة والصعبة
لأن المجتمع الجزائري انذاك لم يكن مهيئا لاستقبال ما تكتب المرأة ،حيث الطابوهات التي لايجب تجاوزها، ففي نظر المجتمع كل ماهو صادر عن المرأة هو محض عبث غير مؤسس له.
جميلة زنير كانت سنديانة في وجه رياح القبيلة ...وجازفت بنشر ماجادت به قريحتها انذاك عبر الإذاعة في أواخر الستينيات مجهرة باسمها كاملا.
هذا الألم الذي تجلى في قصصها...صاحب أماسيها الموسومة تميزا وابداعا.
حيث قال الدكتور ( يوسف وغليسي) "هي إحدى القليلات اللائي حافظن على استمرار مسارهن الإبداعي كان مسارها يتطور بشكل فني لافت ويتصاعد منطقيا واضحا من الشعر للقصة للرواية ".
وقال أيضا " إنها من أقدم الكاتبات الجزائرية وجودا على أرض النص الفني الجميل ". فهي تعد في نظر النقاد أجمل قلم نسوي بعد الاستقلال .
فإن كانت شهرزاد قد أضاءت بفوانيسها القصصية السحرية ليالي شهريار المزدانة بالعقد والخوف والخيال.
فإن جميلة زنير تبدو كشهرزاد الجزائر التي شربت من كأس الموت بأنامل أنيس الروح فرشفت رشفات الصبر والوفاء كل ليلة كألف ليلة وليلة من العناء والتأمل.
فهي حواء الأسطورة ...حواء ياسمين الحكايات.
ترصد للقارئ تشظيات أوجاعها المسكونة بهواجس امرأة تتقن تحدى الواقع ...والمزج بتفاعلية مركبة بين الماضي والحاضر بين العاطفي والاجتماعي
فهي تحمل هم حواء، لهذا نجدها أحيانا تعطى البطولة المطلقة للمرأة
قد أمسكت بالهوية الوطنية ، فهي تحيلك لفقرات سردية غاية في المتعة بألقها الروحاني البديع على امتداد أرض بساتين الحكايا .
حيث علاقتها المتينة مع السرد ...فتصيبك نصوصها بدهشة التفاعل بأسلوبها تارة المباشر وتارة أخرى الرمزي...فأنت أمام ذكاء معتمد على فنون ابداعية عالية،فتدرك أن قصصها متعددة الروافد.
فكثيرا مانجد ها تحقق معادلة المضمون والجمال ...فإن كان العنوان هو المفتاح لكشف مضامين النص والغوص في المتن والفضاءات ...وكأنها ترسم رسومات بيانية متناسقة ...من غير تفاوت ولا انحراف حيث يقول : (لوسيان كولدمان) " أن العنوان يمثل جدائل من لسانيات تثبت في بداية النص بهدف جذب المتلقي وأخذه لأعماق المضامين والرؤى " .
لغة جميلة زنير لغة شجية رسمت بريشة الألم ورومانسية المعانى ...وصور شعرية لم نعتدها ...وكأنها تحمل ذاكرة وطن يقول القاص والناقد الجزائري السعيد موفقي: " جميلة زنير القاصة الجزائرية التي تفاعلت مع القضايا الوطنية والاجتماعية بحب وترجمت هذه التجارب بأسلوب أقل ما يقال عنه أسلوب واقعى لايخلو من توظيف مجازي لبعض المشاهد الانسانية ...القاصة أثرت القصة الجزائرية القصيرة منذ السبعينيات ولازال عطاؤها يتوقد" .
...فإبداعها شكل آخر وخفايا صمت معلن...فان كانت قد مارست الشجن والموت في قصة أنيس الروح لأن القصة ألفاظ من عناء ...لحظة فقدان وتلاشي ...ووطأة انكسار ...فقد تعدد مجالات ابداعاتها من شعر وقصة ورواية فجاءت تلك الابداعات بجماليات مميزة ..فهي توظف اللغة مجازا بمدلولات تأملية تعبيرية تخدم المعنى يقول المسرحي والفاعل الثقافي لمدينة عنابة جمال صمادي : "تعد جميلة زنير من أبرز كاتبات القصة في الجزائر إن لم نقل عربيا ...فلم يسبق لأحد أن كتب بطريقتها الخاصة والمختلفة حيث التقنيات الكبيرة التي تجعل من قصصها نقلا للواقع ببصمتها الفريدة ،أما جميلة زنير الإنسانة فتحسها زعيمة الحس الرفيع الذي تجده في أمومتها المتمثلة في الواقع المعاش وفي كتاباتها الرائعة المصبوغة بروح الأم والكاتبة المتميزة في آن واحد ويتخلى ذلك واضحا في رائعتها أنيس الروح".
جميلة زنير تستحضر الذاكرة من خلال تجليات وأخيلة وانفعالات حواس وكأنك أمام مشاهد درامية منقولة على أرض الواقع فهي تطل على القارئ من نوافذ الآفاق والمدى البعيد ، فتعزف على قيثارة القلوب بتقنياتها الفنية العالية...وقد توشحت منذ البداية بجينات وراثية مأخوذة من ينابيع المعاناة الإنسانية ودفقات الحزن البشرية...فأنت أمام نصوص بحبكة عالية موسومة بالضياء تارة وبالعتمة تارة أخرى ...منزهة عن الملل أو السأم المعهود عادة ...
جميلة زنير قد سافرت في رحلات القصص والسرد البديع ...وصاحبت فيافي الحكايا الخالدة من خلال رحابة الوصف ...وبديع التصوير .
وأصابتنا برياحين الذهول .تقول القاصة سعاد بوقوس " عظيمة هي جميلة وقاصة حتى النخاع رائعة وكأنها ولدت لتكون كذلك بطبيعتها بتواضعها بكل ماهو جميل .حقيقة اسم على مسمى ولن أضيف أكثر من هذا"
هذه هي جميلة زنير وفد استحوذت مرة أخرى على إكليل البهاء القصصي في " أنيس الروح"
هي بكائية أم ثكلى ...أم تخلد أنيس الغائب الحاضر ...تذكره بكل تفاصيل حضوره وغيابه وكأن الرحلة للملاء الأعلى صارت مفرحة ومؤسس لها عند جميلة زنير لأن أنيس هناك مع الاخيار والعليين ...هو في ربيعه الثالث والعشرين هناك ...هو في بداية الفرح ...وكأن الموت أصبح الأنثى التي استهوت أنيس وأخذته طوعا ...وقد سحرتها صورته اليوسفية ... جميلة زنير لم تعد تخاف الموت والفقدان ...لان أنيس خلدته بين خفقات قلبها ونبضات روحها وسقته بدمع حرقتها وحمته بورد مهجتها واحتضنته بربيع صبرها ..فقد صارت أقوى وأجمل ...صارت أبهى الأمهات لأنها توصلت للخود الابدى في قصة " أنيس الروح".
حيث نجد أيضا في قصة " لن يطلع القمر" البطلة فطيمة عاشت الخيبة لكن لم تستلم للبكاء على الأطلال جعلت من القمر لاينير دواخلها فقط بل جعلت نوره يشمل أرجاء الوطن ...لينعم الكل بنور الحرية.
شخوص جميلة زنير لم تعد تستحق الشفقة ...حيث الآمال الصغيرة تذوب في بوتقة الآمال الكبيرة .
وفي قصة "أصابع الاتهام "هذه النصية الخالدة بين قصص الكفاح المسلح ...جعلتنا جميلة زنير ...- رغم خيانة أب زينب للوطن – لا ننطق بحكم الاعدام
وتبقى تجربة جميلة زنير السردية الخيالية سبب من أسباب نجاحها كإرث قصصي جزائري صالح للدراسة في كل زمان ومكان ...فإن كانت قد سبرت في شخوصها طبائعهم النفسية والإنسانية ...فأصبحوا كأنموذج حكائي ...
نعود لرائعتها أنيس الروح تقول :" أيها الحبيب الذي غيب فرحي تعلم أنك الحب بل قلب الحب ونبضه "جميلة زنير تداعب أنامل الموت بجميل وفاء وبقدر عالي من الرجاء .لأن لقاء أنيس سيكون منتهى الرضا .. وهو الذي تسلل في حين غفوة منها لأنه فعلا تواطأ مع الموت وذهب بكامل أناقته وبهائه...تسلل لأن هناك حورية تفوقت عن كل حوريات البشر ...وأخذته
ولتقر عين جميلة ...لان أنيس سوف ينتظر بخلوده كل الجميلات ...كل المفجوعات...فقط كان يملك من الشجاعة القدر الكافى ...لأنه سبق الكل هناك حيث الخلود سرمدي...ووافر الكمال تقول أيضا:
"هل ستكون معي حين يدركني الموت الذي لا يضارع في الوفاء؟فقد طهّر الصهد الجليل ذاتي وخفّف خطوي نحو مثوى الظل الذي يطفئ الصّبابة فأنا أهفو لأن أعانق الجنان وأنعم بوارف الظلال".

بقلم : الأستاذة الشاعرة فضيلة معيرش* الجزائر