مشروع التقرير السياسي المقدم إلى المؤتمر الوطني العام السادس - 2012

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
2013 / 1 / 2


I- في الثورات العربية
(1)
تحولات وإحتمالات
تشهد المنطقة العربية تحولات واسعة مفتوحة على إحتمالات عدة، وهي تحولات أملتها عوامل داخلية وأخرى خارجية متداخلة ومترابطة في آن معا، وهي تحولات محمولة على موجة عالية من الغضب الشعبي والحراك الجماهيري، الذي إنطلق دون تخطيط مسبق على أيدي جماهير غفيرة سرعان ما إنضمت إليها، أطّرتها وزخّمت حركتها تشكيلات حزبية، نقابية ومن المجتمع المدني عموماً.
وقد عبّرت هذه الجماهير الواسعة، التي إحتلت الميادين في العواصم وفي المدن وحتى في الأرياف، عن الغضب الساطع من الهوة المتسعة بين الغنى والفقر في بلدان إرتضت حكوماتها الإلتحاق التابع بنظام إقتصادي عالمي جائر، عاد عليها بأفدح الأضرار ودفعها إلى الدوران في فلك النظام الرأسمالي المعولم في طوره النيوليبرالي المتوحش، وما ترتب عليه من إنسداد آفاق تنمية مستدامة تخرج المواطن من حالة العوز والفقر والتخلف في مختلف الميادين.
إن إنخراط جماهير غفيرة في حركة عفوية أخذت تنتظم وتتأطر في مجرى المواجهة مع الأنظمة الحاكمة كان نتيجة حتمية لسياسة هذه الأنظمة التي إرتبطت من موقع التبعية السياسية مع النظام الرأسمالي النيوليبرالي المتعولم، وربطت إقتصاد بلدانها به، بحيث تحولت إقتصاديات هذه البلدان إلى الإقتصاد الريعي على حساب التطور نحو إقتصاد منتج في ميادين الصناعة والزراعة وحتى الخدمات، بما تولد عن ذلك من فقر وبطالة وحرمان وتدهور في مستويات المعيشة وإختلالات في هياكل الإنتاج والعمل والدخل القومي. وإذا كان صحيحا أن إقتصاد الدول المنتجة للنفط في أساسه إقتصاد ريعي، فإن الأمر نفسه ينطبق إلى حد بعيد على إقتصاديات عدد من الدول العربية الأخرى كتونس ومصر وغيرهما، حيث يتشكل الناتج القومي الإجمالي في جزء مهم منه من عوائد الدخل من الخارج كالمساعدات الخارجية وتمويلات المغتربين ومن السياحة وعوائد الحركة التجارية (قناة السويس على سبيل المثال) وليس من عوائد الدخل من القطاعات المنتجة في الصناعة والزراعة وحتى الخدمات، ما حوّل تلك البلدان في النظام الرأسمالي المعولم إلى بلدان هامشية في مختلف الميادين، وولد حالة فراغ ساهمت في إستضعاف دولها وشعوبها في آن.
ليس من السهل الوقوف على حقيقة حجم الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية ، التي تدور في فلك النظام الرأسمالي العالمي، فبيانات هذه الدول من الصعب إعتمادها كبيانات على درجة كافية من المصداقية، ولكن ليس من الصعب الوقوف على مدى الفقر قياسا إلى الحد الأعلى لخط الفقر في بلدان عربية كمصر وسوريه ولبنان والأردن والمغرب وتونس واليمن وموريتانيا، حيث تفيد بيانات الأمم المتحدة إلى إرتفاع معدلات الفقر وإلى تدهور أوضاع شرائح مهمة من الطبقة الوسطى، فمعدلات الفقر في هذه البلدان ترتفع بين حد أدنى يقترب من 30 بالمئة كما هو الحال في سورية وحد أعلى يصل الى نحو 60 بالمئة كما هو الحال في اليمن، فيما يصل المعدل إلى نحو 41 بالمئة في مصر.
وهذه نتيجة حتمية للسياسة الإجتماعية – الإقتصادية للأنظمة الحاكمة التي إمتثلت بانضباط كان يتفاوت بين دولة وأخرى لمخططات وأوامر أدوات العولمة الرأسمالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي لعبت دورا سلبيا للغاية من خلال ما سمي بـ «التكييف الهيكلي» وأسهمت في إفقار ملايين المواطنين ودفعتهم إلى الساحات والميادين يطالبون بإسقاط الأنظمة التي كانت السبب في إفقارها وتعاستها. وهكذا بدت الإنتفاضات العربية بقدر ما هي تعبير عن مناخ سياسي محتقن بجانب منها، فإنها في الوقت نفسه ردة فعل طبيعية، بل حتمية على وضع إقتصادي إجتماعي مأزوم شكل الفقر كما شكلت البطالة - التي بلغت في عدد من البلدان العربية نحو 30 بالمئة من القوى العاملة – أبرز مظاهره وأخطرها.
لم تكن البلدان العربية التي شملتها رياح التحولات والتغيير على حد أدنى من الحصانة الوطنية في مواجهة مخططات وأوامر أدوات العولمة الرأسمالية، بل كانت طيّعة تماما ومارست أنظمتها السلطوية والفاسدة ممارسات قادت إلى إنتفاض شعوبها في وجه سياستها وإستبدادها وفسادها. فقد قلدت على نحو فظ سياسة الهجوم على مكتسبات العاملين في ميادين الخدمات الإجتماعية والصحية والتأمينات، وسحبت الدعم عن السلع الأساسية وقامت بتصفية القطاع العام بسياسة خصخصة فاحت روائحها الفاسدة في أحياء المدن وأرجاء الريف، حيث إنطوت برامج الخصخصة على درجة عالية من المحاباة للبورجوازية الطفيلية ودرجة أعلى من السطو على المال العام ومدخرات المواطنين ومصادر دخلهم؛ وكان ذلك واضحا في الفارق الكبير بين أسعار بيع الشركات والمؤسسات العامة للقطاع الخاص وبين أسعار هذه الشركات والمؤسسات بعد ذلك، خاصة عندما كانت ترتفع أسعار الأسهم بعد الخصخصة خلال فترة وجيزة إلى نحو عشرين ضعفا، ثم ما تلبث أن تهبط من جديد في عمليات مضاربة وتلاعب وإحتيال كانت تجري في أسواق المال ويقع ضحيتها مئات الآلاف من صغار المساهمين.
كانت تلك الخصخصة كارثة إقتصادية وإجتماعية بكل المقاييس والأبعاد وشكلت رافدا قويا للبطالة، خاصة عندما كان يجري إستخدام حصة لا بأس بها من أموال الخصخصة لتمويل ما يسمى بالتقاعد المبكر، ما يعني أن حصة جيدة من الأصول التي جرى خصخصتها إستخدمت لدفع أعداد كبيرة من العاملين إلى صفوف البطالة خلال فترة وجيزة. في الوقت نفسه مارست البورجوازية الطفيلية دورها البشع حين إستغنت خلال فترة وجيزة وقياسية كذلك عن أعداد كبيرة من العاملين وزادت من شدة الإستغلال وتحللت من جميع القوانين، التي كانت تحمي حقوق العاملين، الأمر الذي كان لا بد أن يدفع بهم في نهاية المطاف إلى النزول إلى الشارع وإلى إحتلال الميادين يطالبون بسقوط النظام ورحيل رموزه الفاسدة.

(2)
عوامل داخلية وأخرى خارجية
لعبت عوامل داخلية وأخرى خارجية دورها في إنفجار خزّان الغضب في عدد من البلدان العربية، التي إختارت أنظمتها الفاسدة والتابعة الدوران في فلك النظام الرأسمالي المعولم في طوره النيوليبرالي المتوحش. ليس هذا وحده هو الذي دفع بملايين المواطنين إلى الإنخراط على نحو غير مسبوق في الإنتفاضات والثورات الشعبية، فقد لعبت أيضاً سياسة الأنظمة السلطوية على مستوى الممارسة السياسية القمعية والإستبداية للحكم دورا لا يستهان به على هذا الصعيد.
وفي عودة إلى التاريخ الحديث للمنطقة العربية نلاحظ أنه بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث كانت بورجوازية المدن (بنزعتها الثقافية الليبرالية عموماً) هي الحاكمة، كانت الفرص أوفر مما هي عليه في ظروف ما بعد نشوب الحرب الباردة (أي ما بعد الحرب العالمية الثانية) لبناء أنظمة سياسية تحترم الممارسة الديمقراطية والتعددية السياسية والحريات العامة والمواطنة وحقوق المواطن، وذلك في مجرى النضال الوطني العام ضد الإستعمار من أجل الإستقلال الناجز، فلم تكن أدوات التدخل في هذه العملية توتاليتارية، شمولية، كما أصبح الحال في فترة الحرب الباردة، وكان هناك هامش لا يستهان به للحداثة والتنوير، أعطى المنطقة أملا في اللحاق بركب التطور الحضاري والتطور الإجتماعي – الإقتصادي.
في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حقق المشروع القومي عددا من الإنجازات التاريخية في متابعة مهام التحرر الوطني، كما وفي الميادين الإجتماعية والإقتصادية والعلوم والفنون، فشهد عدد من البلدان إنتصار الحركة الإستقلالية (الجزائر، تونس، المغرب، اليمن الجنوبي..) وجلاء القوات الأجنبية (مصر، تونس، المغرب، اليمن الجنوبي، العراق، الأردن، السودان) وحركة تأميم واسعة لمصادر الثروة الوطنية وإصلاح في القطاع الزراعي (مصر، سوريا، العراق، الجزائر، اليمن الجنوبي) والملكية الزراعية فتحت الآفاق أمام نمو ملحوظ في صفوف الطبقة العاملة وفي صفوف شرائح الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية.
غير أن حركة قطع وقعت منذ السبعينيات (وبشكل أدق منذ هزيمة 1967) أسهمت بشكل مؤثر في وقف عجلة التطور، فتوقفت مشاريع وخطط الحداثة والإصلاح وتراجع دور التنوير وظهرت إلى الوجود أنظمة سلطوية أو تعزز المنحى السلطوي للأنظمة القائمة، وتراجعت بل إنعدمت الحياة السياسية القائمة على الممارسة الديمقراطية على أيدي هذه الأنظمة، التي وضعت المجتمع أمام خيار الإنضواء تحت لوائها أو خيار الإنحياز إلى الإسلام السياسي، خاصة في ظل ممارسة القمع والحصار ضد قوى اليسار والقوى الديمقراطية وقوى الحداثة والتنوير. كان هامش الحركة والعمل يضيق أمام قوى اليسار والقوى الديمقراطية في كثير من الدول العربية، ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة لقوى الإسلام السياسي في عدد من البلدان، وجرى إستيراد تيارات سلفية من الخارج، حيث جرى توظيفها في الألاعيب السياسية الداخلية.
كان حظ الممارسة الديمقراطية في البلدان العربية، التي إجتاحتها التحولات والثورات الشعبية، وفي غيرها على كل حال، حظا فقيرا للغاية، بعد أن قامت الطبقة الحاكمة في الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية بتأميم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وحيث تغيب الممارسة الديمقراطية يسود الإستبداد وتجري عمليات سيطرة خارج القانون على السلطة والنفوذ والمال وموارد الدولة ووسائل الإعلام من خلال أنظمة وقوانين الطواريء والأحكام العرفية وتدخلات الأجهزة الأمنية؛ هنا تتلاشى حقوق المواطنة أو تتراجع إلى الحدود الدنيا ويتحول المواطن إلى حالة إنسانية مسلوبة الحقوق ويتحول المواطنون إلى مجرد رعايا.
في مثل هذه البيئة السياسية ينتشر الفساد ويتحول مع الوقت إلى مؤسسة تقاوم كل أشكال الإصلاح، مهما صغر شأنها، إستنادا إلى ثنائية السلطوية (أو الإستبداد) والفساد باعتبارهما وجهان لعملة واحدة. فالسلطة المطلقة لا تنتج غير مفسدة مطلقة، تجري في إطارها عمليات واسعة من تزييف الإرادة والرأي العام وإلغاء العقل وتطويعه لثقافة الخوف وإنعدام الحس بالمسؤولية. وليس غريبا والحال هذه أن تكون مؤشرات الفساد هي الأعلى في الدول ذات الأنظمة السلطوية (أو الدكتاتورية).
إن الممارسة الديمقراطية حتى في أشكالها الدنيا، أي التعددية البسيطة وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية قليلا لاستيعاب دور شرائح من الطبقة الوسطى في الأنظمة العربية - التي اجتاحتها المظاهرات والإنتفاضات المطالبة بالتغيير - لم تكن تندرج ضمن إهتمامات هذه الأنظمة. وهكذا تعطلت قوى المجتمعات وعاشت حالة من الإحتقان، ما لبثت أن إنفجرت وهي تحاول توفير شروط أفضل للحياة والإنتاج والإبداع تضع الشعوب على طريق التطور والإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي والتنمية؛ تلك التنمية، التي كانت مؤشراتها في تراجع مستمر منذ الإلتحاق الحاسم للأنظمة السلطوية العربية بالعولمة الرأسمالية في طورها النيوليبرالي المتوحش التي تسارعت في تسعينيات القرن العشرين.
في غياب الممارسة الديمقراطية وفي ظل إستفحال السلطوية والإستبداد والفساد، لم يكن ممكناً الشروع بخطط تنمية تجسر الفجوات الهائلة بين الفقر والغنى، وتعيد هيكلية الإقتصاد الريعي إلى آخر تشكل القطاعات المنتجة ومنها قطاع الزراعة محركه الفعال، خاصة وأن نسبة لا تقل عن 50 بالمئة من السكان في هذه البلدان العربية تعيش في الريف، ومن إنتقل من سكان الريف إلى المدن بحثا عن العمل وعن تحسين مستوى الحياة وجد نفسه أسيرا لقوانين سوق لا ترحم، أو عاملا عاطلا عن العمل يسكن في الأحياء مدقعة الفقر أو العشوائية.
مع إنسداد آفاق التنمية ترتفع بالضرورة معدلات البطالة، وهي في الدول العربية باستثناء دول الخليج النفطية أعلى منها في الكثير من البلدان النامية باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء، وبخاصة بين الشباب وفي صفوف المرأة. من جهة أخرى، تقف هذه الدول أمام تحديات كبيرة، لمواجهة ما يترتب على إنسداد آفاق التنمية من تداعيات، فهي مطالبة بتوفير إستثمارات سنوية خلال العقد القادم لا تقل عن 50 بالمئة من ناتجها المحلي للنهوض بأوضاع القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية وفي الخدمات، وهو مالا يمكن توفيره دون الإنفكاك عن الإقتصاد الرأسمالي العالمي الذي توجهه أدوات العولمة الأميركية، ودون الخروج عن التبعية للسياسة الأميركية، ودون إصلاحات ديمقراطية واسعة تخلص الحياة السياسية في هذه البلدان من سكونها ومن كوابح ثنائية السلطوية والفساد.
(3)
الميادين.. لحقوق الإنسان
كما كانت حظوظ الممارسة الديمقراطية فقيرة، فقد كانت حظوظ حقوق الإنسان أفقر في البلدان العربية، التي إجتاحتها الإنتفاضات والثورات الشعبية، الأمر الذي أعطى الدول الإمبريالية وفي المقدمة منها الولايات المتحدة ذرائع ومبررات للتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الأنظمة، لا بل ولإنتهاك سيادتها وشن الحروب تحت غطاء زائف من «التدخل الإنساني»(!).
حروب التدخل الإنساني تركت الأبواب مُشرَّعة لمزيد من التدخل العسكري والأمني، كما حدث ويحدث في اليمن والصومال وموريتانيا وليبيا فضلا عن شمال مالي وشمال غرب الباكستان. لم يكن ممكنا للأنظمة السلطوية العربية أن تقوى على معالجة أزمة حقوق الإنسان، ولهذا فقد أصبحت مرتهنة لحسابات المصالح والأطماع، التي تجيز للدول الإستعمارية إنتهاك سيادة الدول والتدخل السافر في شؤونها بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان.
لم تعد في ظل سياسة العولمة الأميركية في طورها المتوحش قيمة للمبادئ التي تدعو إلى إحترام أولوية سيادة الدول، حيث يجري رهن حقوق الإنسان للنزاعات المحلية والإقليمية والدولية، كما يجري التعامل معها بانتقائية شديده، فهي مطلوبة وضرورية في هذا البلد وفائض عن الحاجة في بلد آخر، ويجري التعامل معها بازدواجية معايير. حقوق الإنسان لا حرمة لها، بل هي عبء على الأنظمة السلطوية العربية، وحصان طروادة يستخدم لإنتهاك سيادة الدول والكرامة الوطنية.
لهذه الإعتبارات شكلت مسألة حقوق الإنسان منصة إنطلاق أيضا للجماهير العربية الواسعة، التي إحتلت الميادين في العواصم والمدن والأرياف، تدعو إلى إسقاط الأنظمة القائمة، دون أن تسقط من حسابها أن النضال في سبيل تحرير الإنسان المواطن من الإستبداد الداخلي ومن وطأة أنظمة الطوارئ والأحكام العرفية يرتبط على نحو وثيق بالنضال من أجل حماية السيادة الوطنية من الإستبداد الأعظم، الذي تسعى العولمة الرأسمالية في طورها الجديد إلى فرضه على المستوى الكوني برمته.
(4)
على طريق سقوط الأنظمة
دون شك أسقطت جماهير الإنتفاضات والثورات الشعبية رموز الأنظمة السلطوية في أكثر من بلد عربي. غير أنها، وهذا كان متوقعا، لم تسقط السلطة القائمة بأنظمتها وقوانينها ودستورها والأجهزة التي كانت تعتمد عليها في ممارسة إستبدادها، ولم يكن متوقعا أو مطلوبا من الجماهير، التي إحتلت الساحات والميادين أن تواصل إعتصاماتها وإحتلالها لتلك الميادين حتى يسقط النظام برموزه وقوانينه ودستوره وأجهزته.
إن ذلك لا يقلل من شأن الإنجازات العظيمة التي حققتها جماهير الإنتفاضات والثورات الشعبية العربية خلال العامين الماضيين، بعد إسقاط رموز السلطة وبعد تحييد وتجميد آليات السيطرة الإستبدادية، بقدر ما يؤشر على ضرورة الحفاظ على آلية الدفع المطلوبة حتى لا تتوقف مسيرة التحول دون إنجاز المهام، التي عبّرت عن نفسها بالمطالب السياسية والإجتماعية والديمقراطية الواسعة لجماهير الإنتفاضات العربية، التي إنطلقت عفوية، في ظل غياب تقاليد دستورية وبرلمانية في الحياة السياسية وفي ظل ضعف في بنية القوى السياسية، ما عدا قوى الإسلام السياسي، التي لم يكن لها دور على كل حال في بدايات هذه الإنتفاضات.
من الصعب على الحركة العفوية أن تبلغ مداها وتحقق أهدافها دفعة واحدة، فطاقاتها لا تسمح باختراق سياسي واسع وعميق، بقدر ما تسمح ببداية مرحلة إنتقالية يتوقف تطويرها نحو الهدف على التحولات في موازين القوى، التي تحملها على مدى أطول، وعلى سلسلة من العوامل الداخلية والخارجية وما يطرأ عليها من تحولات في مجرى النضال العام وصولا إلى الهدف، وهو في هذه الحالة، لا يقتصر على إسقاط رموز النظام وتحييد وتجميد آليات سيطرته، بل تجاوز النظام ذاته بنظام سياسي جديد يضطلع بتلك المهام التي عطّل الشروع بها وإنجازها النظام السابق، وهي مهام وطنية سياسية وإجتماعية وإقتصادية وديمقراطية تحت شعار«عيش/ خبز وكرامة، ديمقراطية وعدالة إجتماعية»، الذي يلخص جوهر مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.
كان المشهد السياسي للأوضاع في البلدان العربية قبل إنتفاضات شعوبها يعكس مأزقا واضحا في تطور الأنظمة نحو الديمقراطية. فقد عاشت المجتمعات العربية، أو هكذا خطط لها أن تعيش، رهينة لطغيان لا يترك أمامها من خيارات، طغيان سياسي على أيدي أنظمة الإستبداد والفساد (تحالف السلطة والمال)، التي تتحكم بسلطة الدولة وتستبعد الشعب من المشاركة السياسية، ومشروع طغيان من نوع آخر يعمل في الظل وينتظر اللحظة المناسبة للإستيلاء على السلطة وتحويلها إلى أداة من أدوات إستبداد جديد يتخذ من تسييس الدين وسيلة للوصول إلى الهدف.
أنظمة الإستبداد السياسي كانت تدرك المعادلة وكانت توظفها في مناورات سياسية تتجاوز الضغط على قوى اليسار وقوى الديمقراطية والليبرالية باتجاه محاصرتها وإضعاف تأثيرها ونفوذها وتضييق هامش الحركة أمامها، وقدمت بذلك مساعدة فعلية لقوى الإسلام السياسي التي أخذت تتغلغل في أجهزة التعليم والقضاء وتستخدم دور العبادة منابر لها لنشر فكر شكل رديفا للفكر السياسي الرسمي في محاصرة قوى اليسار والديمقراطية والليبرالية وضيّق كذلك من هامش الحركة أمامها.
الإستبداد السياسي الرسمي كان يستبعد المواطن من المشاركة في الحياة السياسية والعامة، ويجرده من إرادته وإستقلاله ومن حقوقه في الممارسة الديمقراطية، ويحوله إلى لقمة سائغة لاستبداد كامن، لا يقبل بأقل من الخضوع لإرادته والإستسلام لوصايته وتفسيره وإجتهاده. وفي هذا السياق كان الإسلام السياسي بثقافته المعممة ينفي وجود المواطن الفرد ويسعى للتحكم بالرأي العام بوسائل إعلامه ودعايته ودوره في السيطرة على أماكن العبادة وتحويلها إلى منابر خاصة، ويحوّل الجمهور إلى كتلة صمّاء تذوب في هوية جماعية وهمية تتجاوز الطبقات والمصالح الطبقية والتفاوت الإجتماعي، الذي بلغ مداه في ظل أنظمة الإستبداد والفساد في البلدان العربية.

(5)
مرحلة إنتقالية
جاءت إنتفاضات الشعوب العربية كي تؤسس لمرحلة إنتقالية يجري فيها صراع سافر على مختلف الخيارات السياسية والتحديات الإجتماعية والإقتصادية التي طرحتها رياح التغيير, وبات الصراع يدور على المستويات الوطنية حول هوية الدولة ودستورها، وحقوق المواطنة فيها ومساحة الحريات العامة والديمقراطية وقضايا جوهرية أخرى تتصل بالعدالة الإجتماعية وتوزيع الثروة الوطنية وإتجاهات توظيفها للنهوض باقتصاد وطني متحرر من التبعية للمركز الرأسمالي ومن خطط وبرامج وأوامر أدوات العولمة الأميركية.
هذه وغيرها من القضايا الجوهرية لم تحسمها بعد إنتفاضات الشعوب العربية بقدر ما فتحت الآفاق للنضال في سبيل حسمها. لقد سقطت رموز السلطة الإستبدادية، وبقيت فلولها دون شك في الإدارات العامة والأجهزة والمؤسسات العامة، كما في القطاع الخاص وفي فضاءات أخرى في السلطة القضائية والسلطة الرابعة، وأصبحت التطورات اللاحقة في فترة إنتقالية ليست بالقصيرة مفتوحة على صراع بين إتجاهات متعددة كالفلول والإسلام السياسي وقوى اليسار والديمقراطية والليبرالية، قوى الحداثة والتنوير.
بالمقابل تبقى ساحات الصراع على المستقبل في بلدان الإنتفاضات والثورات الشعبية مفتوحة كذلك لتدخل القوى الخارجية، بعد أن أفقدت سلطة الإستبداد هذه البلدان دورها وحوَّلتها إلى دول تابعة مهمشة الدور؛ إذ ليس حصراً على مستوى الإقتصاد والسوق نجد التدخل الخارجي على شكل أوامر وخطط من الخارج من أدوات العولمة النيوليبرالية، بل وكذلك في الخيارات السياسية وهوية الدولة ودستورها وحقوق المواطنة ومساحة الحريات العامة والديمقراطية والسياسات الخارجية وغيرها دون حد أدنى من المراعاة لأولوية سيادة الدول في العلاقات الدولية.
في القضايا الجوهرية المطروحة على جدول أعمال المرحلة الإنتقالية يبدو التناغم واضحا بين قوى الإسلام السياسي والقوى الخارجية، التي تطمع في إختصار هذه المرحلة بالتوافق على بقاء البلدان العربية تدور في نفس فلك العولمة الأميركية، ما يعني التوافق على إحتواء هذه الإنتفاضات ومحاصرة أهدافها وحصرها في الحدود الضيقة بعمليات تجميلية على بنية النظام السياسي وإتجاهات عمله ومعالجاته لكل بواعث هذه الإنتفاضات وأهدافها، تلك الأهداف التي طرحتها الحركة الجماهيرية في مسار التحول من حركة عفوية الى حركة بدأت تنتظم وتطرح مطالبها بوعي سياسي أخذ يتنامى باستمرار ويتخذ لنفسه مناحي متعددة تؤطر الحركة كما تؤطر أهدافها على المدى القريب والمتوسط.
وذلك أمر متوقع، لأن الإسلام السياسي، وهذا ما يجب أن تدركه قوى اليسار والقوى الديمقراطية والليبرالية صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير الشامل والإصلاحات العميقة، لا يتحرك في فضاء مواجهة التحديات الإجتماعية والإقتصادية لمعالجة مشكلات الفقر والبطالة والتفاوت الإجتماعي الواسع وإنسداد آفاق التنمية بفعل قيود أدوات العولمة الرأسمالية المتوحشة، بقدر ما يهرب منها تحت ستار من الدعاية السياسية والأيدولوجية لحلول مشكلات المجتمع.
في مجرى النضال من أجل حقوق العمال وفقراء الفلاحين وسائر الكادحين، وحقوق الشباب والمرأة وحقوق المكونات التي تراعي التعددية الطائفية والإثنية في البلدان العربية، كان الإسلام السياسي يتقاطع مع أنظمة الإستبداد ومع الرأسمالية والبورجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية، التي راكمت الثروات على حساب الإفقار المتزايد للجماهير الشعبية الواسعة. وهذا أمر طبيعي، لأن الإسلام السياسي يدافع عن الطبيعة المقدسة للملكية ويعتبرها من شؤون الشريعة، مثلما يدافع عن إعادة إنتاج النظام الرأسمالي، ويستخدم «مسألة الهوية» أداة للتعبئة والتحريض والحشد التنظيمي، وكأنها قضية مركزية تتقدم هموم المجتمع وإهتماماته، بينما هي في حقيقة الأمر لا تقدم إجابة على مسألة العدالة الإجتماعية التي شكلت إحدى الشعارات المؤسسة للثورات الشعبية. إن إستخدام «مسألة الهوية» يميّع الإستقطاب الحقيقي في المجتمع، ويحوّله – بشكل مصطنع – إلى إستقطاب إسلامي - علماني.
إن محور التركيز في نشاط الإسلام السياسي لم يكن يدور حول تعبئة الرأي العام للتحرر من قيود العولمة الرأسمالية بقدر ما كان يدور حول تخفيف هذه القيود وتجميل التبعية وشروط البقاء في نفس النظام الإقتصادي لهذه العولمة الرأسمالية دون إمتلاك تصور حقيقي عن أصول التنمية الإجتماعية بمعناها الشامل. وفي نشاطه كان الإسلام السياسي يعمل دائما في إتجاهين، صراع على السلطة ضد الأنظمة السلطوية وصراع الإنفراد والتفرد بها في حال فوزه، بل وفي سياق سعيه للفوز بالسلطة ضد المعارضة اليسارية والديمقراطية والليبرالية.. قوى التغيير والتنوير والحداثة.
(6)
بين نموذجين
ليست قليلة هي الأخطار، التي تهدد الإنتفاضات والثورات الشعبية، التي قدمت نموذجا متقدما في النضال. هنا ينبغي الحذر من تقاطع المواقف والمصالح بين القوى الإستعمارية وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأميركية وبين قوى الإسلام السياسي في إستعجال السطو على هذه الإنتفاضات وغلق طريق المرحلة الإنتقالية على دائرة من المطالب والأهداف تختصر الأهداف بدساتير جديدة ومرجعيات يمكن إستغلالها كحصان طروادة في بناء دولة مدنية مشوهة (أو حتى دولة دينية لا تقيم المساواة بين مواطنيها، دولة تبحث عن مرجعية من خارج مؤسساتها)، وفي إنتخابات تعيد إنتاج أنظمة برلمانية أو رئاسية تُجمِّل ما كان قائما وتحافظ في الوقت نفسه على بنية النظام السياسية الأساسية، وعلى دائرة من الحلول في تقاسم النفوذ والسلطة بين السلطة التنفيذية والعسكر لترسو على صيغة / نموذج يقع بين أحد حدين:
الحد الأول يقف عنده النموذج التركي في بلدان شقت فيها الحداثة طريقها حتى في ظل الإستبداد. والحد الآخر يمثله النموذج الباكستاني، حيث تحتل السلطة التنفيذية واجهة المسرح، فيما يعمل العسكر من خلف ستار؛ لن تعطل الإدارة الأمريكية بناء نظام سياسي على النموذج التركي في تونس، فذلك ينسجم مع البناء السياسي والثقافي والحقوقي في هذا البلد، ولكنها - بالمقابل - سوف تمارس ما لديها من وسائل ضغط وتدخل للتوافق مع الإسلام السياسي في مصر على نموذج آخر يبتعد عن النموذج التركي وما يملكه من مساحة إستقلال عن السياسة الأميركية ومن طموح لدور سياسي أوسع في المنطقة، نظام سياسي بمرجعية دينية في واجهة المسرح، وعسكر متنفذون يحمون في الوقت نفسه النظام السياسي بمرجعيته الدينية. وعلى هذا الطريق نلاحظ أن الإسلام السياسي في مصر – في سياق ومن أجل إستلام السلطة – قدم للإدارة الأميركية ضمانات خاصة بإدامة التوجه النيوليبرالي للسياسات الإقتصادية، وبإستمرار التعاون الأمني والإقليمي مع واشنطن، فضلاً عن ضمانات سياسية تتعلق بإحترام معاهدة السلام مع إسرائيل وعدم المساس بها.
(7)
الدور الأميركي وحدوده
ما سبق لا يعني أن واشنطن تتمتع بوضعية تسمح لها بترتيب أوضاع المنطقة وفقاً لأفضلياتها، فهنالك حدود تصطدم بها ناجمة بالأساس عن الإرادة السياسية لشعوب المنطقة وطموحاتها في الحرية والديمقراطية والمساواة والتطور الإقتصادي والحضاري والعيش الكريم والعدالة الإجتماعية.. وهنالك مصالح وطموحات ومخططات قوى عالمية في المنطقة وكذلك دول إقليمية.. وهنالك أيضاً حدود القدرة الأمريكية نفسها الناجمة – من بين عوامل أخرى – عن الحالة الإقتصادية والمالية التي مازالت ترزح تحت عبئها الولايات المتحدة، ما يقود إلى الملاحظة الرئيسية التالية:
سياسة الإدارة الأميركية في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط بالذات، ستكون محكومة بواقع الأزمة التي مازالت تعصف بالإقتصاد الأميركي(1) رغم التحسن المحدود الذي شهده في الشهور الأخيرة في العام 2012؛ كما أن الإدارة الأميركية ستكون محكومة بواقع العجز في الموازنة العامة التي تجعل من تقليصه أولوية قصوى لإدارة أوباما، آخذين بالإعتبار الصعوبات (العرقلة) الناجمة عن تمتع المعارضة الجمهورية بأكثرية في مجلس النواب وإستتباعاً في الكونجرس.
إن الحالة الإقتصادية التي مازالت تتلمس ببطء (غير محصَّن) طريقها إلى التعافي وتقلص الموارد المالية المتاحة للإدارة الأمريكية في ضوء إرتفاع الإنفاق العسكري(2)، وفي الوقت الذي تزداد فيه الأعباء المالية الناجمة عن ضرورة تلبية متطلبات برامج الإصلاح الداخلي الممتدة من التعليم بنواقصه والضمان الصحي بفجواته.. إلى البنية التحتية المتقادمة.. إن كل هذا يضع قيوداً على أي سلوك في السياسة الخارجية تترتب عليه إلتزامات وأعباء مالية إضافية..
لا بل ريما سيدفع – كإحتمال – باتجاه تخفيض هذه الألتزامات، إذا أخذنا بالإعتبار التأثير الإرتدادي السلبي الذي تشكله أزمة المديونية الأوروبية على النظام المصرفي العالمي (واستتباعاً الأميركي).
إلى هذا نشير إلى تطورين هامين سيؤثران على سياسة واشنطن في منطقة الشرق الأوسط: الأول يتمثل بالتوجه إلى تعزيز حضور الولايات المتحدة (عسكرياً، سياسياً..) في جنوب شرق آسيا والمحيط الهاديء عموماً أمام صعود الصين وكذلك دول أخرى كالهند على سبيل المثال. والثاني هو تراجع إعتماد الولايات المتحدة على إستيراد الطاقة من الخارج الذي إنخفض إلى النصف بحلول العام 2012، خاصة أنها ستصبح المنتج الأكبر للطاقة من مصادر أحفورية خلال أقل من عقد من الزمن.
(8)
«القيادة من خلف»
هذه الوقائع والتطورات لا يترتب عليها بكل تأكيد سياسة فك إرتباط الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، بقدر ما يعني رسم مسافة مدروسة عن مجريات المنطقة تسمح لها بإدارة سياسية تصون مصالحها بأقل درجة ممكنة من الكلفة المادية والتورط السياسي والميداني المباشر (أي نقيض حالتي التدخل في العراق وأفغانستان).
كما أن هذا لا يترتب عليه تراجع واشنطن عن أفضلياتها التحالفية الإستراتيجية (آخر مثال على ذلك: دعمها الكامل للعدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في إطار حملة «عمود السحاب»)، ولا عن أولوية مكافحة الإرهاب (بالتعريف الأميركي)، بل إدارتها باسلوب مختلف (مثلاً: الإغتيالات عن بعد) إلى جانب حث الحكومات على الإضطلاع بهذا الدور (اليمن، مصر، الجزائر..).
هذه الوقائع والتطورات تدفع واشنطن إلى البحث عن شركاء يتقاسمون معها تحمل مسؤولية (ومغانم) القيادة في منطقة الشرق الأوسط (الإتحاد الأوروبي؛ دول الدور الإقليمي على غرار تركيا، السعودية وقطر؛ حركات سياسية كالإخوان المسلمين..)، دون المساس بموقعها الأول، وإن مارسته أحياناً بأسلوب «القيادة من خلف».
ومن أهم الإستخلاصات التي نخرج بها من رصد هذا المنحى في تطور سياسة واشنطن هو درجة أعلى من الإستعداد للتكيف مع تطورات معينة في بلدان المنطقة عندما تتمايز عن سياسة الإدارة الأمريكية أو حتى عندما تختلف معها، ما يفسح في المجال أمام قوى التقدم الإجتماعي والتنمية الإقتصادية المستقلة والتغيير الديمقراطي الحقيقي لشق طريقها في النضال الوطني والإجتماعي سواء في البلدان التي شهدت إنتفاضات أو ثورات شعبية أو تلك التي مازالت تتململ متحفزة على هذا الطريق.

(9)
موقع فلسطين في الحراك
ما يجري في بلدان الإنتفاضات العربية يطرح من جديد تعريف موقف الأنظمة من القضايا العربية وفي المقدمة منها قضية فلسطين والصراع الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي. ما هو جوهري في هذا السياق هو مسار تطور هذه الإنتفاضات وتحديدا في مصر (دون إجحاف بدور بلدان عربية أخرى) من دولة الإحتلال الإسرائيلي، التي تنحدر بتسارع نحو العنصرية السافرة ونحو ميول التطرف والعدوان، وتسعى بالتواطؤ أو بالتوافق مع الإدارة الأميركية إلى دفع الدول العربية المعنية للتقيّد بالمعاهدات التي وقعتها مع دولة اسرائيل والإلتزام بما تنطوي عليها من قيود على حساب سيادتها الوطنية، وفي الوقت نفسه دفع دول أخرى لاستئناف عجلة التطبيع مع اسرائيل مقابل مساعدات إقتصادية باتت هذه الدول بحاجة لها، فضلا عن تحجيم الدور الإيراني في المنطقة، حتى لو كان ثمن ذلك عدوان عسكري بحجة درء الخطر النووي القادم من إيران، لتبقى اسرائيل اللاعب الرئيسي في سد حالة الفراغ السياسي، التي أورثتها دول الإستبداد وغيرها من بلدان المنطقة.
هنا تدور الدعاية السياسية لقوى خفيّة وأخرى فاعلة ومؤثرة في الميدان لاستباق تطور الإنتفاضات في هذه البلدان وتوجيه مسارها على هذا المستوى من خلال الترويج لمواقف تشيع مناخات سياسية تدعو الى الأخذ في الإعتبار أن الدول، التي إجتاحتها هذه الإنتفاضات باتت اكثر إنشغالا بأوضاعها الداخلية ومعالجة التدهور الذي أصاب إقتصادها والخسائر التي تكبدتها، فضلا عن التصدع الذي طرأ على هياكلها، لتبرر حاجتها إلى الإستقرار الأمني والإقتصادي والسياسي الداخلي، ما يدفعها إلى الإنكفاء وإلى تراجع الإهتمام بالقضايا العربية وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية.
إن الشعوب التي إنتفضت وثارت، وخرجت تنادي بالخبز والكرامة والعمل والحقوق والمساواة في المواطنة والديمقراطية التعددية والعدالة الإجتماعية، وأعربت في الوقت نفسه عن غضبها وسخطها على التبعية السياسية والإعتداء والتجاوز على سيادتها الوطنية.. هذه الشعوب تدرك أن التقدم على طريق تحقيق هذه الأهداف يؤثر ويتأثر في آن، بمدى التقدم الذي تحرزه نضالات الشعوب في المحيط العربي من أجل الأهداف ذاتها من حيث الجوهر.
إن إدراك حقيقة العلاقة العميقة بين هذين البعدين (الوطني والعربي) الذي غاب عن وعي الأنظمة التي إعتبرت أن لهيب الثورات الشعبية التي بدأت في تونس لن ينتقل إليها، سرعان ما لفحتها نيران الإنتفاضة في عقر دارها؛ إن إدراك هذه الحقيقة هو الذي يؤسس لحلول القضايا العربية وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية في موقع متقدم على أجندة الشعوب وحركاتها التي ثارت على حكامها. هذا ما تؤكده الوقائع وحقائق الميدان، ومن بينها وآخرها هبّة جماهير الثورة في مصر تضامناً مع شعب فلسطين إبّان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في إطار حملة «عمود السحاب» (14-21/11/2012) .

II – العملية السياسية – الإنقسام الداخلي
(1)
أنابوليس – محطة أخرى
بعد إنقلاب حماس (14/6/2007) بحوالي ستة شهور دعت الولايات المتحدة إلى مؤتمر دولي في أنابوليس في 27/11/2007، إستأنف تحت سقفه الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي المفاوضات المباشرة، على أن تُختتم مع إنتهاء ولاية الرئيس الأميركي بوش الابن في 20/1/2009. وبدا الخلاف واضحاً بين الطرفين، ففي الوقت الذي إعتبر فيه المفاوض الفلسطيني السقف الزمني للمفاوضات ملزماً للوصول إلى إتفاق حول قضايا الحل الدائم، رفضت حكومة أولمرت مثل هذا التفسير ورفضت أن تقدم أي تعهد بذلك. دارت المفاوضات التي أطلقها مؤتمر أنابوليس في حلقة مفرغة، وعجزت عن تحقيق أي إختراق جوهري، بل إنتهت نهاية دموية حين شنت إسرائيل حملة «الرصاص المصهور» (28/12/2008 – 18/1/2009) على قطاع غزة والتي واكبت رحيل إدارة بوش.
إستغلت إسرائيل حالة الإنقسام الفلسطيني وما ولدته من ضعف وتفاقم الإختلال في موازين القوى التي حكمت العملية التفاوضية، من أجل التنصل من إلتزاماتها، والتهرب من متطلبات الحل، ومواصلة وتصعيد سياسة الأمر الواقع على الأرض وتكريسه كمرجعية للعملية التفاوضية بديلاً لقرارات الشرعية الدولية.
وبدلاً من وقف النشاطات الإستيطانية كافة، بما فيها ما يسمى بالنمو الطبيعي، والتفكيك الفوري للبؤر الإستيطانية التي أقيمت بعد آذار (مارس) 2001، شهدت الفترة التي أعقبت مؤتمر أنابوليس تصعيداً محموماً للنشاط الإستيطاني التوسعي، في القدس والأغوار وسائر مناطق الضفة الفلسطينية، بوتيرة تفوق أضعافاً مضاعفة معدلاته في الفترة التي سبقت أنابوليس. وتجاهلت إسرائيل الإلتزامات برفع الحظر عن المؤسسات الفلسطينية في القدس، وقابلتها بحملة شرسة لهدم المزيد من المنازل وإغتصاب أراضي المواطنين واستكمال تطويق المدينة وعزلها عن محيطها الفلسطيني. كما ضربت عرض الحائط بضرورة إزالة الحواجز وتسهيل حرية الحركة والعودة إلى الأوضاع التي كانت قائمة قبل 28/9/2000. وتعمدت تشديد القيود على حركة المواطنين، وتصعيد وتيرة الإقتحامات والإجتياحات وحملات الإعتقال ومداهمة المؤسسات والمصالح التجارية وإغلاقها ومصادرة ممتلكاتها، ما أدى إلى إضعاف، بل هدد بتقويض مكانة السلطة الفلسطينية ومصادرة صلاحياتها. وتأكيداً لاستهتارها هذا، أصرت إسرائيل على تعطيل العمل بالآلية الثلاثية (الفلسطينية – الإسرائيلية – الأمريكية) التي أنشأها مؤتمر أنابوليس لمراقبة تنفيذ الطرفين التزاماتهما بموجب المرحلة الأولى من خطة «خارطة الطريق».
بقيت الفجوة حول قضايا الوضع النهائي بين الجانبين واسعة؛ إذ أصرت تل أبيب على تأجيل بحث وضع القدس، وعلى ضم الكتل الإستيطانية في محيطها (معاليه أدوميم- آدم- ألمون- شرق تالبيوت- جفعات هداشا- جفعات شبيرا- جفعات زئيف- هارآدار- كفار أدوميم- كوخاف يعقوب- متسبه يدودي وريخس شعفاط) وهي تلتهم نسبة هامة من مساحة الضفة؛ كما أصرت على الإحتفاظ بسيطرة أمنية طويلة الأمد على غور الأردن وضفاف البحر الميت، ما يقوِّض قدرة الدولة الفلسطينية العتيدة على الحياة ويسلبها مقومات الإستقلال الحقيقي والسيادة.
بدورها، ورغم إدعائها لعب دور الحكم على أداء الطرفين، غضَّت الولايات المتحدة الطرف عن الإنتهاكات الإسرائيلية، وإمتنعت عن القيام بمسؤولياتها لإنصياع إسرائيل لإلتزاماتها، أو في الضغط عليها لفك إستعصاءات التفاوض حول قضايا الوضع الدائم. بل إن الإدارة الأميركية، ولإعتبارات إنتخابية ومصلحية خاصة، مارست الضغط على الجانب الفلسطيني لقبول إصدار إعلان، يحدد المدى الذي وصلت إليه المفاوضات، ويرسي الأساس لتواصلها في ظل الإدارة الأميركية القادمة بعد إنتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2008. وهو مسعى كانت تكمن خطورته في أنه يرسم سقفاً جديداً للمفاوضات اللاحقة، أكثر إنخفاضاً من السقف الذي حدده بيان أنابوليس، بما يحمله هذا من تآكل مضاف في الموقف التفاوضي الفلسطيني؛ بل حاولت الولايات المتحدة فرض إتفاق إنتقالي يؤجل البت بالقضايا الرئيسية، ويدخل القضية مرة أخرى في متاهة الحلول الجزئية والإنتقالية، كما كان قد رسم معالمها – في إطار ما سمي بخطة «فك الإرتباط» - رئيس حكومة إسرائيل الأسبق أريئيل شارون، الذي على خلفيته أسس حزب كاديما.
(2)
«محادثات التقريب»
أعقب فشل مفاوضات أنابوليس جمود دام حوالي عام ونصف العام، في ظل إدارة أميركية جديدة، يقودها الديمقراطي باراك أوباما. وقد تشكل خلال هذه الفترة من الجمود، إجماع وطني فلسطيني، على ربط إستئناف المفاوضات باحترام إسرائيل للمتطلبات التي تمليها الشرعية الدولية، وفي مقدمتها ضرورة وقف النشاطات الإستيطانية كافة، بما في ذلك ما يسمى بالنمو الطبيعي، وضرورة إعادة بناء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، على قاعدة قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع وبالقضية الفلسطينية، كمرجعية سياسية وقانونية، وتحديد سقف زمني لها وآلية ملزمة لتنفيذ نتائجها.لقد نجح هذا الموقف المتماسك في حمل الإدارة الأميركية على إتخاذ موقف أكثر توازناً، وتبني المطالبة بوقف الإستيطان كإحدى المتطلبات الرئيسية لعملية السلام، كما وردت في خطاب أوباما بجامعة القاهرة في حزيران(يونيو) 2009، حيث أكد عدم قبول الولايات المتحدة بـ«مشروعية إستمرار المستوطنات الإسرائيلية»، وأنه قد «آن الأوان لكي تتوقف هذه المستوطنات».
إصطدمت هذه الدعوة بتعنت حكومة نتنياهو، الأمر الذي قاد إلى بلورة صيغة «محادثات التقريب» كشكل من أشكال المفاوضات غير المباشرة التي إقترحتها الولايات المتحدة للإلتفاف على العقبات التي أعاقت إستئناف المفاوضات. وهو قام على قاعدة تعهدات أميركية، بأن تلتزم إسرائيل بتجميد مشروع البناء الإستيطاني في القدس وسائر أنحاء الضفة الفلسطينية.
إن هذه التعهدات الأميركية، على الرغم من محدوديتها، فضلاً عن كونها مثلت تراجعاً عما سبق إعلانه في خطاب أوباما في القاهرة، إنما أشّرت إلى إمكانية التأثير، نسبياً، في موقف الإدارة الأميركية إذا ما تمّ الثبات على موقف فلسطيني حازم، مدعوم عربياً، يستند بقوة إلى الشرعية الدولية.
إنطلقت «محادثات التقريب» (المفاوضات غير المباشرة) برعاية المبعوث الأميركي جورج ميتشل. لكن التعهدات الأميركية- كما بيّن المجرى العملي للأمور- فشلت في توفير ضمانات حقيقية تكفل تقيّد حكومة اليمين واليمين الإسرائيلي المتطرف، برئاسة نتنياهو، بمتطلبات الإنطلاق بعملية سياسية جادة ومثمرة، بعد وقف كافة الأنشطة الإستيطانية، الأمر الذي أكد صحة الموقف بعدم قبول الإنخراط في «محادثات التقريب» عندما إنطلقت في 19/5/2010. لقد أعلنت حكومة نتنياهو ما سمي بالتجميد المؤقت للاستيطان لمدة عشرة شهور(من 26/11/2009 إلى 26/9/2010) باستثناء القدس ودون أن يطال ذلك أعمال البنية التحتية، والمشاريع العامة، والمشاريع التي بوشر بتأسيسها. وقد أثبتت الحقيقة التي لا تقبل الدحض، أن مثل هذا الإعلان لم يوقف النشاطات الإستيطانية لحظة واحدة على إمتداد شهور التجميد، فاستمر البناء في مستوطنات كريات أربع وتقواع وكيدار ومعاليه أدوميم ومعالي مخماس وكوخاف يعقوب وموديعين عيليت وكرمئيل وأرئيل، وفي مستوطنات الأغوار (مسكيوت) فضلاً عن مصادرة وتجريف أراضي المواطنين تمهيداً لمواصلة تشييد «الجدار» في محافظة بيت لحم- الولجة.
إن هذه المشاريع، ومشاريع أخرى في حي سلوان المقدسي، وإبعاد أربعة نواب من المجلس التشريعي عن مدينة القدس، شكلت خرقاً نافراً لأبرز قواعد عملية «محادثات التقريب»، ووضعت التعهدات الأميركية في إختبار حاسم، إتضح من خلاله مدى إفتقارها إلى الجدية والمصداقية. وإنقضت مدة الشهور الأربعة المحددة لهذه المحادثات دون أية مؤشرات لإمكانية أن تحقق أي تقدم ملموس.
(3)
المفاوضات المباشرة
في 2/9/2010 إستأنف الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي المفاوضات المباشرة، دون أن يتلقى المفاوض الفلسطيني الضمانات اللازمة التي تسمح بتقليص، ولو نسبي، لاختلال التوازن بين طرفي العملية السياسية، وهي، بالحد الأدنى، التجميد الكامل للإستيطان. وبالتالي، فإن إنضمام الجانب الفلسطيني إلى المفاوضات المباشرة بدون تأمين إسرائيل لمتطلباتها، أضاف عناصر تعقيد أخرى إلى العملية السياسية التي إنطلقت في 19/ 5/ 2010 تحت عنوان «محادثات التقريب»، والتي فشلت في «تقريب» المواقف رغم إندراجها تحت مظلة التجميد المؤقت للإستيطان لمدة عشرة شهور، الأمر الذي لم يحل خلال هذه الفترة دون إنهاء إسرائيل العمل بثلاثة آلاف وحدة إستيطانية.
وفي محاولة منه لنقل مسؤولية إتخاذ القرار السياسي إلى المستوى العربي الرسمي، توجه الجانب الفلسطيني، مرة أخرى، كما قبل «محادثات التقريب» في 2/3/2010، إلى «لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية» (ل.م.ع) التي فوضت الرئيس عباس في 29/7/2010 تحديد موعد الإنتقال إلى المفاوضات المباشرة، فقدمت له غطاء سياسياً، لكنها، في الوقت نفسه، حمّلته مسؤولية إتخاذ القرار.
وفرت ل.م.ع غطاء سياسياً لذهاب الطرف الفلسطيني إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بتبريرات مختلفة: منع حكومة إسرائيل برئاسة نتنياهو تسجيل هدف في مرمى العرب، والتذرع بتوفر ضمانات أميركية على الرغم من إقرار العرب بأن حكومة نتنياهو ليست بوارد السعي إلى السلام.
وبقرارها هذا، سجلت ل.م.ع تراجعاً عن الشروط والضمانات التي كانت قد تكررت في قرارات الجامعة العربية المتتابعة، والتي إعتمدتها القمة العربية في سرت (ليبيا) في آذار (مارس) 2010، لا بل تراجعت عن قراراتها السابقة كما وردت في البيان الصادر عن ل.م.ع. في 13/11/2009، والذي كان قد نص على «الإلتزام بالموقف العربي بأن إستئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية يتطلب تنفيذ إسرائيل إلتزامها القانوني بالوقف الكامل للإستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية».
إن تراجع ل.م.ع يقع في إمتداد ما سبق حين قررت اللجنة في 2/3/2010، تسهيلاً لدور الولايات المتحدة إعطاء فرصة لـ «محادثات التقريب» وفقاً لآلية تقوم على: ألا تكون هذه المحادثات مفتوحة النهاية، ووضع حد زمني لها لا يتجاوز الأشهر الأربعة؛ وألا تنتقل محادثات التقريب إلى مفاوضات مباشرة إنتقالاً تلقائياً. وحددت ل.م.ع أنه في حال فشل هذه المحادثات وإستمرار الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، تقوم الدول العربية بالدعوة إلى عقد إجتماع لمجلس الأمن لإعادة عرض النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي من مختلف أبعاده، والطلب إلى الولايات المتحدة عدم إستخدام الفيتو باعتبار أن فشل المحادثات، وتدهور الأوضاع في الأراضي المحتلة، يبرر ذلك.
إن قرارات ل.م.ع (التي تضم وزراء خارجية 13 دولة عربية)، إنما تعبر عن محصلة الموقف العربي، وكان من غير الممكن أن تتجاوز السقف المرسوم أميركياً. ولقد أخطأت القيادة الفلسطينية الرسمية حين طلبت الموقف منها، بدلاً من أن تضعها هي أمام الموقف الفلسطيني المقر وطنياً وما يترتب عليه. كما أخطأت القيادة الفلسطينية حين إستجابت لضغوط واشنطن التي لم يعد بإمكانها سوى أن تسلّط جلّ ضغطها على الجانب الفلسطيني لكي تبقي على العملية التفاوضية قائمة، بغض النظر عن إمكانية تقدمها، ناهيك عن إدراك هدفها المعلن بتحقيق التسوية.
(4)
إدارة أوباما.. تقدم فإحجام
شهدت السياسة الأميركية، في ظل إدارة أوباما الديمقراطية، إستدارة واضحة عن العملية التفاوضية، تمثلت في الإنتقال من بعض المواقف الإيجابية، في بداية ولايته، نحو التحيّز السافر لإسرائيل:
ففي خطابه بجامعة القاهرة، في حزيران (يونيو) 2009، تبنى الرئيس أوباما مطلب وقف الإستيطان، كأحد متطلبات إستئناف العملية التفاوضية.
وفي اللقاء الثلاثي الذي جمعه والرئيس محمود عباس ونتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، في نيويورك (22/ 9/2009)، أكد أوباما أن حل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي هو «مصلحة أميركية».
وفي اليوم نفسه، وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، واصل أوباما في خطابه التأكيد «أن الولايات المتحدة لا تقبل بمشروعية الإستيطان الإسرائيلي» في الضفة، وأكد كذلك تأييد بلاده للحل القائم على «دولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن- دولة يهودية لإسرائيل مع توفير الأمن الحقيقي للإسرائيليين؛ ودولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة ذات حدود متماسكة(3)».
لكن أوباما، وفي حديث إلى مجلة تايم الأميركية في 22/1/2010، أعطى الإشارة الأولى لاستدارة سياسته إزاء العملية التفاوضية، حيث أقر بالصعوبات التي واجهها باعتبارها «مشكلة كلما سعيت لحلها تزداد صعوبة». وإعترف بأنه بالغ في تقدير قدرته على إقناع الطرفين بأن يبدآ «مباحثات ذات مغزى». وختم بأنه لو كان يتوقع هذا القدر من المشكلات السياسية لما كان أثار «توقعات كبيرة كهذه».
لقد طرأ على السياسة الأميركية حيال ملف الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي خلال فترة قصيرة نسبياً تعديلات ذات أهمية:
في البداية حصلت ثلاثة تطورات حقيقية في موقف الإدارة الأميركية حيال هذا الصراع: الإقرار بأن المصلحة القومية والعسكرية الأميركية، تقتضي إيجاد حل لهذا الصراع؛ الحديث عن ضرورة قيام دولة فلسطينية بنفس ضرورة الحفاظ على أمن إسرائيل وباعتبار هذه الدولة مصلحة أميركية؛ تجميد الإستيطان.
بعد أن إصطدمت الإدارة الأميركية بتعنت الحكومة الإسرائيلية، ورفضها الإقدام على تجميد حقيقي للإستيطان، إختزلت خطوطها ضمن إستراتيجية ثلاثية القوائم: مفاوضات بدون شروط مسبقة (أي إسقاط مطلب تجميد الإستيطان)؛ الإعتراف بيهودية دولة إسرائيل (دولة قومية للشعب اليهودي)؛ دولة فلسطينية حدودها على أساس خط حزيران (يونيو) 67 مع إقرار تبادل أراضٍ.
لا بد أن أسباباً داخلية وخارجية، هي التي أملت على أوباما وإدارته تعديل سياسته إزاء العملية التفاوضية. لكن هذا لا ينفي أن من العوامل التي شجعت واشنطن على تعديل موقفها هو غياب الموقف الفلسطيني الموحد، وتداعيات الإنقسام، ورخاوة محصلة السياسة العربية الرسمية التي سهّلت على واشنطن الضغط عليها وإستدراج التنازلات منها، وصولاً إلى الإنحياز إلى مواقف إسرائيل، كالإعتراف بيهودية الدولة، والقبول باستمرار الإستيطان بالتوازي مع إستئناف المفاوضات، حيث إقتربت واشنطن من قبول إعتماد مبناها القائم على مديين زمنيين؛ الأول: خلال عام التوصل إلى «اتفاقية إطار». والثاني: خلال عشرة أعوام إنجاز وتطبيق إتفاقيات متفرعة، تطول مجمل قضايا الحل الدائم وعناوينه. وفي هذا الإطار تصبح السياسة العربية ذات قابلية عالية للضغط على الجانب الفلسطيني كما تبدّى ذلك بجلاء في إطلاق «محادثات التقريب».
(5)
حدود الإستراتيجية المعتمدة
تموّج السياسة الأميركية وضغوطها، ورخاوة محصلة السياسة العربية الرسمية وإستجابتها للضغوط الأميركية، شكلت مجتمعة البيئة الملائمة، والدافعة، لسياسة فلسطينية رسمية ذات سمة دفاعية سلبية، إعتمدت عملياً – رغم غزارة الكلام عن المقاومة الشعبية - إستراتيجية ثنائية المسار:
مسار أول يعتمد البناء المؤسسي والإقتصادي تحت مظلة الضبط والسيطرة الأمنية، وهو ما مثله برنامج الحكومة الثالثة عشرة برئاسة سلام فياض, وهو برنامج غاب فيه الحد الأدنى الفاصل بين الوهم والحقيقة في الإطار السياسي، يقوم على الرهان الخاسر على إمكانية بناء مؤسسات بمستوى مؤسسات الدولة في ظل الإحتلال، باعتبارها رافعة أساسية لإنهائه.
ومسار آخر يعتمد على الرهان على المفاوضات (حتى بالشروط الأميركية) والمثابرة عليها ومعالجة تعثرها بمواصلتها إلى أن ينغلق الأفق أمامها.
لقد أثبتت التجربة أن هذه الإستراتيجية عاجزة عن إستنهاض عناصر القوة الفلسطينية المباشرة، أي القوة الذاتية، وعناصر القوة الإحتياطية، أي شبكة التحالفات والعلاقات الخارجية؛ بل تجعل مثل هذه الإستراتيجية الحالة الفلسطينية مكشوفة على الضغوط العربية والأميركية بخاصة، ومحكومة بهاجس وتخوف دفع الثمن وجني الخسائر في حال عدم الإستجابة لهذه الضغوطات.
من أبرز الأمثلة على ذلك رسالة الرئيس أوباما إلى الرئيس الفلسطيني في 16/7/2010، والتي دعا فيها إلى الإنخراط في المفاوضات المباشرة مع التلويح، في الوقت ذاته، بعواقب عدم الإستجابة للمطالب الأميركية، وإن جاء هذا التلويح بأسلوب دبلوماسي. لقد رضخت القيادة الفلسطينية لهذه الضغوط، حين استجابت لرسالة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون (20/8/2010)، دعت فيها للإنضمام للمفاوضات المباشرة «بدون شروط مسبقة»، أي بدون تجميد الإستيطان. وجاءت التجربة الجديدة لتعيد تأكيد الدروس ذاتها بأسرع مما توقعت القيادة الفلسطينية. أكدت ذلك نتائج اللقاء مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن (2/9/2010) وشرم الشيخ (14/9/2010) والقدس الغربية (15/9/2010).
لقد إتضح لهذه القيادة حجم المشكلة الآخذة بالتضخم، ذلك أن نتنياهو لم يكتفِ بوقف قرار التجميد الجزئي للإستيطان، بل قدم سلسلة مطالب، لو تمت الإستجابة لها لوجد المفاوض الفلسطيني نفسه أمام ترتيبات إنتقالية، تقود إلى أقل من «دولة ذات حدود مؤقتة»، «دولة» مقطعة الأوصال. أي باختصار تطبيق العناصر الأساس لـ «خطة المصالح الإستراتيجية» العائدة لحكومة نتنياهو الأولى (1996- 1998). وهي الخطة التي كانت قد أقرتها في كانون الأول (ديسمبر) 1997، وهي من إعداد وزير الدفاع اسحق مردخاي ووزير البنى التحتية أريئيل شارون في حينها. ومن أهم عناصرها:
أ) القدس الموحدة بقسميها بعد ضم الكتل الإستيطانية في محيطها (القدس الحاضرة؛Metropolitan Jerusalem) عاصمة دولة إسرائيل؛ ب) ضم مستوطنات الضفة ما عدا عدد محدود منها؛ ج) عدم التخلي عن الأراضي التي فيها آبار وأحواض المياه الجوفية، وإعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأمن الإسرائيلي؛ د) شريط يلف الضفة من كل الجهات – بما فيها الشرقية - باليد الإسرائيلية.
ومن أكثر القضايا خطورة التي طرحها نتنياهو في لقاء واشنطن، هو فكرة أو مشروع «إتفاق الإطار»، باعتبار أنه يجد تأييداً لدى الإدارة الأميركية. وإنطلق هذا المشروع في بحث مسائل الحدود، بالأساس، من مقاربات أمنية بالمفهوم الإسرائيلي، الذي يركز على ضم الأراضي والسيطرة عليها، ومصادرة السيادة، وليس على الإتفاقيات التعاقدية والتعهدات المتبادلة بين دولتين. واستثنى هذا المشروع البحث في القضايا الجوهرية (القدس- الإستيطان- اللاجئون) حيث يجري بحثها لاحقاً بعد إنجاز إتفاق الإطار، فيضحى الهدف هو الوصول إلى تسوية إنتقالية جديدة، وليس إلى إتفاق شامل، جاهز للتطبيق في فترة زمنية مختزلة.
في 26/9/2010 لم تجدد حكومة نتنياهو قرار تجميد الإستيطان الجزئي، ولم تثمر المحاولات الأميركية لثني نتنياهو عن موقف حكومته، وهو ما قاد إلى تعطيل المفاوضات، إلى أن إنعقدت في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2011، وبدعوة أردنية، جولات من «المباحثات الإستكشافية»، بين الطرفين. رفض فيها الجانب الإسرائيلي تقديم أية إقتراحات خطية، إلى أن إنتهى أجل هذه المحادثات في 26/1/2012، دون الوصول إلى أية نتائج.
لقد أثبتت التجربة المرة للمفاوضات الثنائية، بأشكالها المختلفة (مباشرة- محادثات تقريب- مباحثات إستكشافية) فشل الإستراتيجية التي يعتمدها المفاوض الفلسطيني؛ الأمر الذي يتطلب إعتماد إستراتيجية سياسية بديلة، تعيد صياغة شروط العملية التفاوضية، وتضمن الوصول، ضمن سقف زمني محدد، إلى النتائج المطلوبة وطنياً، بما في ذلك قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، على حدود الرابع من حزيران، وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة.
(6)
مأزق الإستراتيجية المعتمدة
وصول المفاوضات المباشرة إلى الطريق المسدود، وتعنت الجانب الإسرائيلي، ورفضه الإلتزام بمتطلبات هذه المفاوضات، وبخاصة وقف مشاريع الإستيطان وأنشطته في القدس الشرقية المحتلة وسائر أنحاء الضفة الفلسطينية، وضعت الجانب الفلسطيني أمام خيارات صعبة، خاصة وأن الوعود الدولية بالوصول إلى حل متوازن سرعان ما تم التخلي عنها، بما فيها قيام دولة فلسطينية، فتصريحات الرئيسين بوش الإبن وأوباما أكدت مدى إفتقارها للصدقية والإرادة السياسية.
ومع ذلك بقي الجانب الفلسطيني يراهن، من جهة على إستئناف ما لهذه المفاوضات، ويراهن من جهة أخرى على وعد اللجنة الرباعية، بدعم قيام دولة فلسطينية، إذ كانت اللجنة الرباعية الدولية في بياناتها قد أيدت مشروع قيام دولة فلسطينية، كما في بيانها الصادر في موسكو (19/3/2010) الذي جاء فيه أن الرباعية «تواصل دعمها لخطة السلطة الفلسطينية لبناء الدولة الفلسطينية في غضون 24 شهراً كدليل على إلتزام الفلسطينيين الجدي، دولة مستقلة تقيم الحكم الرشيد، وتوفر الفرص، والعدالة والأمن للشعب الفلسطيني من أول يوم تقام فيه وتكون جارة مسؤولة تجاه دول المنطقة كلها».
لقد تعاملت السلطة الفلسطينية مع وعد اللجنة الرباعية بشكل رئيسي من خلال مشروع عبّر عنه بوضوح رئيس الحكومة سلام فياض، تقدم به في آب (أغسطس) 2010 بعنوان «موعد مع الحرية» بهدف قيام الدولة المستقلة تحت السقف الزمني لوعد اللجنة الرباعية، والذي كان يفترض أن ينتهي في آب (أغسطس) 2011. قام مشروع فياض في ثلاث دوائر: الأولى البناء الإقتصادي بما في ذلك تشييد البنية التحتية لقيام الدولة وبناء مؤسساتها، الثانية مواصلة العملية التفاوضية برئاسة الرئيس عباس. أما الثالثة فهي «المقاومة الشعبية السلمية».
الدائرة الأولى أثبتت التجربة فشل الرهان عليها، بسبب من إجراءات الإحتلال التعطيلية، والتي تحول دون قيام إقتصاد وطني لدولة مستقلة، وهي ما زالت ترزح تحت الإحتلال. لذا بقيت مشاريع فياض تحت السقف الذي رسمه لها الإحتلال وبما لا يتجاوز الحدود التي لا ترقى بها إلى مستوى إقتصاد وطني لدولة مستقلة.
الدائرة الثانية وضعت على نار حامية حين إنطلقت المفاوضات بصيغها المختلفة لكنها وصلت إلى الطريق المسدود. ولقد سبق لصائب عريقات، رئيس دائرة المفاوضات في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أن أدلى بحديث إلى وكالة الصحافة الفرنسية في 11/11/2009 أكد فيه «أن لحظة الحقيقة جاءت، وعلينا مصارحة الشعب الفلسطيني بأننا لم نستطع تحقيق حل الدولتين من خلال المفاوضات التي إستمرت ثمانية عشر عاماً».
أما الدائرة الثالثة (أي المقاومة الشعبية السلمية)، فقد أكدت التجربة أنها وقعت ضحية سياسات بيروقراطية وغير ديمقراطية، تغلق الطريق على قيام هذه المقاومة حتى بصيغتها «السلمية» المزعومة. من بين إجراءات هذه السياسات قرار الحكومة الفلسطينية في 10/6/2010، الذي تتحمل مسؤوليته قيادة حركة فتح، بإرجاء الإنتخابات البلدية والمحلية التي كان يفترض أن تجري في 1/7/2010، والتي تأجلت عدة مرات لأكثر من عام بدعاوى مختلفة، مع أن المجالس البلدية والمحلية، تشكل واحداً من المرتكزات المؤسسية الرئيسية لمشروع العمل الجماهيري المناهض للإحتلال.
(7)
الهجوم السياسي الدبلوماسي .. خطوة إلى الأمام
في ظل إنسداد المسار التفاوضي تم التقدم إلى مجلس الأمن الدولي، في أيلول (سبتمبر) 2011 بطلب عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة على حدود الـ 67 الخ.. ومما لا شك فيه أن الجانب الفلسطيني، كان يدرك الأهمية القانونية والسياسية لمقعد دولة فلسطين في الأمم المتحدة، مع الإعتراف بحدودها وعاصمتها، وبكون أراضيها محتلة وليست «متنازع عليها».
لقد فشلت هذه المحاولة، وفشلها تتحمل مسؤوليته الإدارة الأمريكية بشكل رئيس، نظراً للدور الذي لعبته في التحريض ضد الطلب الفلسطيني، والضغوط التي مارستها على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بما في ذلك الأطراف الأوروبية ذات العضوية الدائمة، وتهديد واشنطن في الوقت نفسه باللجوء إلى إستخدام حق النقض، في حال نال الطلب الفلسطيني الموافقة القانونية المطلوبة للتصويت عليه في مجلس الأمن (أي موافقة 9 دول من أعضائه).
فشل محاولة العام 2011، في دخول الأمم المتحدة، تبعه جمود سياسي بانتظار دورة الجمعية العمومية في العام 2012، حين جرى التأكيد على عزم القيادة الفلسطينية التقدم بطلب عضوية دولة مراقبة، أي بتجاوز مجلس الأمن، والفيتو الأميركي، ومن خلال التوجه مباشرة إلى الجمعية العامة، حيث تتوفر الأغلبية المطلوبة للموافقة على الطلب الفلسطيني.
وهذا ما تحقق بالفعل في 29/11/2012، حيث قررت الجمعية العامة (بموافقة 138 دولة وإمتناع 41 وإعتراض 9 دول: إسرائيل والولايات المتحدة وكندا وتشيكيا وبنما و 4 دول مجهرية في المحيط الهادئ) منح فلسطين وضع «دولة مراقب» في «منظومة الأمم المتحدة» (التي تشمل بالنسبة لفلسطين: الجمعية العامة + محكمة العدل الدولية + المجلس الإقتصادي والإجتماعي + وكالات الأمم المتحدة المتخصصة الـ 18) «دون المساس بالحقوق والإمتيازات المكتسبة ودور م.ت.ف كممثل للشعب الفلسطيني، وفقاً للقرارات ذات الصلة والممارسة».
إن نيل وضع «دولة مراقب» في «منظومة الأمم المتحدة» خطوة ذات أهمية سياسية وقانونية، إذ تساهم في توسيع دائرة الإعتراف بالحقوق الفلسطينية وبدولة فلسطين؛ كما أن هذه الخطوة تمكّن من خلال التوقيع على مواثيق عالمية ومنها نظام روما الأساسي من الإنضمام إلى «محكمة الجنايات الدولية»، ما يسمح بمقاضاة إسرائيل ومحاسبتها – كدولة ومسؤولين سياسيين وعسكريين- على جرائمها وإنتهاكاتها للمبادئ والأصول والقواعد الناظمة للإحتلال بحسب ما تقرره الشرعية الدولية والقانون الدولي وشرعة حقوق الأنسان والقوانين المتفرعة منها.. وإلى هذا، فإن العضوية المراقبة لدولة فلسطين تمنح أراضيها مكانة «الأراضي المحتلة»، وتسقط صفة «الأراضي المتنازع عليها» التي أضفتها عليها إتفاقيات أوسلو سيئة الصيت.
إن الحكومة الإسرائيلية تعي كل هذا بطبيعة الحال، وتدرك مخاطره على مشروعها السياسي، وهذا مع عبرت عنه بوضوح في جلستها المنعقدة في 2/12/2012 حين قررت: إن الضفة هي «أرض موضع خلاف» و«للشعب اليهودي حق طبيعي ومطالب إقليمية فيها»، وليس في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يغير مكانة المناطق موضع الخلاف وهو «لن يشكل أساساً للمفاوضات مع السلطة الفلسطينية مستقبلاً». وفي بداية جلسة الحكومة الإسرائيلية أكد نتنياهو: «اليوم نحن نبني وسنواصل البناء في القدس وفي كل الأماكن التي توجد على خريطة المصالح الإستراتيجية لدولة إسرائيل».
رغم إرتفاع نبرتها، فإن الحكومة الإسرائيلية تدرك تماماً أن الفلسطينيين قد خلقوا من خلال قرار الجمعية العامة أساساً جديداً للمفاوضات تستأنف بموجبه من أساس حدود الـ 67 والأراضي الفلسطينية المحتلة التي تقع خلفها؛ من هنا فهي تواصل سعيها للإعتراف (أو لتجديد الإعتراف) بالكتل الإستيطانية الرئيسية كجزء من الأراضي السيادية لإسرائيل، وبالتالي كنقطة إنطلاق للمفاوضات على غرار ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية إبان ولاية بوش في رسالته
إلى شارون (14/4/2004)(4) التي قطعت بذلك: «وعلى ضوء الوقائع الجديدة على الأرض، بما فيها مراكز التجمعات السكانية الرئيسية الموجودة في إسرائيل، فمن غير الواقعي أن نتوقع أن تكون نتيجة المفاوضات النهائية عودة كاملة إلى خطوط الهدنة لعام 1949..».
(8)
مواصلة التقدم السياسي
إن نيل العضوية المراقبة لدولة فلسطين على أساس حدود ما قبل الـ 67 خطوة هامة تفتح أمام الحالة الفلسطينية آفاق سياسية رحبة، إن هي إعتمدت – حقيقة – إستراتيجية بديلة للإستراتيجية الحالية، بما يشمل كذلك موضوع المفاوضات بمتطلباتها إلخ..، وإن هي إعتمدت دبلوماسية هجومية، تقوم على العمل في الميدان ضد الإحتلال والإستيطان؛ ومواصلة الهجوم السياسي لتوسيع دائرة الإعتراف بالدولة الفلسطينية والتأييد للحقوق الفلسطينية، وكذلك لوضع إسرائيل موضع المسائلة والمحاسبة على إنتهاكاتها المتمادية للإتفاقيات الدولية الناظمة لقواعد ممارسة الإحتلال، فضلاً عن إعتداءاتها على حقوق الإنسان، وذلك في المحافل الدولية والإقليمية المختلفة.
إن تجربة تعامل الفريق الفلسطيني المفاوض مع فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن الـ «جدار» (2004)، ومع تقرير غولدستون حول إنتهاكات وجرائم حرب إسرائيل إبّان حملة «الرصاص المصبوب»(2009)، لا تشكل المثال المطلوب إتباعه في التفاعل مع نيل عضوية فلسطين في الجمعية العامة، أو النموذج المنشود لمتابعة الهجوم السياسي الدبلوماسي ضد الإحتلال الإسرائيلي وممارساته، بما في ذلك مشاريع الإستيطان وأنشطته في الضفة الفلسطينية والقدس الشرقية المحتلة.
إن مراجعة هاتين التجربتين (فتوى لاهاي، تقرير غولدستون)، بالنفس النقدي اللازم مسألة في غاية الأهمية للخلوص إلى الإستنتاجات الضرورية، التي تؤكد ضرورة متابعة الهجوم السياسي والدبلوماسي ضد الإحتلال والإستيطان، دون تقطّع، ودخول معركة التحدي، معركة الإستقلال، ومغادرة إستراتيجية الخيار الأحادي: المفاوضات تحت الرعاية الأميركية، تحت سقف اللجنة الرباعية، وخطة «خارطة الطريق»، وتبني إستراتيجية بديلة، تكفل ضمان تحقيق أهداف البرنامج الوطني: العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة كاملة السيادة بحدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة.
(9)
الإنقسام
إن إستمرار حالة الإنقسام تشتت الجهود، وتبعثر الإمكانيات وتفقد النضالات الفلسطينية إتجاهاتها السليمة وتغرقها في صراعات داخلية، تندرج في إطار من التهالك على السلطة والمكاسب على خلفية خيارات سياسية وإستراتيجية متباينة. لقد نشأت في هذا الخضم فئات إجتماعية لدى الطرفين، في رام الله وغزة، إعتاشت على الإنقسام، وبنت لنفسها على قاعدته مصالح فئوية. ففي القطاع إزدهرت تجارة الأنفاق والتهريب تحت غطاء المقاومة. لذلك لا يبدو غريباً أنه في الوقت الذي تشتد فيه الأزمات الإقتصادية في القطاع، وترتفع نسبة العاطلين عن العمل، وتتسع أعداد الفقراء ومن هم دون خط الفقر.. في هذا الوقت تنمو شريحة من أصحاب الملايين، إغتنت من سياسة التهريب وتجارة الأنفاق وإحتكار المواد الغذائية والمحروقات وغيرها من المواد الضرورية للحياة. أما في رام الله، فقد غابت رقابة الجسم التشريعي على أداء الحكومة والإدارات والأجهزة، وإستشرت سياسة التضييق على الحريات، وتدخّل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية، ومنع التجمعات العامة، والتحركات الشعبية، بذريعة قطع الطريق على أنصار حماس للإندساس وزرع الفتنة في الصفوف.
(10)
عقبات أمام إنهاء الإنقسام
إنهاء الإنقسام، منذ لحظة وقوعه، شكّل واجباً وطنياً على القوى الوطنية والمخلصة كافة. لذلك كانت الجبهة الديمقراطية أول من أطلق مبادرة لإنهاء الإنقسام، وإستعادة الوحدة الداخلية في مذكرة رفعتها إلى المجلس المركزي لـ م.ت.ف (حزيران/ يونيو 2007). إستندت هذه المبادرة إلى إرادة شعبية تدين الإنقسام والإقتتال، وتتمسك بالوحدة الوطنية كضرورة نضالية إستراتيجية في مواجهة العدو الإسرائيلي. واتبعت الجبهة في ذلك خطين متوازيين: الخط الأول: مواصلة الإتصالات والتحركات على الصعيد الوطني والإقليمي لجمع شمل القوى الفلسطينية كافة، إلى طاولة الحوار، بالاستناد إلى إعلان القاهرة (2005) ووثيقة الوفاق الوطني (2006). الخط الثاني: تعبئة الشارع الفلسطيني وقواه السياسية ضد سياسة الإنقسام واللجوء إلى العنف في حل الخلافات السياسية أو الإعتقال والتوقيف على خلفية سياسية، والقمع وخنق الحريات العامة بذريعة قطع طريق الفتنة.
لقد أثمرت الجهود الوطنية الفلسطينية، وبالتعاون مع القاهرة، في بلورة وثيقة للمصالحة أطلق عليها اسم «الوثيقة المصرية». جاءت في طبعتها الأولى حصيلة مشاورات مصرية مع الأطراف الفلسطينية كافة. حاول مقدموها أن يأخذوا بالإعتبار تنوع المواقف السياسة لدى الأطراف الفلسطينية، وخلق توازن في تبني هذه المواقف والسياسات.
غير أن الملاحظ، أنه في الوقت الذي ينجح فيه الحوار الوطني الشامل في بلورة مواقف وسياسات توحيدية، تضع حداً للإنقسام وتنهيه، تعود الحالة الفلسطينية خطوات إلى الوراء عندما ينتقل الحوار من صيغته الوطنية الشاملة إلى صيغته الثنائية، التي تجمع بين فتح وحماس. لذلك بقيت ورقة المصالحة المصرية معلقة في الهواء، تلقى معارضة بشكل خاص من حماس، إلى أن تبلور الوضع الفلسطيني في ملحاحيته الوطنية لعقد لقاء وطني شامل، تم فيه توقيع «إتفاق المصالحة» في 4/5 /2011، وأعيدت الحياة، على ضوء ذلك، للهيئة الوطنية العليا التي تشكلت بقرار من مؤتمر القاهرة للحوار الوطني (2005)، وتضم رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية والأمناء العامين بمن فيهم حماس والجهاد، ورئيس المجلس الوطني وشخصيات مستقلة متوافق عليها. إستطاعت هذه الهيئة والهيئة المتفرعة عنها أن تخطو خطوة مهمة بإنجاز مسودة قانون لإنتخاب المجلس الوطني الفلسطيني، بنظام التمثيل النسبي الكامل، وأن تتقدم بالحوار خطوة من أجل تعميم هذا النظام على القوانين الإنتخابية كافة (مجلس تشريعي، إتحادات شعبية ونقابات..).
(11)
الإصلاح الديمقراطي وإستعادة الوحدة الداخلية
نجحت القوى الديمقراطية واليسارية في أن تكرس في جولات الحوار الوطني الشامل قاعدة الربط بين تجاوز الإنقسام وإستعادة الوحدة وبين ضرورة إنجاز إصلاح ديمقراطي في مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية، عبر اللجوء إلى الإنتخابات وفقاً لنظام التمثيل النسبي الكامل الذي يكرس الشراكة الوطنية، ويلغي نظام المحاصصة، ويسقط حالة الإستقطاب الثنائي، ويفتح الباب لتمثيل القوى كافة، وفقاً لنفوذها في الحركة الشعبية وفي الشارع. الإصلاح الديمقراطي الذي يكرس مبدأ المواطنة دون تمييز ويفتح باب الوظيفة العامة على أسس مهنية وعلى قاعدة الكفاءة وليس الموالاة، بعيداً عن المحاباة الحزبية والعشائرية والجهوية، ويكرس مرجعية الأجهزة الأمنية ممثلة بمراجعها المختصة، كما يكرس الفصل بين السلطات وتوزيع وتكامل الصلاحيات والمسؤوليات والمهام في آن، بين مؤسسات السلطة ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ويحصن موقع اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. المرجعية السياسية العليا للسلطة الفلسطينية.
من جهة أخرى، وفي سياق منفصل، لكن بنتائج تصب في صالح تذليل العقبات التي ما زالت تعترض سبيل تجاوز الإنقسام، تجدر ملاحظة ما ترتب على حملة «عمود السحاب» (14-21/11/2012) من أجواء ضاغطة لإستعادة الوحدة الداخلية. وأستكملت هذه الأجواء، لا بل تعززت بنفس الوجهة، بعد نيل دولة فلسطين العضوية المراقبة في الأمم المتحدة. إن هذا التلاقي في الموقف ووحدته بين مختلف مكونات الحالة الفلسطينية (حركة جماهيرية + قوى المجتمع المدني + القوى السياسية) – بغض النظر عن نسبة المناورة في موقف القوى السياسية التي تتحمل بشكل مباشر مسؤولية الإنقسام – يوفر شروط متقدمة لإستئناف العمل على سكة تجاوز الإنقسام بروحية جديدة وأفق واعد، يستكمل صمود القطاع وإنجاز الأمم المتحدة بإستعادة الوحدة.
إن شق الطريق أمام سياسة تجاوز الإنقسام وإستعادة الوحدة وإنجاز الإصلاح الديمقراطي الشامل في السلطة و م.ت.ف، يتطلب جهوداً مضنية من القوى الحريصة على الوحدة الوطنية، فصائل وشرائح إجتماعية، والتصدي لتيارات الإنقسام لدى الطرفين، واللذين يتحملان، بنسب مختلفة، وتبعاً للظرف، المسؤولية كاملة عن مسيرة إنهاء الإنقسام. فضلاً عن ذلك فإن الإنغماس في مجابهة الإحتلال والإستيطان، في إطار معركة الإستقلال، وقيام الدولة المستقلة كاملة السيادة، من شأنه أن يضعف تيارات الإنقسام، وأن يعزز التيارات الوطنية الحريصة على إستعادة الوحدة الداخلية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إحدى التعبيرات الرئيسية عن هذه الأزمة يتمثل باستمرار إرتفاع معدلات البطالة التي شملت ما لا يقل عن 25 مليون شخصاً في العام 2012.
(2) لم تتراجع الإدارة الأميركية عن موازناتها العسكرية الشاهقة التي إرتفعت من 379 مليار دولار (2001) إلى 698 مليار (2010)، أي حوالي 50% من مجموع الإنفاق العسكري في العالم، ما يعني أن الولايات المتحدة تنفق على مؤسساتها العسكرية أكثر من الدول العشرين التالية الأكثر إنفاقاً مجتمعة، وأكثر مما تنفقه ولاياتها الخمسين مجتمعة على الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية والسلامة العامة.
هذا فضلاً عن تبني إدارة أوباما برنامجاً طموحاً لتطوير منظومة «الدرع الصاروخية» وآخر لتحديث الترسانة النووية الذي تبلغ تكلفته وحده حوالي 400 مليار دولار في السنوات العشر القادمة.
(3) يستخدم تعبير متماسكة، وأحيانا متماسة أو متلاصقة أو متلاحمة (contiguity contiguous,) للدلالة على الإتصال بين مناطق مختلفة من خلال ممرات، كوريدورات، جسور، أنفاق..، بينما تعبير متواصلة (continuity continuous,) يشير إلى تواصل مناطق مختلفة فيما بينها بدون وسائط البنية التحتية أو غيرها. راجع بهذا الخصوص الصفحات 55، 153، 161، 171 و 195 من كتاب «خارطة الطريق. إلى أين؟»، الصادر عن دار التقدم العربي . ط1: نيسان (أبريل) 2004.
(4) راجع ص36 من كتاب «خطة فك الإرتباط»، الصادر عن شركة دار التقدم العربي. ط1: آذار (مارس) 2005. وكذلك بيان الرئيس الأميركي الصادر عن البيت الأبيض في 14/4/2004، ص51 من نفس الكتاب.


III- في الأزمة الإجتماعية - الإقتصادية
كشفت المظاهرات والإحتجاجات، التي عمّت مختلف مناطق الضفة الفلسطينية في أيلول (سبتمبر) 2012 حقائق لم تكن تخفى على أحد وطرحت على جدول أعمال الهيئات والمؤسسات الرسمية والأهلية الفلسطينية، سواء في م.ت.ف أم في السلطة الفلسطينية جملة من التحديات والأسئلة، التي لم يعد ممكنا تأجيل الإجابة عليها ومواجهتها في ظل التطورات الجارية في المنطقة وإنشغال العالم بها، وفي ضوء تراجع مكانة القضية الفلسطينية وموقعها، نسبياً، في الإهتمامات العربية والإقليمية والدولية.
تفجرت هذه الإحتجاجات والمظاهرات على خلفية إرتفاع أسعار مشتقات النفط وعدد من السلع الأساسية، التي لا غنى للمواطن العادي عنها في حياته اليومية، غير أن تلك المظاهرات والإحتجاجات كانت في الوقت نفسه تؤشر على عوامل إحتقان أخرى كانت تتفاعل منذ فترة ليست بالقصيرة في المجتمع السياسي والمدني الفلسطيني كإنسداد آفاق العملية السياسية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وآفاق إنجاز الوحدة الوطنية وإستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، فضلا عن معاناته من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة كانت تتراكم على إمتداد أعوام على شكل فقاعة قابلة للإنفجار في كل لحظة.
على المستوى السياسي أصبح واضحا أن التسوية السياسية المتعثرة أصلاً، قد تجمدت بعد أن صعد إلى الحكم في اسرائيل إئتلاف يميني، هو الأكثر تطرفا في جميع حكومات اسرائيل، وتشكلت قاعدة هذا اليمين الإسرائيلي من أحزاب يمينية وحريدية، هي الأكثر عداء وعدوانية في التعامل مع الفلسطينيين بشكل عام (في مناطق الـ 67 والـ 48 على حد سواء) ومع حقوقهم الوطنية والسياسية والإجتماعية بالتحديد. وأحكم هذا اليمين سيطرته على الحكم من الأعلى عبر الكنيست والحكومة والمؤسسة العسكرية ودوائر المخابرات، ومن الأسفل من خلال الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة ومنظمات المستوطنين والجمعيات الإستيطانية. وعبرت مظاهر التطرف في سياسة هذا الائتلاف الحاكم عن نفسها في مناطق الـ 48 من خلال سلسلة من القوانين العنصرية والتمييزية: كقانون خدمة الدولة، وقانون التسجيل السكاني أو ما يعرف بقانون الولاء والمواطنة في اسرائيل كدولة يهودية صهيونية، وقانون النكبة، وقانون الجمعيات المناهضة للإحتلال والتمييز، وقانون نزع المواطنة، وغيرها من القوانين العنصرية التمييزية الموجهة في الأساس ضد المواطنين الفلسطينيين خلف الخط الأخضر.
وفي العلاقة مع الفلسطينيين في أراضي الـ 67 مارس هذا الائتلاف اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان سياسة عدوانية وإستعمارية إستيطانية متطرفة، فشدد حصاره على قطاع غزه ومارس القرصنة في المياه الدولية ضد سفن التضامن في عرض البحر، وواصل عمليات القتل وإستهداف نشطاء المقاومة الوطنية الفلسطينية وعمليات التوغل وتجريف الأراضي وهدم المنازل وتوسيع ما يسميه بالحزام الأمني على الحدود، وضرب بعرض الحائط جميع القرارات والنداءات الدولية، التي تدعو الى رفع الحصار عن القطاع وتخفيف القيود المشددة والمفروضة عليه وإلى إحترام الوحدة الإقليمية بين الضفة والقطاع، في سياسة واضحة تستهدف دفع المسؤولية عن غزة إلى مصر دون التخلي عن سياسة الإحتلال غير المباشر للقطاع...
وواصل الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم في اسرائيل تلك السياسة التي سارت عليها حكومة اريئيل شارون بعد إعادة الإنتشار من قطاع غزه (2005)، والتي كانت في حقيقتها بداية الإنسحاب من العملية السياسية، من أجل التفرغ لمواصلة المشروع الإستيطاني التوسعي في الضفة المحتلة بما فيها القدس على نحو غير مسبوق بعد أن إتخذ الترتيبات والتدابير المناسبة لإعادة تنظيم الإحتلال وتعميق السيطرة على الأرض والموارد الطبيعية ومصادر المياه في المناطق المصنفة (ج) ومحاصرة المواطنين الفلسطينيين في مناطق (أ) و(ب) في معازل، والتعامل مع المناطق المحتلة تارة باعتبارها مناطق متنازع عليها وأخرى باعتبارها جزءا لا يتجزأ من أراضي دولة اسرائيل.


(2)
وحش الإستيطان
سياسة التفرغ للإستيطان في الضفة الفلسطينية بعد الإنسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، كانت تجري على إمتداد السنوات السابقة في ظل مواصلة الجانب الفلسطيني للمفاوضات العقيمة مع حكومة اسرائيل، التي إستثمرت تلك المفاوضات للمضي قدما في خلق وقائع جديدة على الأرض تجعل من التسوية الشاملة والمتوازنة أمرا مستحيلا، فقد إرتفع عدد المستوطنات في الضفة الفلسطينية إلى نحو 144 مستوطنة رسمية منها 16 مستوطنة في القدس، وإرتفع عدد البؤر الإستيطانية ( ما يسمى الإستيطان غير الرسمي ) إلى نحو 125، وإرتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية الى 550 ألف، منهم 250 ألفا في القدس الشرقية ومحيطها. وفي عهد حكومة نتنياهو – ليبرمان شهد الإستيطان إرتفاعا في البناء الإستيطاني فاق في المعدل 20 بالمئة كل عام عن الذي سبقه على جانبي الـ «جدار» الذي لم يعد يعني الكثير بالنسبة للحدود في أية تسوية سياسية كما تراها اسرائيل، خاصة وأن الإستيطان إرتفع بمعدل 35 بالمئة شرق «الجدار» عام 2011 عما كان عليه عام 2010.
مؤشرات كثيرة عبّرت عن خطورة ما يجري على الأرض من تدابير إدارية ونشاطات إستيطانية بدءا من القرار العسكري 1650 لعام 2010، الذي جاء ليضيّق الى أبعد الحدود هامش الصلاحيات التي منحتها إتفاقيات اوسلو للسلطة الفلسطينية ويحولها الى الإدارة المدنية الإسرائيلية، وإنتهاء بتحويل مزيد من المساحات الواسعة إلى أراضي دولة تابعة للإدارة المدنية وأخرى تابعة لمؤسسات الحكم كالمحميات الطبيعية والآثار والقواعد العسكرية ومنح الإدارة المدنية لمنظمات وجمعيات الإستيطان حق شق الطرق الإستيطانية دون العودة لمؤسسات الحكم في اسرائيل، كما كان يجري في السابق.
لقد واصلت اسرائيل هذه السياسة متكئة على ظروف وعوامل مساعدة كان من بينها حصر القيادة المتنفذة في م.ت.ف وفي السلطة الفلسطينية خياراتها السياسية بخيار وحيد مجرد من كل روافع القوة وهو المفاوضات. خيار المفاوضات كخيار وحيد جاء - خاصة في ظل الإنقسام - عاجزا عن التأثير ليس في الموقف الإسرائيلي وحسب، بل وكذلك في مواقف «اللجنة الرباعية» والمواقف الدولية وخاصة الموقف الأميركي، وهو ما زاد في تعنت حكومة اسرائيل وتطرفها وإستمرارها بالتحلل من إلتزاماتها. في الوقت نفسه ركبت حكومة اسرائيل الموجة الأميركية في ما سمي الحرب على الإرهاب وقدمت نفسها باعتبارها جزءا من التحالف الدولي، الذي تشكل بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 لتعفي نفسها من كل إلتزام بقواعد ومبادئ القانون الدولي في سياستها ومعاملتها للشعب الفلسطيني تحت الإحتلال.
لقد قدمت سياسة الإستمرار في المفاوضات في ظل تحلل اسرائيل من إلتزاماتها كدولة إحتلال وفي ظل زحف الإستيطان على الأرض أسلحة ثمينة لحكومة اسرائيل وأصبحت النشاطات الإستيطانية غير ذي صلة بالإلتزامات المنصوص عليها في الإتفاقيات الموقعة والتي تدعو إلى التوقف عن أية إجراءات أو تدابير أو خطوات أحادية من شأنها الإجحاف بنتائج مفاوضات الوضع الدائم، أو الإلتزامات المنصوص عليها في خطة «خارطة الطريق» (2003) أو تلك التي حددتها بوضوح فتوى محكمة العدل الدولية (2004) بشأن الـ «جدار»، أو حتى الواردة في مواقف ونداءات وبيانات الرباعية الدولية.
في سياستها هذه إتكأت حكومة اسرائيل كذلك على التراجع المتسارع في موقف واشنطن وإنحيازها السافر للسياسة العدوانية لحكومة اسرائيل وتواطئها معها في تعطيل الإرادة الدولية وشل عمل اللجنة الرباعية الدولية بدءا من إجتماعها، الذي إنعقد في ميونخ مطلع العام 2011 على هامش إجتماعات مؤتمر الأمن الأوروبي، ومحاولة إملاء سياسة على الرباعية الدولية تدعو إلى إستئناف المفاوضات وفقا للأسس والشروط والمسار، الذي تريده دولة اسرائيل، كما إستثمرت الإنقسام والصراع الفلسطيني الداخلي، وغياب التضامن العربي الفعّال، في تكثيف وتسريح التوسع الإستيطاني، وحشر المفاوضات في نفق مسدود.
هكذا إستمر الإستيطان في تصاعد في الضفة بما فيها القدس، التي شهدت نشاطا إستيطانيا غير مسبوق تشارك فيه الحكومة وبلدية الإحتلال ووزارة الإسكان الإسرائيلية وما يسمى حارس أملاك الغائبين وإدارة أراضي اسرائيل وجمعيات إستيطانية. وإنكشف الوضع كما هو في الضفة الغربية، فلم يعد الأمر يتعلق باحتلال عسكري، فالإحتلال العسكري – مهما طال - له صفة عابرة، بينما ما يجري على الأرض يرسم صورة وضع دائم بعد أن أقامت اسرائيل نظاماً كولونيالياً إستيطانيا تحميه قوانين وأوامر وتدابير عسكرية وإدارية تجعل من المستوطنين مواطنين يعيشون في ظل أحكام مدنية، هي الأحكام المدنية الإسرائيلية ومن المواطنين الفلسطينيين مقيمين يخضعون للقانون العسكري والمحاكم العسكرية الإسرائيلية.
(3)
هبّة أيلول وموقف القوى
كان هذا الوضع واضحا في حركة الإحتجاجات والمظاهرات، التي إجتاحت مناطق الضفة الغربية في أيلول (سبتمبر) 2012، فبقدر ما وجهت جماهير هذه الإحتجاجات والمظاهرات غضبها ضد إرتفاع الأسعار والسياسة الإجتماعية – الإقتصادية، للحكومة، فقد وجهت غضبها كذلك ضد الإتفاقيات الموقعة بدءا باتفاقيات اوسلو وإنتهاء ببروتوكول باريس الإقتصادي وطالبت بوقف العمل بها وبإلغائها. فقد وجد الرأي العام الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة في الضفة، نفسه أمام أفق مسدود في العملية السياسية وأفق مسدود في التنمية الإجتماعية – الإقتصادية وتدهور متواصل في مستويات المعيشة بفعل سياسة الإحتلال من ناحية وسياسة الحكومة من ناحية أخرى، وهي حكومة كانت تسير على غير هدى وتدور في حلقه مفرغة من التقليد الأعمى «للحكم الرشيد» فيه الكثير من التقليد المشوه لسياسة اللحاق بعولمة ليبرالية جديدة، حكومة توهم الرأي العام بـ «موعد قريب مع الحرية» ومع بناء مؤسسات دولة، بينما هي تعمل في واقع الأمر في إطار سلطة تضغط اسرائيل عليها باستمرار لمواصلة عملها كوكيل ثانوي لسلطات وقوات الإحتلال في الشؤون السياسية والإقتصادية والأمنية.
وبقدر ما إنكشف الوضع عن واقع مأسوي على الأرض نتيجة مواصلة حكومة اسرائيل نشاطاتها الإستيطانية في عموم مناطق الضفة الغربية ومواصلتها كذلك سياسة التهويد والترانسفير والتطهير العرقي في القدس ومحيطها وفي مناطق الأغوار الفلسطينية، فقد إنكشف الوضع كذلك عن أفق مسدود أمام العملية التفاوضية وعن المأزق الإستراتيجي الذي زج فيه المشروع الوطني في ظل تمسك الجانب الفلسطيني بالإتفاقيات الموقعة مع حكومة اسرائيل وإلتزاماتها المجحفة، كما إنكشف عن مأزق السلطة وعجزها وعدم قدرتها على توفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين تحت الإحتلال، هذا المأزق، الذي عرّى أوهام الإزدهار والنمو الإقتصادي وأوهام وسراب الترويج لـ «موعد مع الحرية» وبناء مؤسسات دولة في ظل الإحتلال.
إنقسم الشارع الفلسطيني في غمار حركة الإحتجاجات والمظاهرات بشعاراتها ومطالبها بين أكثر من إتجاه، دعا الأول ممثلا بالقوى والإتجاهات الديمقراطية الى الإستمرار في الإحتجاجات والضغط على السلطة للتراجع عن سياستها الإجتماعية – الإقتصادية، التي تقود إلى مزيد من الإفقار والتفاوت الإجتماعي في المجتمع، حيث تتسع دوائر الفقر لتشمل الفئات الدنيا والمتوسطة من «الطبقة الوسطى»، والضغط كذلك على القيادة السياسية ودفعها إلى مراجعة الموقف من إتفاقيات أوسلو باتجاه فك الإرتباط معها والتحرر من قيودها وصولا إلى تعليق العمل بها وتجاوزها، فيما كان يدعو الإتجاه الثاني ممثلا بالتيار الوطني إلى المشاركة في هذه المظاهرات والإحتجاجات بغرض إحتوائها والحيلولة بينها وبين الإصطدام مع القوى الأمنية للسلطة، التي كانت تتلقى تعليمات متضاربة بشأن الموقف من هذه المظاهرات والإحتجاجات.
إلى جانب هذين الإتجاهين ظهر التيار الإسلامي مرتبكا يرقب التطورات بحذر ويتعامل معها باعتبارها تدور في ميدان ليس بميدانه، فضلا عن خشيته من إنتقال التحرك بالتداعي إلى قطاع غزه على خلفية ما يعانيه المواطنون في القطاع من فقر وبطالة وضائقة إقتصادية ومالية ومن تدهور في مستوى المعيشة وتدهور في حالة الحريات العامة والحياة الديمقراطية عموماً.
أمام هذا الإنقسام في الشارع الفلسطيني تراجع زخم حركة الإحتجاجات والمظاهرات الجماهيرية بمجرد تراجع الحكومة عن رفع الأسعار باستجابة جزئية للجانب المطلبي للحركة الإحتجاجية الجماهيرية. ومع ذلك يجب عدم الإستهانة بالنتائج التي ترتبت على هذه الحركة، فقد أدركت الحكومة أنها لا تستطيع مواصلة السير في سياسة التقليد المشوه للحوكمة الرشيدة والدوران في حلقة مفرغة من الأوهام حول الإزدهار والنمو الإقتصادي في ظل الإحتلال وقيود بروتوكول باريس الإقتصادي.
(4)
الحاجة إلى مراجعة النهج السياسي
وعلى خلفية الإدراك المتزايد لدى أوساط قيادية متسعة في م.ت.ف لعبث حصر الخيارات السياسية الوطنية بخيار وحيد، هو خيار المفاوضات، وعبث الإمتثال من جانب واحد للإلتزامات المنصوص عليها في إتفاقيات أوسلو أو في خطة «خارطة الطريق» الدولية، أخذت القيادة المتنفذة في م.ت.ف، وإن بتردد، تتلمس الحاجة إلى مراجعة في النهج السياسي، الذي سارت عليه على إمتداد عقدين من الزمن دون أن يعود بفائدة على الشعب الفلسطيني وحقوقه ومصالحه، وبدت هذه القيادة في وضع مرتبك، يفتح تحت ضغط القوى الديمقراطية والوطنية الجذرية، والشارع عموماً، على إمكانية بلورة قواسم وطنية مشتركة تفضي الى إنقاذ المشروع الوطني من مأزقه الإستراتيجي.
لقد بات واضحا أن إستمرار الوضع الراهن في ظل غياب أفق سياسي للتسوية أو لعملية تفاوضية جادة، باهظ الثمن بالنسبة للفلسطينيين، خاصة في ظل إصرار الحكومة الإسرائيلية على مواصلة السيطرة على الأرض ومصادرتها لصالح النشاطات الإستيطانية وإصرارها في الوقت نفسه على إستمرار هذا التقاسم الوظيفي للصلاحيات مع السلطة الفلسطينية، الذي يحولها إلى وكيل ثانوي وحسب للمصالح السياسية والإقتصادية والأمنية لدولة اسرائيل. فحكومة اليمين المتطرف تفضل إستمرار الوضع الراهن وتسعى لإطالة أمده بهدف خلق مزيد من الوقائع على الأرض لا تبقي أمام الفلسطينيين غير خيار القبول بـ «السلام الإقتصادي وبدولة ذات حدود مؤقتة» (لتصبح دائمة) تحت إنتداب توسعي إسرائيلي طويل الأمد، مثلما تفضل إستمرار الوضع في قطاع غزة على حاله على أمل دفعه وما يترتب على ذلك من مسؤوليات نحو مصر.
في إطار هذا الموقف تناور حكومة اسرائيل بخيارات تتراوح بين تسوية مؤقتة، دولة حدود مؤقتة (تتحول إلى دائمة) بمساحة جغرافية محدودة ومعازل متلاصقة ترتبط فيما بينها بسلسلة من الأنفاق والجسور تحت سيطرة اسرائيل تعفيها في الوقت نفسه من مسؤولياتها الدولية كقوة إحتلال وتعفي المجتمع الدولي كذلك من حرج الموقف العاجز عن التأثير في السياسة المتعنتة لدولة الإحتلال.. وبين خطة إنطواء أو إنسحاب أحادي الجانب، تقرر هي حدوده ومداه من جانب واحد مثلما تقرر كذلك مصير المستوطنات وقضايا أخرى تتصل بالأمن والموارد والمعابر للتخلص من المفاوضات حول حل الدولتين وكذلك حول قضايا الوضع النهائي، للوصول إلى النتيجة نفسها، أي السلام الإقتصادي والتقاسم الوظيفي بين دولة اسرائيل وما تسميه بدولة فلسطين، أو دولة الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية، وتجد في ذلك الدعم والتشجيع والحماية من الإدارة الأميركية.
(5)
تداخل الأزمتين السياسية والإقتصادية - الإجتماعية
حالة الإحتقان في الشارع الفلسطيني ما زالت قائمة. وإذا كان للوضع السياسي والتطورات السياسية دور في حركة الإحتجاج في ظل إدراك الرأي العام لكوارث الإستيطان الزاحف ولإنسداد آفاق التسوية السياسية ودخول المشروع الوطني في مأزق إستراتيجي، فقد كان للوضع الإقتصادي – الإجتماعي دوره في وصول حالة الإحتقان إلى حافة الإنفجار.
لم تشهد المناطق الفلسطينية إحتجاجات مطلبية كتلك التي رافقت الحراك الشعبي في أيلول (سبتمبر) 2012، لا من حيث الحجم ولا من حيث الإتساع. حركات الإحتجاج والإنتفاضات الشعبية الفلسطينية كانت في العادة موجهة بالدرجة الرئيسية ضد الإحتلال وسياساته وممارساته. إختلف الوضع في أيلول حين تداخلت العوامل السياسية - الوطنية مع العوامل الإجتماعية – الإقتصادية. لم يعد الرأي العام يستطيع التعايش مع مشروع سياسي وطني في حالة تراجع ولا مع سياسة إجتماعية – إقتصادية تقوده الى مزيد من الإفقار والبطالة وتدهور في مستوى المعيشة وإلى أزمات إقتصادية ومالية بنيوية.
لقد ظهرت السلطة الوطنية على حقيقتها كسلطة وظيفية تسيطر سيطرة جزئية على نحو 18 بالمئة من أراضي الضفة، ولا تسيطر على الموارد والحدود والمعابر ولا على الإقتصاد، وليس باستطاعتها التحكم بفعل دورها الوظيفي المرسوم في حركة السوق أو الأسعار المرتبطة أساسا بمؤشرات ممر إجباري للسوق والأسعار في الأراضي الفلسطينية؛ فالمواطن الفلسطيني يشتري بأسعار السوق الإسرائيلية، رغم أن معدل الدخل في اسرائيل أربعة أضعاف معدل الدخل للمواطن الفلسطيني.
ومع إنفجار فقاعة الأزمة المالية وفقاعة الأسعار، وعدم قدرة السلطة على دفع رواتب الموظفين وإستجابتها التلقائية لآليات حركة الأسعار في اسرائيل، تبدد الوهم، الذي حاولت الحكومة ترويجه في أوساط الرأي العام بأن الفلسطينيين على «موعد مع الحرية» عام 2011، وعلى «موعد مع التحرر من مساعدات الدول المانحة» عام 2013، وتبدد وهم بناء «مؤسسات الدولة» في ظل الإحتلال.
لقد فتحت الحكومة على إمتداد الأعوام الثلاثة الماضية شهية المواطن على وضع معيشي أفضل بشكل عام، ووضع معيشي أفضل من الوضع المعيشي الصعب في قطاع غزة بشكل خاص، ليصحو الرأي العام على وضع معيشي يتدهور دون توقف، بفعل إرتهان الإقتصاد الفلسطيني لقيود إتفاقيات أوسلو وقيود مساعدات الدول المانحة، ودخوله في تباطؤ إقتصادي فاقمته تدابير التقشف العرجاء وزيادة الضرائب على نحو غير متوازن، وهي تدابير مستوحاة من توجيهات البنك الدولي بإلقاء أعباء ومسؤوليات التنمية على قطاع خاص يعمل في دائرة ضيقة دون حد أدنى من إجراءات الحماية.
(6)
بروتوكول باريس.. أصل العلّة
كان أمرا طبيعيا أن تنفجر فقاعة الأزمة المالية وفقاعة الأسعار وأن توجه الحركة الإحتجاجية المطلبية غضبها ضد إتفاقيات اوسلو وقيودها وبروتوكول باريس الإقتصادي وإكراهاته. فاتفاقيات اوسلو، التي جزأت الضفة الفلسطينية إلى مناطق نفوذ بين السلطة وبين الإحتلال، حرمت الإقتصاد الفلسطيني من فرص النمو، حيث تحولت المناطق المسماة (ج) في الإتفاقيات إلى مناطق طاردة للسكان الفلسطينيين والإستثمار الفلسطيني في الوقت نفسه.
في هذه المناطق، التي تشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية حيث يعيش فقط 150 الف مواطن فلسطيني، ربعهم يسكن مناطق الأغوار الفلسطينية، ومن تبقى منهم يعيشون في مناطق عسكرية مغلقة. سلطات الإحتلال تحظر البناء على 70 بالمئة من مساحة هذه المنطقة، بينما يخضع البناء في 29 بالمئة من هذه المساحة لقيود صارمه للغاية. وما ينطبق على البناء في هذه المنطقة الواسعة ينطبق كذلك على الإستثمار الفلسطيني، ولهذا تعتبر مناطق (ج) مناطق طاردة للسكان وطاردة للإستثمار في الوقت نفسه، الأمر الذي يعني حرمان الإقتصاد الفلسطيني من فرص التطور والنمو ومحاصرة إستثماراته في مساحة جغرافية ضيقة هي مساحة المعازل.
ومثلما تضع إتفاقيات أوسلو بأبعادها السياسية والإدارية والأمنية قيودا ثقيلة على الإقتصاد الفلسطيني وفرص التنمية، فقد جاء بروتوكول باريس الإقتصادي ليشدد من هذه القيود. فهذا البروتوكول لا يمكن بأي حال من الأحوال النظر إليه من زاوية أفضل الخيارات التي كانت متاحة في حينه، كما تدعي بعض الأوساط الفلسطينية، بما فيها أوساط حكومية تعتقد بإمكانية التعايش معه إذا ما أُدخلت عليه بعض التحسينات، فهو كان وما يزال إطارا لتنظيم العلاقة بين إقتصاد إسرائيلي متطور وإقتصاد فلسطيني متخلف لصالح الأول، كونه يكبل الأخير بسلسلة من القيود، التي تعطل فرص التنمية والنهوض بالأوضاع الإقتصادية الفلسطينية، التي حولها الى إسار إتحاد اقتصادي وجمركي يحدد آليات عمله محافظ بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية فضلا عن وزارتي التجارة والدفاع.
إن الدعوات، التي تحاول فتح هذا البروتوكول على تحسينات لا تفيد الإقتصاد الفلسطيني الذي لا يمكن أن يتنفس وأن ينمو في بيئة غلاف جمركي واحد وإتحاد إقتصادي مع اسرائيل، بل – على العكس تماماً - ينمو ويتنفس من خلال فك الإرتباط التجاري والنقدي الشامل وإعادة بناء العلاقة الإقتصادية على أساس المعاملة التجارية غير التمييزية، والمنطقة الجمركية المنفصلة وبما يشمل تحرير الواردات والصادرات الفلسطينية من قيود النظام الجمركي والمالي والنقدي الإسرائيلي.
بين البحر والنهر وفق بروتوكول باريس الإقتصادي لا يوجد سوى نظام إقتصادي واحد، تجاري وضريبي ونقدي، ولهذا لا يمكن النظر إليه باعتباره بروتوكولاً ينظم العلاقة بين طرفين بل هو، في حقيقة الأمر إملاء من طرف على آخر، هذا فضلا عن الغموض المتعمد في مواده غير القابلة للتطبيق خاصة عندما تخضع تطبيقاته للمقاربات الأمنية الإسرائيلية في حركة السلع والأفراد.
في ظل هذه القيود تتراجع على نحو واسع فرص التنمية وتصبح شبه مستحيلة، خاصة عندما يغيب الدور الإستثماري في القطاعات الإنتاجية لبورجوازية وطنية لم يفسح الإحتلال ولم تفسح القيود المجال أمامها للعمل بحرية، فانحصرت نشاطاتها الإقتصادية إلى حد بعيد في منشآت صغيرة، أي ليست من الحجم الإقتصادي الكافي للتوسع في عمليات الإستثمار، مثلما إنحصرت في مؤسسات إقتصادية كونت أصولها من خلال الوساطة التجارية والعقارية والخدماتية ومن خلال صفقات لتقاسم الريع مع السلطة كصفقات الإتصالات وسوق الأوراق المالية، التي تبحث عن الربح السريع بعيدا عن الإهتمامات التنموية. ولم توفر الحكومات الفلسطينية المتعاقبة ظروفا مناسبة لما يمكن أن يسمى أطراف التنمية الفلسطينية، الرأسمالية المحلية ورأسمالية الشتات والقطاع العام لتتعاون، رغم قيود إتفاقيات أوسلو وقيود بروتوكول باريس الإقتصادي، في بناء قاعدة إنتاجية محلية في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات وفي تقليل الإرتهان للإقتصاد الإسرائيلي وتوفير مقومات الصمود الفلسطيني فوق أرض الوطن.
(7)
إنكشاف الإقتصاد الفلسطيني
زاد من تدهور الأوضاع الإجتماعية – الإقتصادية سياسات الحكومات الفلسطينية المتعاقبة وخاصة في السنوات الأخيرة، فقد تركت هذه الحكومات الإقتصاد الفلسطيني مكشوفا على منافسة غير متكافئة مع المنتجات الإسرائيلية، وخاصة الزراعية، ومكشوفا كذلك على منافسة حادة مع البضائع الأجنبية المستوردة رخيصة الثمن. وترتب على ذلك تفاقم في العجز التجاري وخاصة في السنوات الأخيرة، وإتسعت الفجوة في العلاقة مع اسرائيل بين الصادرات والواردات. كانت صادرات اسرائيل إلى مناطق السلطة الفلسطينية عام 2004 نحو 1.9 مليار دولار بينما كانت الصادرات الفلسطينية إلى اسرائيل تدور حول 300 مليون دولار، تدهور الوضع على نحو سالب للغاية عام 2011، حيث بلغت صادرات اسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية نحو 3.7 مليار دولار (2.6 للضفة + 1.1 للقطاع)، بينما لم تتجاوز الصادرات الفلسطينية إلى اسرائيل حدود 65 مليون دولار، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على السلع المنتجة في قطاع غزة.
وكانت الفجوة أوسع في العلاقات التجارية الفلسطينية الإجمالية مع الخارج، حيث جرى إغراق الأسواق الفلسطينية بالبضائع الأجنبية الرخيصة المستوردة من الخارج، فشكل ذلك عبئا ثقيلا على فرص النمو والتطور في الإقتصاد الوطني الفلسطيني وقطاعاته الإنتاجية. وفي السنوات الأخيرة إنعكس هذا كله بشكل سلبي للغاية على القطاعات الإنتاجية الفلسطينية، التي بدأت أوضاعها تتراجع إلى حد الإغلاق.
سياسة إقتصاد السوق والتجارة الحرة وعدم التدخل الحكومي لحماية الصناعة الوطنية والزراعة الوطنية، وفق تعليمات البنك الدولي عادت بالكوارث على الإقتصاد، وأصبح حديث أدوات العولمة النيوليبرالية وأبواقها في الداخل الفلسطيني عن الدور القيادي للقطاع الخاص في التنمية الإقتصادية، حديثا مستهلكا بلا مضمون.
(8)
غزة.. إقتصاد الريع
هذا التراجع في الأوضاع الإقتصادية وفي الأداء الإقتصادي الفلسطيني كما ينطبق على الضفة يشمل أيضاً قطاع غزة. دون شك يلعب الحصار المشدد على غزة وكذلك العدوان المتواصل، الذي يستهدف منشآت صناعية وزراعية وخدماتية دورا في تردي الأوضاع في القطاع، غير أن السلطة القائمة في غزة لا تملك بدورها رؤية للتنمية تخرج عن نطاق السياسة العامة، التي تسير عليها السلطة الفلسطينية بشكل عام، فالأوضاع الإقتصادية في القطاع مكشوفة هي الأخرى على ضغوط آليات إقتصاد السوق والتجارة الحرة، التي لا توفر للقطاعات الإنتاجية فرصا للتطور والنمو، كما لا توفر للمنتج الوطني فرص حماية من منافسة السلع المستوردة، سواء تلك المستوردة من اسرائيل او المستوردة عبر الأنفاق إلى قطاع غزة، حيث تتوزع مناصفة بين الإستيراد من اسرائيل بحدود 1.1 مليار دولار وبين الإستيراد عبر الأنفاق بنفس القيمة تقريبا، وهي في محصلتها تصب في صالح تنمية الإقتصاد الإستهلاكي على حساب تنمية القطاعات الإنتاجية.
أكثر من ذلك، فقد تحولت تجارة الأنفاق إلى شركات مساهمة تتحكم في نشاطها مصفاة أمنية أو دوائر أمنية أقامتها السلطة في غزة لتعود عليها وعلى فئات إجتماعية مقربة منها بالفائدة في إطار من إقتصاد الريع الذي يسهم بدوره في نمو الإقتصاد الإستهلاكي ولا يوفر فرصا مناسبة لنمو القطاعات الإقتصادية المنتجة، ويسهم كذلك في توسيع فجوة المداخيل وفجوة الغنى والفقر، وهو ما تعكسه معدلات الفقر والبطالة، التي تتجاوز مثيلتها في الضفة الفلسطينية ويعكسه التدهور المتواصل في مستويات المعيشة في قطاع غزة.
إن أرباح تجارة الأنفاق، أو إقتصاد الريع في قطاع غزه تتجاوز ربع مليار دولار سنويا، تسهم بنحو 15 بالمئة من موازنة السلطة في غزة، مثلما تسهم في زيادة حدة التفاوت الإجتماعي في المجتمع الفلسطيني في القطاع. في واقع الأمر لا توجد فروق حقيقية بين السياسة الإجتماعية –الإقتصادية للسلطة في غزة والسياسة الإجتماعية – الإقتصادية لحكومة السلطة الفلسطينية، فكلاهما يدور في نفس فلك إقتصاد السوق والتجارة الحرة والإنسحاب من توفير الحماية الضرورية للقطاعات الإنتاجية في الصناعة والزراعة والخدمات وبما يفتح الطريق أمام تنمية إجتماعية – إقتصادية رغم القيود، التي يفرضها الإحتلال وتكبل الإقتصاد الوطني الفلسطيني وتكبح فرص تخطية عتبة الإقتصاد الإستهلاكي.
(9)
أزمة المديونية
لا تنحصر الأزمات المالية والإجتماعية والإقتصادية، التي تضغط بثقلها على المواطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بحدود الإنعكاسات السلبية الواسعة للإتفاقيات الموقعة مع حكومة اسرائيل على الأوضاع الإقتصادية والمعيشية، بل هي تتجاوز ذلك إلى سياسات الدول المانحة مساعدات من ناحية، والسياسة الإقتصادية من ناحية أخرى تحت سمع وبصر الحكومة وبتشجيع منها في إطار ترويج الأوهام حول الإنتعاش الذي يمر به الإقتصاد الفلسطيني.
دون شك عانت المناطق الفلسطينية المحتلة من إنكماش إقتصادي بين عامي 2001 - 2007، إلى درجة أن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كانت في العام 2006 أدنى بنسبة 23% مما كانت عليه في العام 1999، ثم ما لبث أن عاد الإقتصاد الفلسطيني إلى الإنتعاش بعد ذلك في ضوء تخفيف سلطات الإحتلال للقيود على حركة الأفراد والسلع من ناحية وتدفق أموال الدول المانحة من ناحية أخرى، وتخطي مساعدات الدول المانحة لخزينة السلطة في الأعوام التي أعقبت إنقلاب حماس حدود 1.5 مليار دولار سنويا، وبدأ الإقتصاد الفلسطيني يشهد تحسنا متدرجا، وظهرت طفرة عمران مدني وسوق عقارات وسوق مال (وهمي) إنتفخ بسرعة ثم إنكمش في سياسة سطو واضحة على مدخرات المواطنين.
لقد واصلت اسرائيل تخفيف قيودها بحدود مدروسة وواصل المانحون تقديم مساعداتهم إلى أن إصطدمت التسوية السياسية باستعصاء مفاوضات عبثية تدور حول نفسها، ونمت خدمات الإدارة العامة والخدمات الأخرى في الصحة والتعليم والشؤون الإجتماعية والكهرباء والماء بنسب متفاوتة، وفي الوقت نفسه تراجع النمو في القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية لتنخفض مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من 13 إلى 10% ومن 10 إلى 9% للقطاعين على التوالي. كان التحسن في الأوضاع الإقتصادية تحسنا ظرفيا ونسبيا ومشروطا، وظهرت مساعدات الدول المانحة على حقيقتها كمساعدات مسيّسة، لا يمكن المراهنة عليها في خطط التنمية، التي كانت الحكومة تروج لها.
وبحلول عام 2009 كانت السلطة بحاجة الى 1.6 مليار دولار من أجل تغطية المصاريف المتكررة. وفي عام 2010 تواصل العجز وبلغ نحو 1.15 مليار دولار، ما دفع الحكومة إلى الإقتراض من القطاع المصرفي ومن القطاع الخاص، وأخذ الدين يتراكم حتى بلغ وفق التقديرات الواقعية 2.5 - 3 مليار دولار، ما دفع كلا من القطاع المصرفي والقطاع الخاص إلى وقف التسهيلات الممنوحة للحكومة.
لقد تغير منحى مساعدات الدول والجهات المانحة بدءا من العام 2009 وتراجعت المساعدات بشدة في العامين 2010 و 2011. وهبط المعدل الشهري للمساعدات الخارجية لدعم الموازنة العامة بنسبة أكثر من الثلثين أي من معدل 150 مليون دولار شهريا عام 2008 إلى نحو 50 مليون دولار عام 2011. وتحولت خطة التنمية الحكومية إلى خطة وهمية. وتراجعت الإستثمارات وخاصة في مجال زيادة الطاقة الإنتاجية لفروع الإقتصاد إلى ما هو أدنى مما كانت عليه في العام 2005، بينما نما الإستهلاك ونمت حركة من السلع والخدمات في الضفة الغربية من 1.6 مليار دولار عام 2005 الى 2.8 مليار دولار عام 2009.
وهكذا تكشّف الوضع عن أزمة إقتصادية وأزمة مالية، ودخل الإقتصاد في أزمة خسائر سنوية في الناتج المحلي الإجمالي وأزمة مديونية تتراكم فوائدها وأزمة عجز في الميزان التجاري، فضلا عن الأزمة بالعدوى الناتجة عن تبعية الإقتصاد الفلسطيني للإقتصاد الإسرائيلي، وأزمة تَحكُّم تعكسها الإتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي.
في سياق إنسداد آفاق التسوية السياسية وتوقف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وتوجه الجانب الفلسطيني إلى الأمم المتحدة لتحسين مكانة فلسطين إلى مستوى دولة تحت الإحتلال، بدأت موارد السلطة تجف تدريجيا، ما اضطرها إلى الإستدانة من القطاعين المصرفي والخاص إلى الحد، الذي لم يعد باستطاعتها الإستمرار في الإستدانة بسبب التدهور الحاد في وضعها الإئتماني.
لم تكن الأزمة وليدة العامين الأخيرين عندما وقفت السلطة عاجزة عن دفع رواتب العاملين في القطاع الحكومي في مواعيدها، بل كانت أزمة جرى ترحيلها منذ العام 2008، لتنفجر فقاعة أزمة الرواتب وتنكشف على أزمة بنيوية في الأوضاع الإقتصادية والمالية، ساهمت الحكومة في تفاقمها بفعل سياستها الإجتماعية – الإقتصادية وإستمرار التمسك بالإتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي وسيرها على غير هدى وراء وصفات البنك الدولي وإطلاق العنان، دون تدخل، للقطاع الخاص لقيادة الإقتصاد وعملية التنمية، وهو قطاع تحاصره سياسة اسرائيل في معازل وترهقه سياسة الحكومة بإقتصاد السوق والتجارة الحرة، وبالإمتناع عن التدخل لتوفير الحد الممكن من الحماية لقطاعاته الإنتاجية. وقفت الحكومة عاجزة عن دعم مشاريع إقتصادية حقيقية توفر فرص عمل جديدة للمواطنين وتدفع بالنمو الإقتصادي، حتى في حدود الهوامش المتاحة، في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، ولهذا توجه الإستثمار بالدرجة الرئيسية نحو القطاعات التي تدر أرباحا سريعة في شركات وأسواق المضاربة وشركات الإتصال والعقارات.
(10)
أوهام الإنتعاش الإقتصادي
في الوقت نفسه وفي ظل حالة الإنتعاش الإقتصادي النسبي شجعت الحكومة ثقافة الإستهلاك وثقافة الإستدانة والقروض البنكية، فشهدت الأسواق حركة نشطة نسبيا بفعل الإرتفاع الملحوظ في التسهيلات الائتمانية الممنوحة للقطاع الخاص وقروض المواطنين الشخصية , فالجهاز المصرفي الفلسطيني، الذي نشأ بعد العام 1994، وكان على إمتداد سنوات متحفظا في تسهيلاته الائتمانية، أخذ يتوسع في منح القروض لقطاعات التجارة ومضاربات السوق المالي والعقارات والأراضي، وهي قطاعات لا ترتبط بالتنمية بشكل مباشر وأساسي، فبلغت حصتها من التسهيلات الائتمانية نحو 30 بالمئة، فيما لم تتجاوز حصة القطاعات الزراعية والثروة الحيوانية والسياحة والنقل والمواصلات نحو 5.5% من مجموع التسهيلات الائتمانية. وكانت نسبة حصة القطاعات الخدماتية الأخرى كالصحة والتعليم والمهن الحرة متدنية ولم تتجاوز 2.3 بالمئة من التسهيلات الائتمانية للبنوك، فيما كانت حصة برامج تمويل شراء السيارات 3.5 بالمئة وحصة السلع الإستهلاكية نحو 4.1 بالمئة.
لقد زادت خلال الأعوام 2010 و2011 قروض المواطنين الشخصية من البنوك لأغراض إستهلاكية زيادة كبيرة، وكذلك كان هو الحال لأغراض السكن والعقارات. وكانت شروط هذه التسهيلات قاسية للغاية، فالفائدة كانت مرتفعة وكذلك «المرابحة» وفق شروط القروض للبنوك الإسلامية.
في ظل أوهام الإنتعاش الإقتصادي، التي روجت لها الحكومة إرتفعت وتيرة ومستوى الإقراض في الأعوام الأخيرة. ودون رقابة أو تدخل نمت التسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك للقطاع الخاص، بما في ذلك موظفي القطاع العام بمعدل 13 بالمئة سنويا، ما كان يدعو إلى القلق بسبب الوضع الإقتصادي الهش، فبلغت هذه التسهيلات في السنوات الخمس الأخيرة نحو عشرة مليارات دولار وهو رقم يفوق بنحو 50 بالمئة الإقراض الإجمالي الممنوح في السنوات السبع السابقة لعام 2006.
عندما إنفجرت فقاعة الرواتب، أي عندما عجزت الحكومة عن صرف رواتب الموظفين في مواعيدها صحا الرأي العام على أزمة جديدة تهدد الوضع الائتماني في القطاع الخاص، تماما كما هدد تراجع المساعدات الخارجية الوضع الائتماني للسلطة. وكانت شرائح واسعة مما يسمى بالطبقة الوسطى من أبرز فئات المجتمع، الذين اصيبوا بقلق على المستقبل نتيجة الغرق في ديون القروض وتضعضع وضعهم الائتماني في الجهاز المصرفي.
ما يسمى بـ«الطبقة الوسطى» ليست فئة اجتماعية متجانسة، بل هي تتوزع على الشرائح العليا، فالوسطى، فالدنيا. هنا يجب عدم الخلط بين ما يسمى طبقة وسطى في بلادنا ومثيلتها في الدول الرأسمالية وخاصة في المراحل الأساسية الأولى للتراكم الرأسمالي والثورة الصناعية، ففي البلدان الرأسمالية كانت الطبقة الوسطى تنتمي الى القطاعات المنتجة، بينما في بلادنا وبسبب ظروف نشأتها ومسار تطورها وصعودها إستمرت تنتمي الى القطاعات أو الفئات الإستهلاكية في المجتمع، ومن هنا، فهي تتأثر بسرعة بالأزمات الإقتصادية والمالية لدرجة أن شرائحها الوسطى والدنيا سرعان ما تنحدر أوضاعها في ظروف الأزمات إلى مصاف الكادحين وهو ما يحدث بالفعل بسبب الأزمة المالية وأزمة القروض لهذه الفئات في الضفة كما في القطاع.
لقد نمت شرائح الطبقة الوسطى الفلسطينية في الربع الأخير من القرن العشرين وإتسعت صفوفها في ظل السلطة الفلسطينية بفعل إتساع صفوف كبار الموظفين والعاملين في الوظائف الحكومية وجهاز التعليم الخاص والجامعي وموظفي الوكالات الأجنبية ومنظمات المجتمع الأهلي غير الحكومية، ولعب ذلك دورا في حفظ حالة من التوازن في المجتمع، غير أنه كان توازنا هشا بفعل الطبيعة الإستهلاكية لهذه الشرائح وسرعة تأثرها بالأزمات.
وفي ظل الأزمة الإقتصادية للحكومة، سواء في الضفة الغربية أم في قطاع غزه، وغرقها في ديون القروض وتضعضع وضعها الائتماني لدى الجهاز المصرفي، تماما كما هو وضع الحكومة، فإن تدهور أوضاع هذه الشرائح، الذي يجري بتسارع من شأنه أن يخل بالتوازن الإجتماعي، بل أن يفاقم الفجوة بين الغنى والفقر، أي يفاقم الفجوات الإجتماعية ويدفع بهذه الشرائح – كما ظهر بجلاء - نحو الإنخراط في الحراك الإجتماعي وفي المظاهرات والإحتجاجات، التي إجتاحت مناطق الضفة مؤخراً، وأثارت قلقاً متزايداً لدى السلطة في غزة من أن يمتد لهيبها إلى القطاع.
(11)
إستراتيجية إقتصادية وإجتماعية جديدة(1)
1 – إن إجراء إصلاح ديمقراطي شامل في النظام السياسي الفلسطيني هو ضرورة سياسية لإقامة نظام يرتقي في بنيته وآلياته وأهدافه إلى تجسيد المشروع الوطني الفلسطيني، وكذلك تبني سياسات إقتصادية - إجتماعية تقوم على مبدأ العدالة الإجتماعية لكل فئات الشعب، خاصة في ظل الإحتلال.
ترتبط هذه الخطة الاقتصادية - الاجتماعية بآلياتها وأهدافها إرتباطا وثيقا بمتطلبات النضال الوطني التحرري والهادف إلى الخلاص من الإحتلال والإستيطان، ونيل الإستقلال والسيادة. هدفها الرئيس توفير مقومات الصمود للمجتمع في معركة الإستقلال الوطني.
كي تصبح قابلة للتنفيذ لابد أن تكون حصيلة توافق وطني شامل يقوم على أساس المشاركة الفاعلة في صوغ أهدافها وآلياتها من قبل القوى السياسية والإجتماعية المؤثرة (أحزاب ونقابات ومؤسسات ومنظمات شبابية ونسائية وأكاديمية وأهلية..).
لابد أن تضمن لها تطبيقا خلاقاً بالفعل لا بالقول، لمبدأ التكامل بين السياسات الإقتصادية والسياسات الإجتماعية. فأهداف التنمية الإجتماعية لا يمكن تحقيقها على نحو مستدام بدون الموارد التي يؤمنها النمو الاقتصادي. والنمو الإقتصادي يصبح بلا مغزى ما لم يهدف إلى الإرتقاء بمستوى حياة المواطنين في مختلف المجالات.
لا بد أن تستلهم الخطة القيم الديمقراطية والعلمانية التي تكرسها وثيقة إعلان الإستقلال والقانون الأساسي، وأن تعتمد مبادئ الشفافية والمساءلة وإحترام حقوق الإنسان والفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات السلطة، والمساواة بين المواطنين، والتطبيق الدقيق لمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة في توزيع ثمار التنمية.
2 – لكن لابد عند التصدي لهذه المهمات في سياق تطبيق إستراتيجية وسياسات إقتصادية إجتماعية بديلة، أن تؤخذ بعين الإعتبار الحقائق التالية:
إن سياسة الدمج والإلحاق الإقتصادي التي إنتهجتها سلطات الإحتلال منذ حلوله في العام 1967 ألحقت دماراً شاملاً ببنية الإقتصاد الوطني ومزقتها إلى أشلاء ترتبط بوشائح عميقة من التبعية مع الإقتصاد الإسرائيلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ملخص للدراسة التي تقدمت بها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى المؤتمر الوطني حول «السياسة الإجتماعية المتكاملة في فلسطين» المنعقد في رام الله في 9/6/2012.
راجع النص الكامل لهذه الدراسة وعنوانها: «نحو إستراتيجية بديلة للنمو الإقتصادي والتنمية المجتمعية... بديلاً عن السياسة النيوليبرالية (وصفات البنك الدولي) لحكومة فياض»، ص 39-72 من كتاب «خيارات فلسطينية.. 2008-2009»، من إصدار المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف). الطبعة الأولى: تشرين الأول (أكتوبر) 2010.
إن الإتفاقيات المبرمة ولاسيما بروتوكول باريس الإقتصادي (30/4/94) تكرس حالة التبعية هذه، وتفرض قيوداً على صلاحيات السلطة الفلسطينية ليس فيما يتصل بالسيطرة والسيادة على الأرض، والمياه وسائر الموارد الطبيعية، فحسب، بل كذلك فيما يتعلق بأبرز أدوات السياسة الإقتصادية كالضرائب غير المباشرة والجمارك والسياسات النقدية وغيرها من آليات التحكم بالأداء الإقتصادي.
إن إستمرار الإحتلال وسياسته التوسعية في نهب الأراضي وبناء المستوطنات و«الجدار» وعزل المدن والقرى والأغوار، وإجراءات الحصار والإغلاق والحواجز وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وتقييد حرية الحركة والتنقل، تشكل كوابح ملموسة للنمو الإقتصادي فضلا عن حالة عدم الإستقرار الناجمة عن إستمرار الصراع في غياب أفق حقيقي لتسوية سياسية تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المعترف بها.
في ظل هذا الوضع يصبح من الصعب الحديث عن التخطيط لتنمية «شاملة ومستدامة». ذلك أن عنصري الشمول والإستدامة يفترضان الإستقلال والسيادة التي تؤمن القدرة على التحكم بالموارد والسياسات. وهو ما تفتقر له الحالة الفلسطينية. لكن هذا لا ينبغي بل هو، بالعكس، يؤكد ضرورة بلورة خطة إقتصادية - إجتماعية متكاملة تأخذ بعين الإعتبار الشروط الموضوعية والخصائص الفريدة التي يتميز بها الوضع الفلسطيني وتسعى إلى توفير مناعة المجتمع إزاء التحديات الناجمة عن إستمرار الإحتلال ومواجهة سياساته.
3 – ما نحن بصدده هو تحديد السياسات المطلوبة لتعزيز صمود المجتمع في ظل الوضع القائم بما يفرضه من قيود ومعيقات، وفي سياق إستمرار النضال من أجل التحرر والإستقلال. ولكي تكون هذه السياسة واقعية فإن عليها أن تنطلق من حقائق الوضع الراهن، وتسعى في الوقت نفسه إلى توفير المقومات والشروط لتغييرها وتجاوزها. إن التحرر من قيود الإتفاقيات المجحفة، بما في ذلك بروتوكول باريس الإقتصادي سيء الصيت، بل والخلاص من ممارسات الإحتلال المدمرة للإقتصاد الوطني، هي بلا شك أهداف نضالية مشروعة وليست مجرد شعارات، بل أهداف كفاحية يتوقف إنجازها على إحراز التغيير الملموس في موازين القوى بين الشعب وبين الإحتلال. وأحد أبرز عناصر هذا التغيير في ميزان القوى هو تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني لمواجهة تحديات المجابهة المتواصلة مع الإحتلال وإستمرار النضال من أجل التحرر الوطني.
4 – إلى جانب هده الحقائق (التدمير الإحتلالي للبنية الأساسية للإقتصاد الوطني، قيود بروتوكول باريس والاتفاقيات الأخرى المجحفة، وسياسات الإحتلال التوسعية وإجراءاته الميدانية..) ثمة عوامل أخرى مؤثرة هي نتائج لسوء الأداء الفلسطيني. وبالتالي هي قابلة للتصحيح بقرار وطني فلسطيني، وليست وقائع مفروضة بقوة الإحتلال. من بين هذه العوامل:
التفاقم المضطرد للإعتماد عل العون الخارجي وعلى المساعدات المالية من الدول المانحة. وقد لعبت السياسات الحكومية دورا مهما في إحداث زيادات كثيرة في الإنفاق العام القائمة على إفتراض أن هذا سيساعد على حفز الإستثمار الخاص وبالتالي النمو الإقتصادي، ما جعل السياسات المالية إلى حد كبير رهينة العون الخارجي. وهو ما بات يتطلب تغييرا جوهريا في هذه السياسات يجعل من التقليص التدريجي للإعتماد على العون الخارجي أولوية بارزة من أولويات الخطة الإقتصادية - الإجتماعية في الإستراتيجية البديلة.
الإنقسام الذي يشكل عقبة كأداء في طريق النهوض بالوضع الإقتصادي – الإجتماعي؛ فهو يسهم في تشديد الحصار على القطاع بما يحمله من معاناة إنسانية متفاقمة. فضلا عن أنه يقود إلى شلل واسع في الإدارات الحكومية في القطاع وتراجع ملموس في ما تقدمه من خدمات بالرغم من إستمرار الإنفاق عليها من الموازنة العامة للسلطة وبالتالي يصبح من الصعب ترشيد الإنفاق وتحسين نوعية مستوى الخدمات الرسمية. كما يصبح من الصعب تنفيذ إستراتيجية وطنية موحدة للتطوير الإقتصادي والإجتماعي. أن هذا يجعل العمل من أجل إنهاء الإنقسام ضرورة لا بد منها من أجل دفع مسيرة النهوض الإقتصادي – الإجتماعي .

IV – اللاجئون: في القضية والحركة - الأوضاع في مناطق الـ 48
(1)
الإلتفاف على حق العودة إلى الديار
بالخط العام ينطلق المفاوض الفلسطيني في الموقف من قضية اللاجئين من مرجعية «مبادرة السلام العربية» (2002) التي تتكلم عن «حل عادل ومتفق عليه وفقاً للقرار 194»، بما يناقص على النص الصريح بـ «حق العودة إلى الديار والممتلكات» الذي يكفله القرار 194، وبما يؤدي إلى تحريف المضمون الحقيقي لهذا القرار ويختزله – في أحسن الأحوال – بعودة أعداد محدودة من اللاجئين «إلى الديار» في إطار ما يسمى بـ «لم الشمل»، إضافة إلى تمكين الدولة الفلسطينية في ممارسة حقها السيادي في إستقبال مواطنيها على أراضيها (بإعتبار أن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا) شرط عدم المساس بمتطلبات أمن دولة إسرائيل من بوابة عدم الإخلال بالميزان الديمغرافي بين «النهر والبحر»، ما يفرض – عملياً – قيوداً ثقيلة أيضاً على هذا الجانب.
في هذا السياق يلاحظ أن ردود الفعل الشعبية والحزبية على إطار الحل هذا لقضية اللاجئين الذي يلتزم به الفريق المفاوض، لم تنجح حتى الآن في خلق نسبة القوى الضاغطة نحو تعديل شروط إدارة العملية التفاوضية في موضوع اللاجئين (ولا في غيره). ومع ذلك، فإن معركة الدفاع عن حق العودة مازالت، على الصعيد الفلسطيني، مفتوحة على مصراعيها. وهي جزء من معركة تجاوز الإستراتيجية الفلسطينية التي مازالت معتمدة رسمياً، نحو إستراتيجية جديدة، تشكل جزء منها مسألة الإصلاح الديمقراطي للمؤسسات الرسمية بأفق تكريس آليات المساءلة والرقابة السياسية لمختلف الهيئات التمثيلية على الأداء العام للهيئات التشريعية والتنفيذية.
(2)
هجوم إسرائيلي
على مستوى آخر، صعَّد الجانب الإسرائيلي موقفه من قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث أطلق ما يسمى بقضية «اللاجئين اليهود من الدول العربية» في سياق العمل على فبركة قضية جديدة تسلح المفاوض الإسرائيلي بورقة إضافية في في رفضه الإعتراف بحق العودة.
وفي هذا الإطار أطلقت تل أبيب، على يد وزارة خارجيتها قضية هؤلاء اليهود وحقهم في التعويض عن أملاكهم التي خلفوها وراءهم، في مواجهة حق التعويض للاجئين الفلسطينيين، وبحيث تساوي تعويضات اليهود مرتين تعويضات الفلسطينيين. وإذا ما لاحظنا مدى حيوية تحركات الخارجية الإسرائيلية في إثارة هذا الأمر، على المستوى المحلي والدولي، يتأكد أن معركة الدفاع عن حق العودة، على الصعيد الدولي، رسمياً وشعبياً، سوف تزداد صعوبة وتعقيداً، ما يتطلب أن تمتلك حركة اللاجئين الفلسطينيين ونخبها المزيد من أدوات العمل، وأن تطور آليات تحركاتها، بما يرتقى إلى مستوى المخاطر التي تتهدد حق العودة.
(3)
وكالة الغوث.. أزمة مزدوجة
في ظل هذه الأوضاع المحيطة بقضية اللاجئين، تزداد الأوضاع المالية لوكالة الغوث صعوبة، خاصة وأن بعض الجهات المانحة ككندا، قد توقفت عن المساهمة في تمويل هذه المنظمة. إن مثل هذه الخطوة الخطيرة، لم تجابه بالقدر الكافي من الضغوط الشعبية من حركة اللاجئين، ولم تجابه بما يفترض من مواقف عربية، تنطلق من الخلفيات الكامنة وراء هذه الخطوة، ومن تداعياتها المحتملة. وبالتالي فإن مثل هذه الخطوة، وهي تشكل سابقة خطيرة، قد تفتح الباب لخطوات مماثلة لأطراف أخرى من المانحين والممولين لوكالة الغوث. إن نظرة واقعية للخطوة الكندية، لا يمكن إلا أن تدرجها في إطار المشاريع الهادفة إلى تهميش قضية اللاجئين، وتغييبها تدريجياً، عن طريق إسقاط حق العودة ، لصالح الحلول البديلة في إطار مشاريع التأهيل والتوطين.
بالمقابل، لا يمكن إعادة تراجع خدمات الوكالة وتقصيراتها، في مجمله إلى النقص في التمويل، فالفساد في صفوفها، يشكل عنصراً مؤثراً يعكس نفسه على مستوى الخدمات ونوعيتها، فضلاً عن أن الوكالة، التي يدور نشاطها خارج الرقابة الأهلية الفاعلة، تتخذ من القرارات والتوجهات ما لا يخدم على الدوام المصالح الفلسطينية، وضرورات بناء نشء فلسطيني وفي لقضيته الوطنية ولحقه في العودة، كالعمل مثلاً على نشر ما يسمى بثقافة التسامح، في الوقت الذي يتعزز في صفوف مدارس العدو نشر ثقافة التمييز العنصري ضد الشعب الفلسطيني والعداء له. كما تتشدد الوكالة في تقييد حرية موظفيها ومدرسيها، وحرمانهم من حقهم في الإنخراط في الأطر الوطنية الفلسطينية وأنشطتها الجماهيرية.
إن غياب الرقابة الشعبية المنظمة على الوكالة، وعدم نجاح حركة اللاجئين ونخبهم ولجانهم الشعبية حتى الآن، في شق الطريق أمام قاعدة «التشاركية» في رسم برامج وأهداف وموازنات الوكالة، هو ما يوفر أجواء الإنقلاب والتفلت، لدى مراجعها العليا، بعيداً عن الهم اليومي للاجئ وحاجاته الماسة، وهو ما يساعد على توفير الأجواء المناسبة لولادة الفساد واستشرائه، وولادة المحسوبية في توفير الخدمات. إن خطورة موقع الوكالة ودورها في حياة اللاجئين الفلسطينيين تملي على حركة اللاجئين، ونخبهم ولجانهم ومؤسساتهم الأهلية، العمل لتوفير الأطر والآليات الكفيلة بشق الطريق أمام المجتمع الأهلي، في مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم لفرض الرقابة على الوكالة ومساءلة المعنيين فيها، والإرتقاء بأدائها وخدماتها، ومكافحة الفساد، والحد من هدر المال العام، والإسهام في رسم الأولويات والتوجهات في مجالات عملها، بما ينسجم مع مصالح فئات اللاجئين وتجمعاتهم. كما يفترض هذا أيضاً دوراً نشطاً من حركة اللاجئين نحو الجهات المانحة، محلياً، وعلى الصعيد الدولي، لتشجيعها على زيادة مساهمتها في تمويل الوكالة وإنجاح برامجها ومشاريعها.
إن تعاوناً في هذا المجال، بين مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم في الشتات، وبين أطر حركة اللاجئين في أوروبا وكندا وغيرها، يمكن أن يعطي الثمار المرجوة. كما أن مثل هذا الوضع يملي على دائرة شؤون اللاجئين النهوض بدورها، والإنفتاح على مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم، وتبني حاجاتهم الملحة، والتفاعل مع الحالة العربية الرسمية، لتبني مشاريع إستثنائية لا تندرج في موازنات الوكالة وبرنامجها العام، كإصلاح المآوي والمدارس، والمراكز الإجتماعية للنساء والشباب، وتطوير البنية التحتية، وإصلاح البيئة وغير ذلك من القضايا الملحة.
(4)
دائرة شؤون اللاجئين.. الإطلالة الموسمية
منذ سنوات ودائرة شؤون اللاجئين في اللجنة التنفيذية في م.ت.ف تسجل تراجعاً في دورها، إن على الصعيد الوطني العام، أو في علاقاتها مع مخيمات اللاجئين، وتجمعاتهم السكنية، ومع أطرهم وهيئاتهم الشعبية ومنظماتهم الأهلية. وهي تكاد تطل برأسها في السنة لمرة واحدة عند إحياء ذكرى النكبة في بيان يتيم، لا يتكرر طوال العام.
إن غياب وتغييب دائرة شؤون اللاجئين ينسجم إلى حد بعيد مع إستراتيجية المفاوض الفلسطيني ومواقفه. علماً إن دائرة شؤون اللاجئين تمتاز عن باقي الدوائر في اللجنة التنفيذية أن بإمكانها التفاعل الحيوي مع حركة ناشطة للاجئين في أماكن تواجدهم كافة، وبإمكانها أن ترسم لنفسها، وللاجئين ومعهم، خطط عمل وأنشطة تفتح أفقاً جديداً لحركة اللاجئين ولنخبهم، وتضع على جدول الأعمال سلسلة واسعة من الهموم والإهتمامات السياسية (في صون حق العودة وتطوير آليات عملها) والإجتماعية (الضغط على وكالة الغوث ومؤسساتها وتعزيز الرقابة والمساءلة الشعبية على أدائها)، وكذلك خلق أجواء من التفاعل مع الجاليات في المهاجر، ومع الحراك الشعبي في العواصم العربية، بما يجعل من قضية اللاجئين موضوعاً حاضراً على جدول أعمال مؤسسات الشعب الفلسطيني، والحركة الشعبية العربية، وصولاً إلى الجامعة العربية.
إن تفعيل دائرة شؤون اللاجئين تشكل مهمة نضالية شديدة التعقيد تنتظر حركة اللاجئين وأطرهم ونخبهم، هي جزء من معركة إصلاح المؤسسة الفلسطينية الرسمية، لكنها تفتح بالمقابل، أمام هذه الحركة وأطرها ونخبها أفقاً جديداً في معركة الدفاع عن حق العودة ضد المشاريع البديلة.
(5)
حركة اللاجئين.. مراوحة في المكان
يصعب الحسم في مسألة مدى تقدم أو تراجع حركة اللاجئين ونخبهم وأدائها، لكن يمكن التأكيد أن كثيراً من الأطر المتطفلة على حركة اللاجئين، والتي شكلت تشويشاً على أدائها ووضوحها السياسي قد بدأت تغادرها بعد أن إستنفذت دورها. إن هذا يعني أن حركة اللاجئين ونخبها، بتركيبتها الآن، مدعوة للبحث في معالجة ثغراتها ونقاط ضعفها، وتفعيل المؤسسات المحسوبة في إطارها، والتي ما زال أداؤها إما موسمياً، أو شبه غائب، ونقصد بذلك الإتحادات الشعبية والمهنية في م.ت.ف، وهي مؤسسات تمتلك طاقات وقدرات وبوسعها التأثير في فعل الحركة ونتائجه، نظراً لكونها «وطنية عامة» ذات قواعد شعبية عريضة من الإتجاهات السياسية المختلفة يشكل تحركها عنواناً للإجماع الوطني، وتزخيماً لقضايا اللاجئين، في المجالات السياسية والإجتماعية والحياتية اليومية للاجئين، إن في العلاقة مع المؤسسة الرسمية، أو مع الدولة المضيفة أو مع وكالة الغوث ومؤسسات المجتمع الأهلي الناشطة في مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم السكانية.
إن القوى السياسية الناشطة في هذه الميادين كافة (أطر اللاجئين - المنظمات الأهلية - الإتحادات الشعبية) ومنها الجبهة الديمقراطية ومنظماتها الجماهيرية ومؤسساتها الصديقة، تتوفر لها الفرص الأفضل لحمل عبء هذه المهمة، وجعلها عنواناً دائماً من عناوين العمل الوطني في مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم السكنية.
(6)
الإنعكاس الإيجابي للحراك العربي
يحمل الحراك الشعبي العربي في طياته تداعيات متناقضة في إنعكاساتها على أوضاع اللاجئين وقضيتهم وحقهم في العودة. فهو، من ناحية أزاح أنظمة عربية سلطوية، وفتح باب التغيير في المنطقة على مصراعيه، وعزز دور الحركة الشعبية العربية في صنع حاضرها ومستقبلها، وتقرير مصيرها ومصير أنظمتها وأوطانها، ما يبشر بمستقبل عربي جديد، عناوينه الديمقراطية، والتعددية السياسية، والعدالة الإجتماعية والكرامة الوطنية، وحق المواطنة والمساواة بين المواطنين. وهو مستقبل، بانعكاساته الإيجابية، ستكون له آثاره وتأثيراته الإيجابية على الحالة الفلسطينية عموماً، وعلى قضية اللاجئين وحق العودة بشكل خاص، نظراً للإحتكاك المباشر بين تجمعات اللاجئين وفصائل العمل الوطني وعموم مكونات الحالة الشعبية العربية.
إن هذه التطورات، بما تحمله من ديناميات للتغيير في الحالة العربية، على المستويات الرسمية والشعبية، تصب في صالح القضية الفلسطينية ومنها قضية اللاجئين وحق العودة. وبالتالي، فإن حركة اللاجئين تجد نفسها مدعوة إلى إعادة تقديم نفسها إلى الحالة العربية الجديدة، إنطلاقاً من إلتزامات هذه الحالة، القومية والوطنية نحو القضية الفلسطينية.
الوجه الآخر لصورة الحراك الشعبي، في لحظاته الآتية حمل إلى اللاجئين تداعيات سلبية تمثلت بزيادة المخاطر الأمنية، وقد أسقطت دائرتها لتطال مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم في سوريا، بعد أن كانت تقتصر على لبنان والعراق وغزة.
يزيد من تفاقم الوضع، عجز المؤسسة الرسمية الفلسطينية عن لعب الدور المطلوب لتخفيف الآلام والمصاعب الحياتية لهؤلاء اللاجئين، مرة بسبب الإنقسام الحاصل في الحالة الفلسطينية، ومرة أخرى بسبب من تعقيدات الوضع نفسه، ومره ثالثة بسبب غياب أو تغييب دائرة شؤون اللاجئين، وتهميش دور الإتحادات الشعبية والمؤسسات النقابية. رغم هذا كله تبقى مهمة الإغاثة، وتوفير المساعدات الحياتية واحدة من المهام الرئيسية الملقاة على عاتق المؤسسة الرسمية وعلى عاتق وكالة الغوث، ومؤسسات المجتمع الأهلي، مع تعزيز الدور السياسي للقيادات السياسية المحلية، (لبنان ، سوريا) والتنسيق مع أحزاب الحركة الوطنية في الأردن، والتعاون مع الإدارات العراقية الرسمية.
(7)
الهموم المحلية في إطارها الوطني
إن الموقع المحوري لقضية اللاجئين وحق العودة، في قلب القضية الفلسطينية، وما تمثله من مصالح وحقوق الغالبية من أبناء الشعب الفلسطيني، إنما هو تأكيد إضافي على صعوبة، إن لم نقل إستحالة تجاوز هذه القضية وتجاهل حقوق ومصالح أصحابها. المؤشرات تؤكد أن الحركة الشعبية الفلسطينية في الشتات خاصة، وفي القلب منها حركة اللاجئين، تملك من القدرات والإمكانات والطاقات ما يمكنها من إغلاق الطريق على سياسة المناقصة على حق العودة إلى الديار والممتلكات، خاصة وأن حركة اللاجئين، تقف أمام آفاق جديدة ستُفتح أمامها على الصعيد العربي.
إن مواصلة معركة الدفاع عن حق العودة لا يجب أن تغيّب من جدول أعمال حركة اللاجئين قضاياها المحلية الملحة على صعيد الإقليم الواحد (لبنان: مخيم نهر البارد ، الحقوق الإنسانية ، جامعة فلسطينية/ سوريا: تحييد الحالة الفلسطينية، إغاثة النازحين/ غزة: إعادة الإعمار، فك الحصار، البطالة، الفقر، إنهاء الانقسام، وقف العدوان/ العراق: تأمين الأمان الإستقرار لمن بقي في بغداد..). إن كل هذا يفترض إستنهاض جميع مكونات حركة اللاجئين ومؤسساتها الشعبية والأهلية والتحلي بالنفس الطويل والسياسات الحكيمة وروح الوحدة الوطنية.
(8)
إسرائيل.. المساواة القومية في مواجهة تقدم التمييز العنصري
يعكس صعود اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل إرتفاعا في حدة العداء الذي تكنه إسرائيل للمواطنين الفلسطينيين العرب. وتستند نظرة العداء هذه إلى الخلاصة السياسية القائلة بأن هؤلاء الفلسطينين يشكلون قنبلة موقوتة مرشحة للإنفجار داخل الكيان، والقائلة أيضاً - وفق وصف مؤتمر هرتسيليا عام 2001 - بأنهم «الطابور الخامس» لأعداء إسرائيل. ومن هنا دعوة مؤتمر هرتسيليا إلى التعامل معهم، قانونيا واستخباراتيا، على هذا الأساس، دون تجاهل إمكانية إحتواء فئات أو شرائح منهم، وفصلها عن المنحى السياسي والثقافي العام لعموم الفلسطينين العرب في مناطق الـ 48.
في السابق، كانت المؤسسة الإسرائيلية تمارس سياسة التمييز ضد الفلسطينيين العرب، من حملة الجنسية الإسرائيلية، بإتباع سياسة تفضيلية لصالح المواطنين اليهود، إن في الخدمات أو المشاريع، أو في توفير فرص التعليم الجامعي، وفرص العمل، أو صون البيئة، ودعم المؤسسات البلدية والمحلية بالمال اللازم للقيام بوظائفها في خدمة السكان.
مع العام 2010، بدأت المؤسسة الإسرائيلية تتشدد في سياستها التمييزية والعنصرية، لتأخذ طابعا فاشيا، كما وصفه بعض كبار المحللين الإسرائيليين (البروفسور نوعمي حزان في ملحق يديعوت أحرونوت في 15/10/2010) حتى إن البعض ذهب في تحليل الوضع بالقول إن حكومة اليمين واليمين المتطرف تقترب من تبني عبر القوانين المتتالية، السياسة العنصرية لحزب «إسرائيل بيتنا». وفي هذا الإطار يندرج النقاش الدائر في أوساط لا يستهان بتأثيرها على محصلة القرار الرسمي حول السبل «القانونية» للتخلص من أكبر كتلة ممكنة من الفلسطينيين العرب، بالدعوة إلى تبادل السكان مع الجانب الفلسطيني في مفاوضات الحل الدائم.
أما على المستوى الإشتراعي فقد نجم عن هذه الأجواء إصدار مجموعة من القوانين، اكثرها دلالة على هذا المنحى التمييزي العنصري ما يلي:
إضفاء الشرعية على الخطاب السياسي الذي يعتبر الفلسطينيين خطرا على الدولة اليهودية، من خلال إطلاق مواقف لوزراء ومسؤولين عسكريين وأمنيين، والدفع باتجاه سن قوانين تخدم هذا الخطاب، كالإصرار على «يهودية الدولة» وإعلانها المكان الذي يمارس فيه «الشعب اليهودي حقه في تقرير المصير»، ما يترتب عليه أيضاً إعتبار الوجود الفلسطيني في هذه الدولة خارج إطار هذا التعريف.
إضعاف دور الكتلة العربية في الكنيست الإسرائيلي، ليس من خلال قطع الطريق فحسب على مشاريع القوانين التي يتقدم بها أعضاء الكنيست الفلسطينيون العرب، وإجهاضها منذ القراءة الأولى، بل وكذلك من خلال المزيد من التضييق لهامش تحرك النواب العرب أنفسهم، كحرمانهم من العديد من الحقوق، كنواب «عقابا لهم على مواقفهم المؤيدة لإخوانهم الفلسطينيين في المناطق المحتلة».. وصولا إلى التهديد برفع الحصانة عنهم كما جرى للنائب في التجمع السيدة حنين الزعبي عقابا لها على مشاركتها في «سفينة الحرية» لفك الحصار عن قطاع غزة، وذلك ضمن تقدير أن مثل هذه السياسة التي تقود إلى إضعاف دور النواب العرب في الكنيست سوف تقود الناخبين العرب إلى فقدان الثقة بالإنتخابات ودورها بدليل إمتناع 50% منهم عن التصويت في إنتخابات الكنيست الأخيرة، وصولا إلى تراجع الإرادة السياسة لدى الجمهور الفلسطيني في إسرائيل.
في السياق نفسه إتخاذ سلسلة من التشريعات التي تحد من الهامش الضيق أمام الشارع العربي في إسرائيل. كمعاقبة المؤسسات المدنية والأهلية والأفراد إن هم تضامنوا مع إخوانهم في المناطق المحتلة، وإن هم حولوا «يوم الاستقلال إلى يوم للحزن» في إشارة إلى منع إحياء ذكرى النكبة. وقد أطلق على هذا القانون اسم «قانون النكبة».
الدفع باتجاه «تطوير» قانون المواطنة، للربط بين المواطنة وبين الولاء لإسرائيل «يهودية صهيونية ديمقراطية»، في محاولات محمومة للدفع بالفلسطينيين العرب خارج القانون.
إتساع ظاهرة المدن اليهودية المغلقة وتحصين هذه الظاهرة بقرارات وأحكام قضائية تمنح اليهودي الحق بعدم بيع مسكنه أو تأجيره لمواطن فلسطيني عربي.
تكريس سياسة «الخدمة المدنية القومية» الإلزامية للمواطنين العرب، في محاولة لخلق فرص لتشويه الوعي وشطب الذاكرة الجماعية للفلسطينيين لصالح سردية معيّنة للمأساة الفلسطينية تخدم المشروع الصهيوني، وتعمل على تفتيت التجمعات الفلسطينية العربية داخل إسرائيل.
يضاف لهذا كله تزايد حدة الفقر في «الوسط العربي» وإرتفاع حجم البطالة وتدني مستوى التعليم في ظل إهمال متعمد من الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك حرمان المجالس المحلية من الدعم المالي الذي يتوفر بسخاء للمجالس المحلية وللمعاهد الدينية اليهودية وغيرها.
هذه السياسات وغيرها في ظل قوانين عنصرية، ومؤسسة تشريعية منحازة ضد مصالح الفلسطينيين العرب، تسهم في تضييق الأفق أمام إحتمالات التغيير الديمقراطي، كما يناضل لأجلها الفلسطينيون وأحزابهم العربية في إسرائيل. وفي هذا السياق نؤكد على ضرورة أن توحد الأحزاب العربية قواها في هذه النضالات، وكذلك في الإنتخابات النيابية وغيرها لرفع نسبة التصويت بصورة فعلية في الوسط العربي، حتى ترقى بالقوة الإنتخابية لهذا الوسط إلى أقصاها وتعزز دورها في الكنيست وغيرها من المؤسسات المشكلة بالإنتخاب دفاعاً عن حقوق الجماهير الفلسطينية في دولة إسرائيل ودرءاً للمخاطر التي تتهدد مكانتهم.
إن النضال في مناطق الـ 48، ما زال يدور تحت سقف «المساواة» بهدف التقدم نحو إنجاز شروطها ومن أجل «الحقوق القومية والثقافية والإنسانية» للفلسطينيين، بكل ما يعنيه ذلك من تصد للقوانين التمييزية العنصرية، والعمل في الوقت نفسه، على بناء جبهة عريضة عربية – يهودية، ضد النزعات والإتجاهات العنصرية الفاشية التي بدأت منذ وقت غير قصير تتمدد في إسرائيل .