طُزْ في مصر والسيناريو الأميريكي

محيي الدين ابراهيم
2012 / 12 / 20

طـُـــزْ في مصر هكذا قالوها من قالوها وكانوا صادقين فيما قالوه واصبح الوضع في مصر ( داخل هذه الطـُـزْ ) مأساوياً من كل النواحي عن عمد ومع سبق الإصرار والترصد، وربما الأكثر مأساوية حاليا هو انعدام الأمن ومن ثم ضياع الأمان، فليس هناك أمن على الإطلاق، نحن نعيش بالمتبقي في قلوب المصريين من وازع أخلاقي ونخشى في الشهور القليلة المقبلة أن يتلاشى هذا الوازع ايضاً فيسطو الجار على جاره ويقتل الأخ أخاه من أجل ( حفنة ) قمح كما حدث أيام حاكم مصر المستنصر بالله الفاطمي.
يعلم الجميع أنه لو عادت الشرطة المصرية لقبضتها الحديدية لألقت القبض على معظم من هم في المشهد السياسي الآن وهو مالا يريده اصحاب هذا المشهد ونجومه حتى لا يعودوا للسجون التي خرجوا منها مرة اخرى، فهم ورغم أنهم يحكمون إلا أنهم مازالوا عبيد عقدة الاضطهاد وهو ما أدى بمصر للسقوط بالفعل في أقل من شهور.
على سبيل المثال أحمد عرفة أحد أعضاء ( حازمون ) وهي إحدى جبهات الأستاذ حازم صلاح ابو اسماعيل تم ضبطه متلبساً بالإرهاب بواسطة سلاح آلي غير مرخص وتم القبض عليه وأثناء استجوابه بنيابة مدينة نصر تجمع فصيل ( حازمون ) حول مجمع النيابات بالآلاف مهددين الجميع بالحرق بدءاً من وكيل النيابة ورجال المباحث وحتى أصغر شاويش في النيابة ولأن ( الشعب ) اختار سقوط الشرطة منذ عام ونصف وهلل لدخول غالب رجالها السجون وسط التشفي المريض وزغاريد الهلاوس، اصبح رجل الشرطة اليوم بعد سقوط هيبته يؤدي عمله ( خوفا ) من دخوله السجن تحت ضغط الشارع وهو الأمر الذي جعل الشرطة كمؤسسة أشبه بوزارة الشئون الاجتماعية مليئة بموظفين عالة على الوزارة وعالة على الشعب رغما عنهم حيث لو تصدى احدهم لحالة شغب أو سطو مسلح فأمره معروف لإحدى نتيجتين إما القتل أو السجن لذا فقد أطلق جهاز الشرطة مرغماً سراح احمد عرفة من سراي النيابة تحت ضغط وارهاب أعوانه من فصيل ( حازمون ) دون استجواب رغم ثبوت التهمة ورغم التلبس، هذا هو الأمن حاليا في مصر وهذه هي النتيجة التي جاءت برغبتنا نحن المصريون حينما ( كسرنا ) هيبة الشرطة بأنفسنا ظنا منا أن هذا لصالحنا وصالح البلد والآن نبكي من الندم ولات ساعة مندم.
وربما من أغرب المسائل التي تتكشف يوما بعد يوم، أن ما نحياه يتم برضا أمريكي سامي لصالح أمن اسرائيل وبواسطة أبناء امريكيون للنخاع حتى وان ولدوا من جدود وآباء وأمهات مصريين وأكلوا من طينة الأرض وشربوا من ماء النيل وتحدثوا العربية ونطقوا بالإيمان وظنوا أنهم يحسنون صنعا وهم ألد الخصام والأخسرين أعمالاً، فهذا نصف عائلته أمريكية وهذا له أم وأخت وأخ وحفيد ويحملون جميعهم الجنسية الأمريكية وذاك ابنه أمريكي ويعمل في منظمة كلينتون وآخر يعمل في ناسا للفضاء بموافقة أمنية من ( سي آي إيه ) الأمريكية وآخر يحتفظ لمستقبل ابنائه بالجنسية الأمريكية عسى أن يصبح أحدهم من جيل الاحفاد رئيسا للولايات المتحدة في يوم من الأيام ليعتنق الأمريكيون عن طريقه المذهب الوهابي، ويهلل الفقراء في بلادنا وهم يصرخون دون وعي أو حتى ذرة إدراك للإيمان ( تكبييير ) وهذا وهذا وذاك وهذه وتلك وهؤلاء والكثير الكثير مما لا يتسع المقال لذكرهم يحكمون مصر بالفعل حتى المعارضة في مصر لا استثني منهم أحداً إلا من رحم ربك، الكل يحملون ألوان الطيف الأمريكية وترضى عنهم الولايات المتحدة ويتصدروا المشهد السياسي ( بسوء نية أو حسن نية لا فرق مادام الجميع وكلاء اميركا ) في المنطقة لحماية أمن اسرائيل من عبث ايران، ومثلما فعلت أميركا في العراق حيث أعطت باحتلالها العراق نفوذا منقطع النظير لإيران لتتجاوز حدودها عبر العراق ولبنان والسعودية وتصل بأيدولوجيتها حتى دول وسط أفريقيا، تحاول اليوم أن تفعل بمصر ليتجاوز الإخوان حدود مصر وتمتد أيدولوجيتهم من الجزائر وحتى سوريا وتركيا مرورا بدول صحراء أفريقيا وكما ذكرت في اكثر من مقال من بدء الثورة وحتى اليوم أن الهدف هو صناعة قوتين مذهبيتين اسلاميتين ( يحملان وهم العظمة المزيفة ) كل منهما ضد الأخرى ويفصل بينهما البحر الأحمر تكون رأس احدهما ايران وتابعها العراق والرأس الأخرى تركيا وتابعها مصر، لتشتعل الحرب المذهبية ويتم فيها استنزاف كل القوى لصالح أمن اسرائيل وسيكون وقود هذه الحرب ليس من أصحاب اللحى ممن صموا آذاننا بأناشيد حي على الجهاد واقامة دولة الخلافة الذين أراهم أول من اساء للإسلام ووصموه واساءوا لسيدنا النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهو الذي أخبرنا عنهم ووصفهم وصفا دقيقا كأنه يراهم بيننا اليوم، بل سيكون وقود هذه الحرب هم جميع الأقليات غير المسلمة وغير العربية قسراً وقهراً كما كان يفعل صدام حسين في حربه مع ايران فيرسل كل ما هو شيعي إلى جبهة القتال ليتخلص في حربه من كل شيعة العراق، وفي تقديري أن أميركا تعلم مثل هكذا سيناريو، لكنها في سبيل أمن اسرائيل لا يهمها أن يتم الزج إلى جبهة القتال من الطرفين ملايين من الأقليات الغير مسلمة والغير عربية بحيث تكون أول حرب ابادة جماعية ( شرعية ) ومقننة كونها امتداد للحرب على الإرهاب وبرضا العالم كله بعد أن تم وضع ايران وكل حلفائها من بلدان المذهب الشيعي على رأس قائمة الدول الراعية للإرهاب ووضع تركيا ( عضو الناتو ) وكل بلدان المذهب السني ( تحت حكم الاخوان ) على رأس الدول الحليفة، لتحدث الإبادة الجماعية للأقليات غير المسلمة وغير السنية وغير الشيعية وغير العربية في المنطقة كما حدث للأرمن والهنود الحمر على مرأي ومسمع ورضا من العالم كله، وبعدها وقبل أن تلتقط بلدان المذهب السني المنتصرة أنفاسها بعد انقضاء الحرب التي ستكون ( فتاكة ) وقبل أن تلملم الشعوب الفائزة بالحرب بقيادة تركيا والخاسرة بقيادة ايران جراحها وفي ظل اقتصاد وبنية تحتية منهارة تماماً يتم الانقضاض بضراوة على هذين الطرفين في حرب ابادة جماعية جديدة شرعية وممنهجة لتتسيد بعدها اسرائيل في أرض ميعادها وعاصمتها القدس بعد سقوط الكل من حولها وحيث سيقوم من تبقى من شعوبنا وابنائنا ( بعد الإبادة ) بكنس شوارع تل ابيب والاهتمام بنظافة مراحيض الكنيست الإسرائيلي.

حكاية أعجبتني:
قابل عصفور ذات يوم طائر الطاووس فأعجبه جمال الريش وانعكاس وبهاء الألوان وكبرياء القامة فأشفق على نفسه وهو العصفور رمادي اللون ضئيل الحجم تكاد رأسه تلتحم في جسده فينعدم مع التحامها كبرياؤه، وهنا قال له:
أظن أن لجمالك هذا علاقه بالأرض التي ولدت فيها ولوطنك الأم؟، فأجابه الطاووس:
مؤكد، فقال له العصفور:
هل تحب وطنك؟، فأجابه الطاووس:
إنه اجمل بقعة في الأرض رأتها عيني، فرد العصفور في حسد:
لو أن لي وطن كوطنك ما فرطت فيه أبداً .. فهل لك أن تريني وطنك هذا؟، هل لك أن تريني تلك البقعة التي تجدها أنت اجمل بقاع الدنيا، ربما إن رأيتها معك نال حظي نصيباً من جمالك، فوافق الطاووس ورافق العصفور حتى وصلا إلى أرض قاحلة جرداء أقرب للصحراء منها إلى وديان الأنهار، ثم انعطف الطاووس إلى شجرة صبار كبيرة تحيطها بعض جذوع متناثرة لشجرة سدر جرداء، وعندها أطبق الطاووس ذيله المضيء ونكسه كما تنكس الأعلام من صواريها حتى توارت ألوانه الزاهية ولم يعد لها وجود، ثم سجد على منقاره لحظات في جلال مقدس، وهنا صرخ العصفور في وجه الطاووس وقال له:
قبحك الله ايها الطاووس الغبي، هل هذا هو وطنك؟، هل هذه الأرض البوار هي اجمل بقاع الدنيا؟ ما أبلدك من طائر أيها البليد وما أحقرني من عصفور سمح لنفسه أن يصدق طاووس مجنون مثلك تحدث عن وطنه وكأنه جنة عدن فإذا به صحراء قافلة مقبضة، طز في وطنك هذا وتباً لك، طـُز، طـُز، طـُز، وهنا نظر إليه الطاووس نظرة شفقه وقال له:
ايها الغبي، تكمن قيمة الوطن في معنى أنه وطن حتى ولو كان صحراء واسعة، لأنك في فقدان المعنى أيها التعس تفقد الذات وينحط قدرك، الوطن هو نقطة الوجود التي لولاها ما وجدت لي انتماءً ولكان لفظني العالم، الوطن هو نقطة النور التي إن فرطت فيها لعشت ظلاماً للأبد، ربما وطني من وجهة نظرك ليس واحة غناء وجنة خضراء ولكنه بالنسبة لي هو أجمل بقاع الأرض، الحياة والموت معاً حيث يولد من الحياة الإيمان ويولد من الموت الحكمة، إنه وطني الذي فيه ولدت وفيه لعبت ومنه تعلمت وحين ينتهي أجلي سأدفن فيه بين أحضان الآباء وتاريخ الجدود مطمئنا بين احشائه أن لي وطن.
عاشت مصر حرة أبيه جميلة ساحره وحماها الله من كل الفتن وتحيا مصر .. تحيا مصر.