مواطنو الربيع العربي بين التنكيل والتمثيل

حكمت الحاج
2012 / 12 / 18

تبعاً لما حدث من زلزال في عالمنا العربي منذ فجر الرابع عشر من يناير جانفي 2011 فإننا يجب أن نكون الآن في الحقبة الديمقراطية بصيغتها الأمريكية والتي تم تصديرها للمنطقة منذ احتلال العراق عام 2003 وهي ما تسمى بالديمقراطية الليبرالية أو الديمقراطية التمثيلية في عنوانها الدقيق.
هل نواب الشعب هم حقاً ممثلوه؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح حين الحديث عن التمثيل Re-Presentation وأشكاله وآلياته التي تكتنف الفكرة الأساسية للديمقراطية النيابية من مثل النظام الانتخابي وقوانين الانتخاب وتنظيم الأحزاب وكيفية تمويلها ووسائل الإعلام وما تقوم به من أدوار وكذلك مراكز صنع القرار المالية والأيديولوجية.
في محاضرة له ببيروت (ضمَّنها كتقديم لكتابه المترجم ما بعد الحداثة في السياسة) يتناول الباحث د. حيدر حاج إسماعيل هذه القضية ولكن ليدفعنا إلى الشك فورا بواقعية هذه الديمقراطية قائلا إن هذا الشك يعززه الخبراء في علم الاجتماع السياسي الذين يقدمون شروحا عن حقيقة وجود أوليغاركية تحت مظهر الديمقراطية الغربية، فهم يقولون، حسب د. إسماعيل، إن الأقليات التي تتحكم بمقادير كبيرة من الرأسمال المادي والثقافي هي التي تستغل المؤسسات السياسية لمصالحها الفئوية.
وفي كتابه الشهير (اللوياثان Leviathan) ينطلق المفكر والسياسي البريطاني توماس هوبز في تحليله لفكرة التمثيل أو التخويل من مفهوم كلمة الشخص Person حيث يقول إن الأصل اللاتيني للكلمة هو Persona وهذه الكلمة بدورها تعني التنكر أي إخفاء المرء لمظهره الخارجي على المسرح أو إخفاء جزء منه كالوجه مثلا بقناع أو ما شابه ذلك. وقد وردت فكرة التمثيل عند هوبز على النحو التالي: يقال ان دولةً ما تأسست عندما يتفق الأفراد ويتعاقدون، كل واحد مع كل واحد، على أن يمنحوا فرداً واحداً منهم أو جماعةً، حقَّ تمثيلهم وتخويل ذلك الفرد أو تلك المجموعة بالقيام بأعمال وأحكام كما لو كانت هي أعمالهم وأحكامهم.
واضح ان التمثيل في النظرة الليبرالية هو تمثيل الأفراد ومصالح الأفراد. غير ان بعض المفكرين على ما يذكر د. حيدر إسماعيل قد أبدوا تخوفهم من الفئوية أو التحزبية في مسار العملية النيابية. ويجب هنا ان نعرف الفئة Fraction بأنها عدد من المواطنين توحدهم وتحركهم عاطفة عامة أو منفعة مشتركة ضد حقوق مواطنين آخرين أو متعارضة مع المصلحة الجمعية للمجتمع ككل.
بل يذهب أحد الباحثين إلى القول ان وظيفة الدولة هي مجرد ترتيب الناس وإعادة تصنيفهم بحيث يتحقق الاستقرار وسط الشعب وفي المجلس التشريعي أو التأسيسي أو البرلمان الخ أي التوقف عن حركة التصادم والجنوح نحو الاستقرار وليس تثقيف الشعب وتربيته.
لقد ظهرت في ميدان الجدل حول فكرة التمثيل النيابي وجهتا نظر متعارضتان. فواحدة تقول ان تمثيل الشعب يجب أن يقارب حد المطابقة ما بين الشعب وممثليه وهو أن يكون الشعب ونوابه على هوية واحدة. وواحدة تقول إن غياب المطابقة بين الممثلين (بفتح الثاء) والممثلين (بكسر الثاء) أمر لا يمكن تجنبه لذا فإن الاختلاف وليس التشابه بين الشعب ونوابه هو الحاصل.
على أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن جان جاك روسو في عقده الاجتماعي رفض كل أنواع التمثيل، بل وأكد إن إرادة الشعب لا تسمح بالتمثيل أو التخويل. إنها هي بذاتها ولا يمكن أن تكون شيئا آخر. لذلك فإن ممثلي الشعب ليسوا ولا يمكن أن يكونوا ممثليه. وحسب روسو فنواب الشعب هم وكلاء للشعب أو عملاء له ليس إلا، فلا يقدرون على اتخاذ أي قرار خارج إرادة الشعب ذاته.
السؤال الجوهري الآن، ما هو وضع التمثيل أو التخويل النيابي أو البرلماني أو المجالسي في عالمنا العربي وبالأخص في دول ما سُمي بالربيع العربي؟ هل يمثل نواب الشعب المنتخبون ديمقراطياً فئاتهم التي انتخبتهم تمثيلا تطابقياً أم اختلافياً؟ وما معنى كلا التمثيلين؟ وهل حقاً يجد المواطن نفسه ممثلاً (بفتح الثاء) في المجلس التأسيسي أو في الجمعية التأسيسية عبر نائبه الذي اختاره بنفسه وعن طواعية، أم سيجد نفسه مُنَكَّلاً به في هذه المجالس التي لم تَرْقَ بعدُ إلى صفة البرلمانات (بين ظفرين!)..؟
إن من المفروض بمكان أن يكون الصوت العام الذي يصدر عن ممثلي الشعب أكثر انسجاماً مع الصالح العام من صوت الشعب ذاته وحالتئذٍ ستتكسر المنافع الفئوية الضيقة وتتوازن مصادماتها لإنتاج حالة من الاستقرار. لكن من ناحية أخرى فقد يحصل العكس ويعمل ذوو النزعات الفئوية والميول التحزبية والأهواء المحلية والخطط الشريرة عن طريق المؤامرة والفساد والرشوة أو بواسطة أساليب أخرى، على الفوز في الانتخابات الديمقراطية وثم خيانة مصالح الشعب، ليجد المواطن نفسه في رحلة عذاب جديدة من التمثيل إلى التنكيل.