معنى السجال الثقافي

حكمت الحاج
2012 / 12 / 16


تنحصر صورة المعارك الثقافية او السجال الفكري في الفضاء الثقافي العربي الان ربما في صورة شخصيتين ثقافيتين في ضيافة برنامج حواري على تلفزة ما، للخوض في ملف معين او ظاهرة تطرح نفسها على السطح، وتنتهي المقابلة برفع الصوت وتبادل الاتهامات ومن ثم الشتائم وصولا في بعض الاحيان الى تشابك بالايدي. وقد لحظ المشاهدون بضع مرات نادرة تم فيها استخدام الحذاء كسلاح ابيض في المعركة.
في الماضي القريب ان شئنا، سجلت الثقافة العربية لحظات احتدام فكري ونقاش حاد. هذا صحيح، لكننا بعد حساب الحصاد وعد النتائج نجد ان ما توفر لدينا بعد تلك المعارك انما مجموعة قيمة من الكتب التي احتوت مضامين النقاشات ودوريات أرخت لتلك اللحظات الفريدة في المواجهات ما بين صناع الثقافة ومنتجيها على طرفي الاختلاف. وهكذا أفرزت المعركة بين الدكتور زكي مبارك والدكتور احمد امين سلسلة مقالات عنوانها جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي ، وكتاب جناية أحمد أمين على الأدب العربي وهل ننسى تلك الحوارات الساخنة الحادة بين عباس محمود العقاد وصلاح عبد الصبور، وبينه وبين احمد عبد المعطي حجازي، كما لا نزال نتذكر الصدام الحاد بين الناقد محمد مندور والدكتور رشاد رشدي في معركة خاصة بالمسرح العربي حيث اصطف المريدون بين يسار الفكر ويمينه.
وقد شهدت بلا الشام والعراق وبلدان المغرب العربي وغيرها ايضا، احتدامات فكرية وتعارضات في المنهج والرؤية شملت مختلف الميادين لا شك في ان اهمها كانت معركة الشعر الحر ومعركة السفور وفي غير العمودي والحر تحديدا في تونس ومعارك في النظر الى التراث والمعاصرة في المغرب مرورا ببعض السجالات الثانوية التي طالت امور الترجمة الى العربية وبعض اخطاء المترجمين.. لكن، اين نحن الان من كل هذا؟ هل اصبح هذا في ذمة التاريخ ونسيا منسيا؟ السؤال الجوهري ليس في رأيي لم حصل هذا التراجع، بل السؤال هو كيف حصل الخفوت في نبرة المناقشات العالية المعلنة. يقول البعض انها من نتائج انحطاط الثقافة العربية الان عموما ويقول البعض الاخر انها نتيجة طبيعية لانحسار سيطرة المراكز الثقافية العربية التقليدية القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق وبروز مراكز ثقافية عربية بديلة وجديدة هي تونس والرباط والجزائر وعمان والخرطوم والرياض ودبي الخ بينما يؤكد بعض آخر ان للتغيرات الهائلة والمتسارعة في تكنولوجيات الاتصال والتغيرات في موضوع نشر الكتب وتطور الفضاء الالكتروني الذي اكتسح الصحافة الثقافية التقليدية، دورا كبيرا في اضمحلال ظاهرة السجال الثقافي في العالم العربي.
وبين هذه وكل تلك، كل واحد منا مطالب بالاجابة على السؤال وقبل ذلك صادق القول ان كنا في حاجة حقيقية الى معركة ثقافية ام انها ستكون مجرد ترف فكري لا أكثر.