نظرية أُميِّة الشريعة لدى الإمام الشاطبي

أشرف حسن منصور
2012 / 12 / 1

نظرية أُميِّة الشريعة لدى الإمام الشاطبي
د. أشرف حسن منصور

في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها مصر خاصة والأمم العربية والإسلامية عامة، ومع تزايد صعود تيارات الإسلام السياسي ووصولها للحكم في كثير من بلدان الربيع العربي خاصة مصر، تلك التيارات التي تدعو إلى تطبيق الشريعة، ومع الإصرار على الحفاظ على المادية الثانية من الدستور المصري الذي تنص عبارته الأخيرة على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، يجب علينا التعرف على الوضع المعرفي للشريعة الإسلامية. وأقصد بالوضع المعرفي لها، الكشف عن نوع الخطاب المستخدم في الشرع، والذي تحدَّد بالمستوى المعرفي للمخاطَب وبالأساليب الخطابية التي استخدمها القرآن في مخاطبة متلقيه.
وعند وضع اليد على هذا الوضع المعرفي نكون في موضع أفضل لتقييم الاستخدام السياسي للشريعة والذي تبرع في تيارات الإسلام السياسي، وكذلك لتقييم كل دعوة لتطبيق الشريعة.
وأفضل من نستعين به في الكشف عن نوعية خطاب الشريعة هو الإمام أبو إسحق الشاطبي (توفى 790 هـ/1388 م)، وهو آخر الفقهاء العظام ورائد علم مقاصد الشريعة وصاحب كتاب "الموافقات في أصول الشريعة". وقد وصل علم الفقه على يديه إلى قمة تطوره ونضجه والتي لم يتجاوزها من بعده حتى الآن. إذ حصل علم أصول الفقه في كتابه "الموافقات" على صياغة نظرية شاملة ودقيقة ظهر فيه استخدامه الموسع والعميق للتفكير المنهجي المنظم، حتى أن البعض قد نظر إليه على أنه ابتعد بالفقه عن نشأته البيانية الأولى نحو إعادة صياغة برهانية عملت على عقلنة الشريعة بعد أن كانت نقلية بحتة، سواء نقلية من الكتاب والسنة، أو نقلية عن المذاهب الأربعة.
نحاول في هذه الورقة التركيز على مفهوم محوري في فقه الإمام الشاطبي وهو "أُميِّة الشريعة". فقد كان الشاطبي على وعي بالمستوى المعرفي للمخاطَب الذي تتوجه إليه الشريعة وهو العرب المعاصرين لنزول الدعوة المحمدية. ولكونهم أمة أمية فقد راعت الشريعة أميتهم في خطابها لهم شكلاً ومضموناً، بمعنى أنها راعت أن تكون مفهومة للأميين مستخدمة نفس أساليبهم في البيان والإقناع، وأن تكون مناسبة لمجتمعهم وهذا هو مضمون الشريعة. لم يركز الشاطبي على مناسبة مضمون الشريعة للأمة الأمية ولكن ركز على شكل خطاب الشريعة وأسلوبه الذي جاء مناسباً للأمية.
واكتشف الشاطبي أن مراعاة أمية المخاطَب كانت من مقاصد الشريعة، وظهرت هذه المراعاة في اللغة المستخدمة في القرآن والتي يوجهها مبدأ "مراعاة معهود العرب في الكلام"، وأسلوب الخطاب الذي يوصل التكاليف الشرعية بأسهل الطرق السائدة بين العامة من الأميين. وعلى الرغم من أن الشاطبي كان صريحاً واضحاً في الإعلان عن أن مراعاة الأمية كان من مقاصد الشريعة، بل ومقاصد الخطاب النبوي أيضاً، إلا أن من جاء بعده سواء من الفقهاء أو الدارسين المحدثين تجاهلوا عن عمد قصد وضع الشريعة لإفهام الأميين.
إن المستوى المعرفي للشريعة هو المستوى الأمي وليس أي مستوى آخر غيره. إن العقلنة التي يمارسها الشاطبي على الخطاب القرآني لا تتأسس في إثبات اتفاق ما بين الخطاب القرآني والعقل كما حاول القيام بذلك الكثيرون قبله ومنهم الغزالي، بل تتأسس في وضع الشريعة في مستواها المعرفي الصحيح بمعرفة المستوى المعرفي والذهني للأمة الأمية التي تخاطبها الشريعة. ولاشك أن مثل هذا التعامل العلمي مع الشريعة يذكرنا بتعامل ابن رشد معها باعتبارها خطاباً للجمهور، والجمهور أغلبه من العامة الأمية، خطاباً خاطب هؤلاء العامة بما يناسب أفهامهم.
تحتل نظرية أمية الشريعة عند الشاطبي مكاناً مركزياً في كتابه، فقد جعلها من مقاصد الشارع. ذلك لأن المقاصد عنده تنقسم إلى مقاصد الشارع، وهي مقاصد اجتماعية ومعرفية، ومقاصد المكلف، وهي كلها مقاصد التكاليف الشرعية. ومقاصد الشارع هي مقصد وضع الشريعة ابتداءً، أي بهدف تنظيم المجتمع وصلاحه، ومقصد وضع الشريعة لإفهام المتلقي لها. وهنا بالضبط يدخل قصد وضع الشريعة للأميين. ومعنى هذا أن الهدف الأول من الشريعة هو تنظيم المجتمع وإصلاحه. ولأن هذا المجتمع المقصود تنظيمه وإصلاحه هو مجتمع أمي، فيجب أن يكون خطاب الشريعة مفهوماً للأميين. هذا هو مضمون نظرية الشاطبي. لكن الذي لم يتعرض له هو أن الشريعة في مضمونها، أي أحكامها أيضاً، موضوعة بقصد تنظيم وإصلاح هذا المجتمع الأمي الجاهلي الذي نزلت فيه.

يقول الشاطبي: "... هذه الشريعة أمية، لأمة أمية. وقد قال عليه السلام "نحن أمة أمية لانحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا"" (مسند أحمد، 2/122) (الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي. المكتبة العصرية، صيدا، بيروت 2007، ج1/ ص 28).

والحقيقة أن في القرآن العديد من الآيات التي تؤكد على أمية الرسول وأمية قومه. أما عن الآيات التي تقول عن النبي أنه أمي فهي:
" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ" (الأعراف 7 – آية 157)؛
" فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (الأعراف، 158)؛
" وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ " (العنكبوت – 29، آية 48)

أما عن الآيات التي تتحدث عن قومه بأنهم أميون فهي:
" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ " ( الجمعة – 62، آية 2)
" ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " (آل عمران – 3، آية 75".

ولأن القرآن للأميين فقد أوصاهم بكتابة العقود، وهي وصية لا تقدم لمجتمع متحضر مثقف بل لمجتمع أمي لايكتب أصلاً. فأوصتهم الآية الكريمة بالكتابة:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا" (البقرة 2- آية 282).

ولأن العرب لم يكن لهم نصيب من الحضارة ولا الثقافة، ولأنهم كانوا بدواً أجلاف لم تهذبهم ثقافة ولا علم، فقد كانوا يسألون الرسول في أدق تفاصيل حياتهم الشخصية حتى عن كيفية معاشرة الزوجة. ولم يكونوا يعرفون كيفية التصرف مع الزوجة في أيام المحيض. فسألوا الرسول ثم سأل الرسول الله ثم أجاب الله سؤالهم:
" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " (البقرة 2- آية 222).
كان يمكن أن تكتفي الآية بالقول "قل هو أذى"، أو تتوقف عند "فاعتزلوا النساء في المحيض"، لكنها فصلت في المطلوب من المخاطبين بالضبط، حتى يفهموا ما هو المطلوب منهم بالضبط، لأنهم لن يفهموا إلا بهذه الطريقة التفصيلية التي فيها إلحاح. والعجيب المدهش في الأمر أن القرآن يُفصِّل ويسهب في كيفية التعامل مع المرأة الحائض ثم لا يقول أي شئ عن الدولة وكيفية تأسيسها وشكل الحكم فيها.
ولأن العرب أمة أمية لم يكن لها نصيب من العلم فقد توقف القرآن عن الإجابة لهم عن أسئلة تتطلب لإجابتها معرفة مسبقة بالعلوم وهم لم يكونوا أهل علم. فعندما سأل العرب الرسول عن القمر والسبب في تقلب أحواله من هلال رفيع إلى بدر مكتمل وعودته للكرة مرة أخرى، لم تجبهم الآية وأوقفت أي زيادة في الأسئلة وأسكتتهم بتذكيرهم بما يجب عليهم أن يفعلوه، أي وجهتهم للعمل لا للتفكير النظري الذي ليسوا أهلاً له، مشيرة بذلك إلى أن الأولى لهم اتباع الأخلاق لا السؤال عن الكون، وهو المطلوب من أمة أمية يراد صلاحها وحسب. تقول الآية الكريمة:
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (البقرة 2، آية 189).

كذلك عندما سألوا الرسول عن الروح، وهو سؤال فلسفي عويص كان بداية للتفكير الفلسفي منذ الفراعنة واليونان ومعين التأمل في الطبيعة البشرية وفي الوجود، أوقفتهم الآية الكريمة وذكرتهم بجهلهم وقلة علمهم إسكاتاً لهم:
" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا " (الإسراء 17، آية 85).

والواضح أن العرب الأميين الذين تكلمهم الآية هم المقصودون من عبارة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً". فهذه هي حالهم بالفعل.

نفهم من الشاطبي أن الشريعة أمية لأمة أمية، ويجب أن تفهم على هذا الأساس. ويضع الشاطبي بذلك مفتاحاً لفهم النص الشرعي، بل النص القرآني كله وتفسيره كذلك. ولذلك نراه يقول: "إن علم التفسير مطلوب فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب، فإذا كان المراد معلوماً فالزيادة على ذلك تكليف [يقصد تكلف]" (الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، جزء 1 ص 29). ومعنى هذا أن أي تكييف فقهي للشريعة يخرجها عن مقصدها الأساسي وهو أن تكون للأميين يخرجها عن قصد الشارع منها وهو تكلف وزيادة.

ذهب الشاطبي إلى أن الشريعة أمية لأمة أمية، والرسول أمي ومبعوث لأمته الأمية. ومعنى هذا أن الشريعة من حيث المتلقي الذي تتوجه إليه أمية، والرسول الذي يوصلها إلى الأميين أمي مثلهم، ومن حيث مضمونها وأسلوب خطابها فهي أمية أيضاً، وقواعد تفسيرها يجب أن تراعي الأمية ولا تخرج عنه، لأن أي تفسير لا يراعي الأمية ليس من مقصد الشارع.

وعندما نقول مع الشاطبي أن الشريعة أمية لأمة أمية، فإن هذا يعني أنها مقيدة شكلاً وأسلوباً ومضموناً وتفسيراً بالأمية وبالأمة الأمية التي نزلت فيها الشريعة. وإن كان الفقهاء يقولون إن العبرة في الأحكام بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن أمية الشريعة لا تدخل في باب خصوص السبب، لأن الأمية ليست سبباًُ للنزول بل هي مقصد من مقاصد الشريعة. إن أمية الشريعة تتجاوز مسألة خصوص أسباب النزول لأنها تتعداها إلى طبيعة الخطاب القرآني نفسه ومحتواه على السواء. وهذا يعني أن أي دعوة لتطبيق الشريعة يجب أن تأخذ في اعتبارها أن الشريعة أمية لأمة أمية، وهذا ما يجعلها تهدف إصلاح هذه الأمة الأمية بالذات، وأن ما يصلح للأمة الأمية لا يصلح بالضرورة لغيرها من الأمم. لكن يبدو أن الدعوة لتطبيق الشريعة ترافق مع زيادة نسبة الأمية في المجتمعات العربية والإسلامية.

ولأن الشريعة أمية لأمة أمية فقد كان سبيلها إلى الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي استخدام القصص وضرب الأمثال والحكم والمواعظ الأخلاقية المباشرة والترغيب والترهيب، وكان سبيلها في التشريع الأحكام الخاصة الجزئية، ولم ينص القرآن على مبادئ أو أسس عامة شاملة أو حتى على قواعد للتشريع. فالمبادئ والأسس والقواعد هي من وضع الفقهاء، ولا نجد في القرآن عبارة "مبادئ الشريعة" ولا "مقاصد الشريعة". والحقيقة أن المقاصد الشرعية الخمسة التي يعددها الشاطبي ليست موجودة بنصها في القرآن بل قد استخلصها استنباطاً واستنتاجاً من آيات القرآن. المقاصد والمبادئ والأسس والقواعد كلها نظريات، والقرآن لا يحتوي على نظريات بل على عمليات فقط لكونه خطاباً للأميين الذين لن يفهموا من النظريات شيئاً. وكل ما استخلصه الفقهاء من القرآن هو اجتهادهم الشخصي وهو غير ملزم للمسلم في أي شئ، بل هو مجرد رأي يُؤخذ منه ويُترك، ويُرد عليه ويُرفض ويُنقض.
صحيح أن الشريعة إلهية ربانية آتية من عند الله سبحانه وتعالى، لكنها في الوقت نفسه شريعة أمية لأمة أمية كما قال الإمام الجليل الشاطبي غفر الله له ورحمه وأسكنه فسيح جناته.
اللهم بلغت، اللهم فاشهد.
تحيا الثورة المصرية
د. أشرف حسن منصور