تأملات في الربيع العربي

لطيفة الحياة
2012 / 11 / 24

لم أكــــن أفهم كيف لشعب تغص مكتباته بالقراء أن يكون ـابعا ومستهلكا إلا حينما دخلت فـضاء أكبر وأغنى مـــكتبة بالمغرب فوجدتها غــاصة بالطلاب، الذي فاجئني عكوف غالبيتهم على مـقررات دراسية جـاهزة من قبل أساتذتهم في الجامعات والكليات. مقررات منسوخة، يحاولون مراجعتها وحـفظها عن ظهر قلب. فلا يكاد وجودهم داخل فضاء المكتبة يترك فرصة لمن يريد التـركيز في عوالم الكــتب بسبب ضجيج الأقلام المــــلونة نوع ( MON AMIE)، التي يــستغرقون وقتهم في فتحها وإغلاقها من أجل تـلوين فقرات مقرراتهم، وبدردشاتهم الثنائية والرباعية والخماسية، وبضجيج الموسيقى الصاخبة، التي تنطلق من سماعاتهم الملصقة بأذانهم طيلة ساعات جلوسهم، وبرنات هواتفهم النقالة أخر موديل، وبضربات الكعب العالي المزعجة.

إنه جــيش من الطلاب لا يتحرك نحو اـرفوف لجلب الـكتب بل، لا يحسن التعامل الإيجابي مع الكتاب ومع فضاء المكتبة. لا يؤمنون بشيء اسمه احترام الأخر وعدم ازعاج القراء. جيل لا يـقرأ ولا يطالع ولا يــوسع معارفه في قضايا مقرراته الدراسية. والكارثة أنهم حولوا فضاءها إلى قـاعات للـمراجعة والحــفظ الحرفي لمقرراتهم.

الأمر الذي دفعني للتساؤل: عن أي ربيع عربي يتحدثون؟ ومن صنع هذا الربيع؟ وأين هم صناع الربيع؟ فإذا كان الربيع العربي كما يقولون ثورة وتغييرا وكان صناعها هم هؤلاء الشباب، فإننا نتساءل كيف صنعوها؟ وبماذا صنعوها؟ هل هناك تغييرا وثورة بدون قيم وفكر؟ فإذا كان هؤلاء عاجزين كل العجز عن نقد مقرراتهم الدراسية، فكيف سينتقدون أنظمة قائمة على فلسفة فكرية متجاوزة؟ هل من يدخل بكعب عالي إلى فضاء المكتبة، الذي يفترض فيه الهدوء سيغير شيئا؟ هل من لا يكلف نفسه وضع هاتفه على نظام صامت أو هزاز وسط المكتبة سيغير شيئا؟ هل من يدردش ويضحك داخل فضاء علمي مقدس سيأتينا بخير؟ هل من يتساوى في نظره دخول المكتبة بدخول الأسواق سيصنع ثورة؟

أقول: إن الذي لا يمتلك القدرة على الخروج عن مقرره الدراسي ونقد أساتذته لن يمتلك القدرة على الخروج عن أنظمته الاستبدادية الحاكمة، ونقد فلسفتها. وإن الذي لا يحترم المساحات المشتركة بينه وبين الآخرين لن يمتلك القدرة على انتاج أنظمة ديموقراطية تتساوى فيها حقوق الناس. اسمحوا لي لا أستطيع أن أتفق معكم في وهم الربيع العربي والثورة العربية، لأن واقعنا لا يعكس أي شيء من هذا كله. نعم هو مجرد انفجار تم تحت تأثير الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فأدى إلى قلب الكراسي. والدليل أن مبارك والقدافي وبن علي رحلوا كأشخاص بينما مازالت فلسفتهم الاستبدادية جاثمة على الرقاب مع من حلوا أماكنهم.

شتان يا سادة ما بين الثورة والانفجار فالأولى لها فلسفة تَعْبُرُ بأهلها من حالة فكرية إلى حالة أخرى أفضل منها، بينما الثاني مجرد تغيير للأقنعة. فأنى لنا بالثورة ونحن بفكر راكد لا يتجدد ولا يتزحزح عن مكانه؟ أنى لنا بالثورة ونحن لم نثور على مناهج أجداد أجداد أجدادنا. إن التـغيير يا سادة كل لا يتجزأ. وواهم من يعتقد أن هناك تغييرا بدون فكر وعلم ومعرفة. ولنا عبرة وحكمة في الثعابين، التي تنمو وتزداد حيوية مع كل عملية فسخ لكسائها القشري بعد كل 48 يوما. والغريب أن هذا الكائن الزاحف يختنق فيموت حينما يعجز عن عملية الفسخ.

حرر بالدار البيضاء
يومه: 19-11-012