قصة قصيرة : غواية الفيسبوك

بديع الآلوسي
2012 / 10 / 30

عاد حمدان المغربي إلى بيته بعد أن رأى البحر ، تسجى على الأريكة ، راصدا ً من النافذة طيورا ً تحلق عاليا ً ، ليس من حدث يعكر مزاجه ، أوقد النار في المدفئة ، أتجه إلى الحاسوب .
حين شعر أن ليس في وسعه فعل شيء آخر ، ضغط على زر التشغيل . هذا الروتين تحول مع الوقت الى إدمان لا مهرب منه ، أدرك متأخرا ً أن ثمة وقتا ً للتخلص من عدوى تهييج الذاكرة .
أهمل مشاريعه المؤجلة حينما أغرته لأول مرة بصورتها الفوتوغرافية بالأسود والأبيض ، كانت ضمن قائمة الأصدقاء الذين ينتظرون تأكيد الصداقة .
حمدان المغربي وبينما هو يتذكر كيف مرت سنين عمره الأربع والأربعين ،ألتفت وسأل عرائسه بمرارة : مَن سيعترف بكنّ إذا زارني عزرائيل ؟
نعم ، قبل عشرين سنة قد أنتسب لمنظمة إحياء التراث الشعبي ، هنالك التقى بصديقه اليهودي الذي يكرر بشغف : تعرفون جيدا ً ، إن حمدان أفضل مصمم للعرائس ولكنكم تجهلون ان شكسبير ربه . أما سيدي عباس فقد قال له يوما ً : سامحني يا ولدي ، من حقك أن تكون ملحدا ً ، لكن أعلم أن الله ليس دمية .
بعد شهر تقريبا ًسمع بائعة الحلوى ، رغم ضجيج السوق ، لم تترد وقالت له ككل صباح : أعطني وَسامتك وسأمنحك ما شئت من بسبوسة البندق .
لا يدري لماذا حين يتذكر كل ذلك ينتابه السرور ، لكن الأمر أرتبك عليه قليلا ً في أواخر المساء، هذا ما حدث بعد أن أحس بان نظراتِها مغرية بطيشها ، ظن حينها إن الصداقات الافتراضية قد تثمر عن أملا ً ذا جدوى .
وبينما هو يغرس الدبابيس ويفك أزرار دميته ، بادر ووافق على صداقتها مرددا ً : سوف لن أخسر شيئا ً .
تناول غليونه ليدخن بهدوء ، منتبها ً إن الإسراف في تعقب الأحلام المالحة يزيد من العطش ، نظر إلى لوحات (نسرين أغا ) التجريدية، وقرر هو الآخر أن ينشر على صفحة الفيسبوك صورة للدمية رقم خمسة .
سيبقى كل شيء على حاله لو إنها لم تبرق له بتلك العبارة : منذ ثلاثة اشهر وأنا أسجل إعجابي بكل ما تنشره ، اليوم أنا سعيدة الحظ بكرمك .
ردها السريع طرد عنه الضجر ، واكتفى بإرسال عبارة شكسبير التي يحبها : على المرء أن ينتظر حلول المساء ليعرف كم كان نهاره عظيماً.
في نفس اللحظة ، حدق في عيون عرائسه وسألهن :
ـ هل علقت كسمكة في صنارة ؟
وقبل أن يفعل أي شيء ، أتى مسج جديد في موعده، أشرق وجهه وهو يحدق بكلماتها منذهلا ً : ( أنت نادر يا حمدان ) ,
بدافع غريزي تعقب صفحتها معاودا ً التأمل بوجهها الممتليء ونظراتها التي تُخفي عنادا ًمتغطرسا ً .
كان قلبه يتسع و يتسع بالانشراح ، إنتظر قليلا ً ، ونهض هازا ً رأسه ، طالبا ً العون من العرائس متسائلا ً : ما الخطأ والصواب في كل ذلك؟
أبتسم غير مصدق ما ينتابه ، معتقدا ً إنه من الآن ، سيجد في الفيسبوك تعويضا ً عن كل الخسارات . صار الأمر بالنسبة له أشبه بلعبه مغرية لملأ فراغ العاطفة.
ما كان بوسعه ان يتصور أبدا ًان صورة فوتوغرافيه بلا عطر ، كافية أن تقلب مزاجه بهذه السهولة .
عبثا ً ، كل محاولاته باءت بالفشل ، حيث لم يتمكن من إقناع عرائسه بما ينتابه من مشاعر ، لها تسمية واحدة هي الإغراء .
أحس ان العرائس تقول له : نخاف عليك من الفضيحة .
التبست مشاعره ، لم يعثر على اختيار واضح يعود به نحو هدوئه اللائق ، رغم ذلك ، قرأ فصل من هاملت قبل أن يهجع لفراشه و ينام .

في صباح اليوم التالي أمضى حمدان المغربي خمسين دقيقة جالسا ً في الشرفة . ابتسم وهو يستذكر مفعول كلمة نادر. على كل حال ، بعدها اكتفى بالنظر ، والتلذذ بصورتها وبتقوس حاجبيها المرسومين بعناية . تلألأت عيناه بالدهشة حال رؤيته تلك الشامة المستقرة بعناد على الجهة اليمنى من شفتيها .
غمغم ضاحكا ً : ما حاجتك يا حمدان الى هذا الفخ ما دام عندك بقرة؟.
حاول ان يحتفظ بتوازنه ممعنا ً في خواطره .وحين أعد قهوته أردف متسائلا ً : ماذا يتوجب علي فعله ؟
بعد القيلولة مباشرة ً ، وبينما هو يتأمل رف من النوارس تذكرما قرأه ليلة أمس في برج الثور : تبادر الى إتخاذ خطوات مهمة لم تجرؤ على إتخاذها من قبل .
حينها فقط أحس إن آلاف المبررات بدأت تفعل فعلها ، وانه في الأيام القادمة سيصرح لها لماذا يحس أن الدنيا أكثر صدقا ً في عيون بائعة البسبوسة .

بعد مرور يومين ، استحوذت صورتها على مخيلته تماما ً ، وأزداد انبهارا ًوكأنه يذوب في الحب لأول مرة ، هذه المفاجأة جعلته يؤمن ويردد طوال ذلك اليوم عبارة شكسبير ( أكون أو لا أكون) .
بذل جهدا ًاستثنائيا ًوهو يحاول كتابة مشاعره ، وتأويل تلك اللهفة التي داهمته، وكان هذا التطهير الذاتي يعطيه إحساسا ً بالقوة والإيمان كامرأة يفاجؤها المخاض ، في نهاية المطاف ، كركر ضاحكا ً ثم أردف لعرائسه : هل تفهمون ، ماذا يعني أن نُخترق بالغرام دون سابق إنذار !
تشبث حمدان المغربي بخيط الأمل ، لكنه شعر بعد السابعة مساء ً ان قلبه يُعصر أكثر وأكثر ، حينها تحولت المتعة الى اضطراب ، رثى حاله حينما أستلم منها ذلك المسج ، الذي جعله يتناول قليلا ًمن العسل ومزجه بالحشيشة ووضعه تحت لسانه لكي لا يصاب بوعكة روحية ، وظلت عبارتها تخدش عينيه : بعيداً ..خارج سياج الفيسبوك لفترة .. اتركك بخير يا حمدان .

حاول في اليوم التالي التملص من نظراتها ، أنسل هاربا ً لرؤية البحر واللقاء بصديقه اليهودي المولع بحياكة السجاد ، هنالك استراح عند المدافع الصدئة ، فكر مطولا ًبما ينتظره ، مصمما ً أن لا يأبه او يكترث بنيران الفيسبوك التي يفسدها أي خلل طاريء . كان البحر مكفهرا ً . في ذلك المساء عاد قلقا ً مغمورا ً بالخزي وكأنه يسمع عرائسه تصرخ بوجه : يحسن بك ان لا تكون متطفلا ً .
عبثا ً ، لم يجد من حيلة ، هرع كالمسحور الى الفيسبوك عسى أن يجد منها اي إشارة ، هي لا تعرف ان حالته تزداد سوءا ً وإنه بحاجة ماسه إلى ذلك المخدر من الشفقة ، وهو كذلك لم يعد يعرف كيف ان بروده العاطفي تأجج ليسقط في براثن إغواء الفيسبوك .
لكن ومرة ً أخرى ، وبدلا ًمن أن يمتثل لنصائح عرائسه ، أصغى إلى مشاعره الثملة ، مفكرا ً بكل التفاصيل المغرية التي صارت تثير اهتمامه . عاد يتلصص على صفحتها ، تفاجأ بنشرها صورة ً لملاك جريح ، وقرأ عبارتها وأحس بالفرح : ( لا نبالي بشيء ، ما دمنا نؤمن بفلسفة الأمل ) .
كانت نشوته مصحوبة ً بمتعة حسية تكبر وتكبر ، مثل بالون لا يستطيع أن يتنبأ له ما إذا كان سينفجر او سيحلق صاعدا ً فوق البحر .بعد ساعتين ، أستغرب كيف تكون تلك الترهات التي اندلقت عليه ، تهدده وتحيله إلى كائن مسلوب الإرادة ، تملكه الخوف حين لم يعد قادرا ًعلى الثرثرة مع عرائسه التي لم تتفوه بأي كلمة لمواساته .
بحلول منتصف الليل وقبل ان يفقد الرضا ، وقف معززا ً مغامرته بقناعات جديدة ، رأت العرائس عينيه الضاحكتين وهو يتحدث بانشراح عن الفرص الطيبة التي بفسادها تضمحل العواطف وتتلاشى .
وبينما هو يتجه إلى الخزانة التي ملأت باللوازم الضرورية لصناعة الدمى ، قفز إلى ذهنه ذلك التساؤل : هل أنت متأكد من مشاعرك حقا ً ؟.
لم يبال ِ كثيرا ً بذلك السؤال الذي صار يشبه الرمال المتحركة ، بدأت أنامله تضطرب ، شعر لأول مرة بالفخر ، تأجج حماسه ولم يتمن َ حينها سوى أن يحالف الحظ تخيلاته ، ها هو يحاول أن يخلق من صورتها عروسا ً تمكنه من أن يتجاذب أطراف الحديث معها ، أنفرط الزمن وانطلق يبحث عن ما وراء الشكل ، بعد ثلاث ساعات شعر بالإنهاك المقرون بالسعادة ، نعم ، أنه أنجز دميتها وكما يجب ، هذا الانتصار مكنه أخيرا ًمن أن يتخيلها للمرة الأولى كملكة تحضر في ورشته دون أن يساورها الإرباك أو الريبة .
في اليوم الخامس استيقظ بعد العاشرة صباحا ً، يا له من نهار ، بدأه بتسريح شعر آخر دميه له . كما هو مألوف وما يعرفه حمدان جيدا ً ، بعد كل ولادة ينتابه إحساس بالقنوط ، وحين عاد يتأمل ما بين يديه ، أحس إنها كعروس يوم الزفاف ، فجأة ً، لم يصدق ما رأى ، لَحَظَها قد أومأت له برأسها فطار من الفرح وأحس على أثرها ببشارة خير .
رغم إنه لم يتمكن من التحقق من صحة هذه الإيماءة ، لكنها جعلته ينسى أحزانه ويتذكر أن (حياة الخوري ) إخترقت حياته عنوة ً و منذ خمسة أيام فقط ، قبل هذا التأريخ كان لا يبالي بمداهمة الافكار الغريبة التي تأتي وتضمحل وتتلاشى .
بات مقتنعا ً بضرورة التريث ولجم مشاعره ، مصمما ً التوقف عن مكاتبتها ، فهو لا يريد لها أن تعرف انه يتمرغ كطفل في وحول العاطفة ، نعم ، قرر أن يتراجع خطوة الى الوراء معتقدا ًإن ذلك سيساعده على الإمساك بزمام الموقف ، الذي لم يعد نزهة كما ظن سابقا ً .

وجاء اليوم السادس ، بعد ان تحرر من إغراءات اللعبة ، وبعد ان طرد كل الأفكار معتقدا ُ ان الحب يتحول الى فخ ومغالطة إذا لم تصدر تلك الاشارات السرية من كلا الطرفين . توج ذلك النهار بالذهاب الى البحر ، كان مأخوذا ً بدافع غريب هو رؤية النوارس وهي تتغازل قرب القوارب او على الصخور .
الامواج المتكسرة بتناغمها حررت ذهنه بعض الشيء . لكن وبينما هو يجمع القواقع الخضراء قال : إذا كنت نادرا ً حقا ً ، ستحضر ولا تتركني وحيدا ً كحمار سيدي عباس .
هذه الكلمات جعلته يهرع الى بيته قبل هطول المطر ، رأى ثلاثة مومسات يتجولن على طول الطريق الضيق المؤدي الى بيته .
حينها وجد بتلك المصادفة مصدرا ً للراحة المسلية ، تساءل : هل إن حياة الخوري أكثرمنهن طهرا ً ؟، أهي حقا ًتحبني ؟.
نعم، انه كان يتوقع ذلك الامر ، حدسه يؤكد له أنها ستحضر هذا المساء .
أنتظر ، بعد العشاء توجه الى الحاسوب متذكرا ً المومسات اللواتي حسدهن لأنهن لا يعرفن شيئا ً عن الفيسبوك ، حدق في صورة حياة بعد أن اغلق الباب ، مال إلى الوراء بكرسيه الدوار ، كانت حلقات التبغ الممزوج بالحشيشة تكبر وتضيق حين لاحظ مندهشا ًتلك العبارة التي أمدته بقليل من التفاؤل : ( أعترف لك يا حمدان ،إننا بحاجة لك ، آه ، والله عرائسك لا تحتاج الى برهان ، إنها البرهان ) .
تذوق طعم الكلمات بفضول ، أشرق وجهه وهو يعيد قراءة العبارة مرارا ً وتكرارا ً ، فكر أن يكتب لها عبارة : حين نحلم لا نخسر شيئا ً .
لكنه ظل شاردا ً ، بعد نصف ساعة وصلت عبارتها البالغة الأهمية : موعدنا غدا ّ تمام السادسة مساء ً .
أكتظ قلبه بالهواجس وحفرت عبارتها الأخيرة في ذهنه أثرا ً لا ينسى . في هذه الليلة كان أكثر صفاء ً وهياما ً ، وتحدث مع العروس بانشراح ، لاحظ ان روحه تفيض كلاما ً يدعو الى الاستغراب ، صار أخيرا ً يعرف ما يتوجب قوله ، نام
وقلبه يبتهج بالأمل ، إلا انه حَلمَ بأمه التي همست له : سيكون لك ما تريد.

كان مسرورا ًفي النهار السابع ، تطلع الى الساعة وقال : يا له من وقت طويل . قام قبل الموعد بقليل ، علق الدمى على الجدران ، اللواتي صرن يرقبن ما سيحدث وكأنهن أيضا ً قد أصبن بعدوى الفيسبوك ، داهم الجميع الاضطراب وهم يصوبون نظراتهم الى تلك العلامة الخضراء ، ها هي تعلن حضورها ، رغم تأخرها نصف ساعة ، ً لكنها لم تخيب أمله .
كان الحظ معه ، وعلى الفور بادرت بإرسال أولى الكلمات :
ـ أستميحك العذر أيها الطيب حمدان .
لم يقل لها كيف قضت نهارها ، أو ما تعاني هذه ألايام ، بعجالة رد :
ـ لا تكترثي، أود ان أسرك يا حياة بأمر هام .
ـ حدثني قبل كل شيء عن العرائس .
ـ إنها متعطشة لرؤيتك .
ـ العطش يؤدي الى الشقاء يا حمدان ههههه.
لم يكن أمامه سوى ان يباغتها ساخرا ً : ليس من الإنصاف أن نشقى .
في هذه اللحظة احس إن العرائس تخترق الصمت وتناديه بلهجة ناصحة :آه ، من ما يجري ، لا تغامر دون بوصلة .
أرتشف قليلا ً من البيرة وهو يواصل الثرثرة معها بتحفظ وريبة ، أخيرا ً تثاءب ضجرا ً حين إستلم منها عبارتها الحاذقة : الشقاء من ذواتنا يا طيب القلب .
لم يتوقع إن الفضول الذي بدأ بصورة فوتوغرافية يتحول الى رهبة بحاجة إلى مفاوضات سرية كي يبقى كل شيء على حاله ، تملكته رغبة ان يقول لها ما يجيش في صدره ، لكنه مكث يدخن بغليونه قبل أن يكتب كلمة اليتيمة : أنقذيني .
فكان ردها سريعا ً ، مستمتعة ًبإثارته : ماذا ؟ هل أنت غريق ؟ههههه .
ـ أنا سعيد باللقاء بك يا حياة ، اريد أن أقول لك مسألة هامة .
أدرك حمدان إن التمادي في الكشف عن مشاعره سيكلفه ثمنا ً باهضا ً ، فليس من الائق إجهاض للقاء ألاول ببوح ساذج يؤدي الى النفور .
وقبل أن يستلم تساؤلها ، ألتفت إلى عرائسه حائرا ً : أتعتقدون إنها ستهرب بسبب .. إني أريد كل شيء ودفعة واحدة ، حقا ً ، الأمر يحتاج الى كثير من الصبر .
لكن حياة ردت بذلك السؤال الذي إستفزه :
ـ ماذا تبغي مني يا حمدان ؟
كان الجواب على هذا التساؤل محرجا ً ، لكنه فضل الحياد مستأنفا ً الرد : آه ، إعتقدت إن قلبك يحمل جواب ما .
بين الفينة والفينة كانت كلماتها تعكس نوع من الإشراقات تخفف ما يعتريه من تردد وحرج . بعد نصف ساعة ، لم يعد حمدان يعرف هل يتعجَل ام يتمهل ،أما بالنسبة لها فلم تتخل َ عن مزاحها الذي لم يخلُ من السخرية ، لتكتب له عبارتها التي إخترقت قلبه مثل رصاصة طائشة : حان الأوان أيها الملاك ، هيا بحق الله إعترف هههههه.
تلعثم حمدان ، التفت موجها ً كلامه إلى العرائس ، بوجل وبصوت ساخر همس : ـ أتعلمون إن المبارزة قد بدأت ، وإن هاملت في خطر؟ .
هنا شرع يكتب لها عن تأثير صورتها عليه ، وكيف تعرض للإغراء ، كان يعالج الملل بوضع الحشيشة بين أسنانه كي يتمكن من مجارات صراحتها التي لم يألفها ،لكنها لم تتردد ، مضت نحو هدفها ، تهيل علية الكلمات التي أصابته بخدرالإرباك :
ـ هذا أمر خطير ، لكني بصدق لا احب سوى عرائسك ، ههههههه .
كانت عيناه جامدتين وكإنه يسمع ضحكاتها التي أفسدت ما تبقى له من حلم ، مفعول تلك العبارة بدلت سحنته ، ارتجفت شفتاه ، بيد أنه اراد أن يحافظ على توازنه ولطافة روحه ، حينها فقط تعززت قناعته ، واصل الحديث مع العرائس : ـ إذن من الممكن أن نحب المخلوقات ولا نحب الخالق .
إنتظر دقيقة ، ثم أخرى ، وحين لم يستلم منها أي شيء ، قرر كأي مراهق عنيد أن يمضي بمهمته الغامضة حتى النهاية .وواصل الكتابة بتأن ٍ : ماذا يعني ، هل قررت أن تتركيني أنتظر ؟، ام تودين قتلي بالتقسيط هههههه !
لكنها سرعان ما ارسلت تلك العبارة ، محاولة ً إصلاح الخلل : كم انت نبيل يا حمدان ، لكن هل جريمة ما فعلت ؟
إنها منحته عدة فرص كي يفهم بالضبط مشاعرها ، فجأة ً ، وكي لا تزيد في تعذيبه ، أكتفت باعادة سؤالها السابق لمجرد كسب الوقت : هل يزعجك ، أن أحب فقط عرائسك الأنيقات ههههههههه ؟
أراد أن يسترسل في مراسلتها ، لكنه شعر بالملل ، مدركا ً أنه لم تعد لديه الرغبة بالحاق بها . رغم ذلك ، بدا له إن بعض عباراتها توحي بنوع من الاهتمام .
غير إن هذا الهاجس لم يدم طويلا ً . أحس للمرة الأولى أنه كمن يقف على حافة الهاوية جزعا ً ينتظر الفرج . تأمل مطولا ًدميتها التي خلقها بجهد مضني .
أندهش وهو يرى صورتها على شاشة الحاسوب قد بدأت تفقد بريقها اللذيذ .
سألته وكأنها أحست بعدم قدرته على الكتابة : لماذا لا تجيب أيها المغربي الجميل؟
الإحباط والإحساس بالخيبة دفعت بحمدان أن يعاقب دميتها ذات العينين الواسعتين كالقار . وفي اللحظة التي قام و نتف شعرها و فقأ عيناها و مزق ثيابها ، ورماها في النار.
إستلم منها مسج تسأله :
ـ سنلتقي مرة أخرى أيها المبجل ، أليس كذلك ؟
لم يعد يبد أي إهتمام بما تكتبه ، شعر أخيرا ً إن الخيبة امتزجت بالزهو ،والكآبة بالإنتصار، والخطيئة، بالإغراء ، والغثيان بالخداع .
قرأت عيناه آخر مسج لحياة الخوري :
ـ زوجي سيرجع بعد قليل ، إني آسفه ، طابت ليلتك يا عزيزي .
أراد أن يجيبها ، بأن زوجته هي الآخرى ستعود من سفرها نهاية الأسبوع . وإنها خرقاء وسوف لا تغفر له حماقاته الصبيانية .
وقبل أن يطفأ الحاسوب تلاشى كل شيء ، على إثر محو أسمها من قائمة الأصدقاء والى الأبد .
ليحشو حمدان ، الذي أحب بائعة البسبوسة ، فمه بالحشيشة ، مصغيا ً بخجل لذلك الصوت الغريب الغامض للعرائس ، الصوت الذي أحس انه لم يكف عن ترديد : يا إلهي ّ! هل الحب الافتراضي وهم ؟ .


25 / 7 /2012