فلسفة التأويل عند ريكور وأصولها الهيجلية

أشرف حسن منصور
2012 / 10 / 21

فلسفة التأويل عند ريكور وأصولها الهيجلية
المحتويات:
مقدمـــة
أولاً : الهوية السردية
ثانياً : الهرمنيوطيقا والتحليل النفسى
ثالثاً : تصور ريكور عن الأصول الفلسفية للهرمنيوطيقا
خاتمـــة

مقدمـــة :
الهرمنيوطيقا Hermeneutics أو فلسفة التأويل هى اسم المذهب الذى يضم شلايرماخر ودلتاى وجادامر وريكور. بدأ هذا المذهب على يد الفيلسوف الألمانى شلايرماخر وكان يقصد به التأويل الفلسفى للنصوص الدينية باعتبارها كاشفة عن عدد ثابت من معانى الحياة الإنسانية وغاياتها، وتطور المذهب على يد دلتاى خارج مجال النصوص الدينية حتى شمل النصوص الأدبية والتاريخية باعتبارها كاشفة عن فهم الذات للتاريخ ووضعها فيه. واستمر جادامر فى اتجاه دلتاى وضم إلى مجال البحث الهرمنيوطيقى الأعمال الفنية والأدبية باعتبارها ممثلة لروح عصرها وكاشفة عن الأفق التاريخى الذى يحتويها.
وشهدت الهرمنيوطيقا على يد بول ريكور Paul Ricoeur تغيرات كبيرة، ذلك لأنه أرجعها إلى مهمتها الأصلية وهى تأويل النصوص الدينية، فوضع تفسيرات لكثير من أسفار العهد القديم باعتبارها محاولة لمواجهة قوى الشر وذلك عن طريق سرد القصص الدينى كصراع مع قوى الشر. كما اكتشف أن أهم ما يميز الهرمنيوطيقا بحثها عن الهوية، وما يميز نوع الهوية الذى تبحث فيه الهرمنيوطيقا أنها ذات بعد زمانى وتاريخى قوى، أى أنها هوية ذات طابع سردى تولد وتتطور وتنضج مثل الشخصيات الروائية تماماً. كذلك حاول ريكور إعادة صلة الهرمنيوطيقا بالفلسفة بربطها بفينومينولوجيا هوسرل، واعتقد أن فينومينولوجيا هوسرل هى أساسها الفلسفى بحجة أنها تخصصت فى بحث قضية الوعى وموضوع القصدية وأعادت للذاتية مكانها فى الفلسفة المعاصرة. لكن ريكور مخطئ فى ذلك، لأن الأساس الفلسفى للهرمنيوطيقا ليس سوى فينومينولوجيا هيجل، إذ تكشف عن بناء لهوية سردية، وهذا هو نفس هدف الهرمنيوطيقا عند ريكور، وهذا هو ما نحاول توضيحه فى هذا الفصل.
كما انشغل ريكور بالتحدى الذى يشكله علم النفس الفرويدى لفلسفته فى الهوية السردية ولكل التراث الفلسفى الذى يعتمد عليه والمتمثل أساساً فى المذاهب العقلية والمثالية بما فيها فلسفتى هيجل وهوسرل.
رأينا فى البابين الأول والثانى كيف تعاملت الفلسفة الحديثة مع موضوع الوعى والأنا والذات والخبرة، وتعرفنا على نظريات المثالية الألمانية وهيجل وهوسرل فى هذه الموضوعات. لكن ماذا لو أن هذا الوعى الذى نسجت حوله هذه الفلسفات اتضح أنه مجرد سطح خارجى لنوع آخر من الوعى يكمن تحته ويتحكم فيه بطريقة غير مباشرة وهو اللاوعى ؟ ماذا لو أن هذه الأنا التى التفت حولها أفكار المثالية الألمانية والفينومينولوجيا كانت مرتبة وسطى بين شيئين، الهو والأنا الأعلى ؟ ماذا لو اتضح أن الأنا ليست قائمة بذاتها بل معها الهو والأنا الأعلى ؟ أى نوعين آخرين من الأنا ينافسانها ويسيطران عليها فى أحيان كثيرة ؟ ماذا لو اتضح أن العقلانية التى تحدث عنها الفلاسفة كثيراً عبارة عن مبدأ الواقع الذى يقف أمامه مبدأ اللذة ؟ أى مبدأ آخر لا عقلانى يسيطر على الحياة الإنسانية وتأثيره أكبر وأعمق من مبدأ الواقع العقلانى ؟ ماذا لو اتضح أن للاعقلانية منطقاً خاصاً بها، منطقاً عقلانياً فى حد ذاته ؟ سوف نكتشف بالطبع أننا إزاء ضرورة ملحة للقيام بمراجعة شاملة وجذرية لفلسفات الأنا وفلسفات الوعى بناء على اكتشافات التحليل النفسى الفرويدى. سوف نرى أن فلسفات الأنا تواجهها التحليلات الفرويدية للهو والأنا الأعلى، وأن فلسفات الوعى تواجهها بالمثل التحليلات الفرويدية للاوعى. وريكور هو الذى أخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة: المقارنة بين فلسفة هيجل وفلسفة هوسرل من جهة والتحليل النفسى الفرويدى من جهة أخرى( 1).
أولاً - الهوية السردية :
تنبنى هرمنيوطيقا ريكور حول الهوية السردية على أنطولوجيا هايدجر، ذلك لأنه إذا كان وجود الدازاين وجود زمانى، فإن هوية هذا الدازاين نفسه سوف تأخذ الطابع والشكل الزمانى، أى سوف تكون هوية سردية، وسوف يفهم الدازاين نفسه بأسلوب زمانى، أى بأسلوب سردى. هكذا فهم معظم الدارسين علاقة ريكور بهايدجر، إذ أن ريكور نفسه قد أشار إلى مثل هذا الرابط بينه وبين هايدجر( 2). لكننا نلاحظ أن الرابط مع هيجل أقوى وأشد، ففينومينولوجيا هيجل تقدم لنا مثلاً على سردية تحكى قصة الوعى وترقيه الجدلى ووصوله إلى الوعى بذاته، أى إلى هويته، وبذلك تكون هوية الروح المطلق عند هيجل هوية سردية يحكى هيجل قصتها. والأكثر من ذلك أن هيجل يدرك أن قصة هذه الروح ليست بسيطة أو خطية بل هى رحلة جدلية ملحمية، لقد استطاع هيجل إدخال الجدل فى صميم السرد الفلسفى لوصول الروح إلى ذاتها. قصة الروح فى فينومينولوجيا هيجل هى قصة جدلية والطريق التى تقطعها هذه الروح هو طريق للقنوط أو اليأس، ونجد هنا صلة أقوى مع الوجودية.
يصر ريكور على أن الهوية، سواء كانت سردية أو حقيقية، تتأسس على الوحدة والتماثل والدوام، سواء تحققت هذه الأشياء فى الزمان أو بين الناس أو عبر حالات نفسية أو مزاجية مختلفة. إلا أنه لا يلتفت إلى بعد آخر من أبعاد الهوية وهو التوافق أو الوفاق الذى يمكن الذات من استعادة هويتها بعد فقدانها أو اغترابها أو تشيؤها، الوفاق بينها وبين ذاتها وبينها وبين الآخرين.
يشير ريكور فى الحقيقة إلى معيار الدوام فى الزمن باعتباره من معايير الهوية( 3). وهناك شك فى أن يكون هذا المعيار هو المعيار الهيجلى عن الهوية، لكنه ليس كذلك. المعيار الهيجلى للهوية يتضمن الاختلاف والآخرية، يجب أن تكون الذات واحدة فيهما معاً حتى يكون لها هوية. كما أن المعيار الهيجلى أو فلسفة هيجل فى الهوية تتضمن ضرورة ضياع الذات أولاً، أى اغترابها وتشيؤ وعيها وشقاءه ثم عودتها لذاتها مرة أخرى. فالمباشرة الأولى اللامتوسطة
لا تؤسس هوية للذات، إنها هوية بالفعل لكنها هوية بسيطة مباشرة، لكن الهوية الكاملة تفترض الخروج عن الذات أو التخارج الذى هو اغتراب وضياع وتشيؤ ثم عودة إلى الذات مرة أخرى. فلسفة هيجل فى الهوية تحتوى على حبكة روائية ونبذة سردية واضحة. ولذلك ففلسفة هيجل فى الهوية ذات بعد تاريخى واجتماعى واضح لأنه يربطها دائماً بالتاريخ والتطور التاريخى والفعلى وبعصور تاريخية مثل العصر اليونانى ثم العصر الحديث ثم النهضة والتنوير والثورة الفرنسية وعصر الإرهاب، توضح لنا فلسفة هيجل أن الإنسان (الغربى خصوصاً)
لا يمكن أن يفهم هويته أو يحققها إلا فى سياق تاريخى.
يذهب ريكور إلى أن معرفة الذات تأويل، وأن تأويل الذات يجد فى السرد وساطته الأثيرة، وتقوم هذه الوساطة على التاريخ بقدر ما تقوم على الخيال، محولة قصة الحياة إلى قصة خيالية، أو إلى خيال تاريخى( 4) تمكن مقارنته بسير أولئك العظام الذين يتضافر معهم التاريخ والسرد. وريكور هنا يقترب من هيجل فى تمجيده لعظماء التاريخ، فهيجل يذهب إلى أنهم روح العالم يمكن أن تتجسد فى لحظات تاريخية معينة فى أشخاص، قاصداً أنهم يمثلون روح العالم أو روح شعب معين فى التاريخ وفى لحظة ما من حياته، حيث يكون فعلهم هو فعل التاريخ وفعل روح الشعب، وريكور يذهب إلى أنهم يوحدون بين التاريخ والسرد، وبما أن السرد عنده هوية أو تأويل لهوية، فنستطيع القول أنهم فى نظره أيضاً يمثلون هوية تاريخ ما فى لحظة معينة، وهذا هو نفس موقف هيجل.
يتكلم ريكور عن الهوية باعتبارها هوية الفرد ويكتشف ملامحها السردية أو حضورها السردى، لكنه لا ينتقل من ذلك إلى اكتشاف أنواع أخرى غير هوية الفرد، مثل هوية الجماعة مثلاً. هوية الجماعة هى المجال الذى برع فيه هيجل. ما يقوله ريكور عن هوية سردية للفرد يمكننا اكتشاف دلالته عندما نتحدث عن هوية سردية للجماعة، مثل هذه الهوية السردية الجماعية سوف تكون التعبير عن الجماعة باعتبارها روحاً، روح الشعب، وباعتبارها تاريخاً
أو تتحقق فى التاريخ من خلاله، ووعياً بحريتها، أى سوف تكون معالجة هيجلية.
تحتوى فينومينولوجيا هيجل على ملامح هرمنيوطيقية واضحة سوف نحاول إبرازها فيما يلى:
إن ما يرشح فينومينولوجيا هيجل باعتبارها بديلاً لفينومينولوجيا هوسرل لتكون أساساً فلسفياً للهرمنيوطيقا وفلسفة السرد أن الفينومينولوجيا تتحدث عن الوعى والذات والفرد وهى كلها موضوعات متصلة بالرواية وفلسفة السرد، هذا إلى جانب أن الفينومينولوجيا هى وصف لرحلة الوعى وبذلك يكون لها بناء روائى، بالإضافة إلى أنها بالفعل قصة، قصة وعى يبدأ باليقين والإدراك الحسى ثم الفهم ثم العقل والوعى الذاتى، بالإضافة أيضاً إلى احتواءها على مفاهيم مثل الصراع والجدل فى جدل السيد والعبد والاعتراف المتبادل وهى كلها عناصر هامة لفلسفة السرد. وإلى جانب كل ذلك يوجد بها مفهوم المصير. والملاحظ أيضاً أن الفينومينولوجيا مثلما تحتوى على إشارات إلى فلاسفة ومذاهب فلسفية، تحتوى أيضاً على إشارات وإحالات إلى روايات وأعمال أدبية( 5).
من خلال معرفتنا بتطور هيجل الفكرى رأينا أنه كان مهتماً بالأدب اليونانى والتاريخ اليونانى والروح اليونانى بوجه عام، وأنه قرأ جيداً المسرحيات والملاحم اليونانية وكان متحمساً لها كثيراً، وعرفنا أيضاً ارتباط أفكاره الأولى عن الحب والمصير بالروح اليونانى والمسرح اليونانى الذى كان معجباً به، فقد حمل فكر هيجل الشاب تأثراً بالجانب التراجيدى والدرامى فى الحياة الإنسانية( 6). ولا ننسى أنه رسم صورة لحياة المسيح سواء فى مقال حياة المسيح أو فى روح المسيحية أو وضعية الديانة المسيحية ومصيرها، صورة مفعمة بالتراجيديا وأفكار المصير والقدر. وإذا لاحظنا أن فلسفته المثالية وخاصة الفينومينولوجيا قد دمجت بها كل هذه العناصر الأولى، استطعنا القول أن الفينومينولوجيا هى التعبير الفلسفى المذهبى عن هذه الأفكار، إن الفينومينولوجيا تراجيديا فلسفية، تضم ملامح التراجيديا الإنسانية وعناصر التجربة الإنسانية فى مذهب فلسفى، لاحظ مثلاً ظهور أفكار مثل الاغتراب والاعتراف المتبادل وجدل السيد والعبد فى الفينومينولوجيا. بالإضافة إلى الطابع الدرامى الواضح لجدل السيد والعبد، وكل ذلك فى مذهب فلسفى أو فى مقدمة للمذهب، فى علم للفلسفة. نستطيع من ذلك أن نقول أن الفينومينولوجيا سردية كبرى تضم عناصر سردية كثيرة سابقة عليها من شكسبير وفاوست وآلام فرتر واميل.
الحياة عند هيجل هى حياة الذات التى فقدت ذاتها ثم وجدتها فى آخريتها alterity هذه الحركة فى فلسفة هيجل بين فقدان الذات لذاتها ثم عثورها عليها مرة أخرى خارج ذاتها أو فى آخريتها هى حركة درامية بالدرجة الأولى، ملحمية أيضاً، إنها الأوديسة الحديثة لأوروبا الغربية. وكل هذه الملامح روائية لدى هيجل( 7).
بالإضافة إلى الموضوعات الروائية الكثيرة التى ضمها هيجل فى مذهبه، هناك أيضاً موضوع الكوميديا الذى يحلله تحليلاً فلسفياً عميقاً فى الفينومينولوجيا وفى مقاله عن القانون الطبيعى. يقول هيجل عن الكوميديا أنها حلت محل الوعى الدرامى باعتبارها شكلاً فنياً. تتمثل دلالة الكوميديا فى أنها مرتبطة بالشك والوعى الشاك. الكوميديا هى تعبير عن موقف الوعى الشاك إزاء ما يقبله مباشرة على أنه حقيقة واقعة، إزاء يقينيات الحس المشترك، ونستطيع أن نقول مع هايدجر إزاء الطابع اليومى للحياة everydayness والوجود الزائف. ” فوعى الكوميديا القديمة هو إعلاء الأنا فوق كل صغائر الوجود “( 8). ما نلاحظه هنا ترتيباً فينومينولوجياً لأشكال مختلفة من الوعى الفنى، فهذا الوعى الكوميدى سبقه وعى درامى ويتبعه أنواع أخرى من أنواع الوعى الفنى، وكل ذلك يشكل فينومينولوجيا فرعية أو كامنة Sub or latent phenomenology لأشكال الوعى الفنى، وذلك بجانب الفينومينولوجيا الرئيسية، إنها هرمنيوطيقا بحق. هذا التحليل الفينومينولوجى لضروب الوعى الفنى فى الفينومينولوجيا يختلف أشد الاختلاف عن فلسفة هيجل فى الفن فى محاضراته اللاحقة. إن الاقتصار على فلسفة الفن والجمال عند هيجل كما تظهر فى محاضراته فى الاستطيقا لن يجعلنا ندرك الدلالات التى يمكن استخراجها من الفينومينولوجيا. كما أن الاقتصار على الجزء المتعلق بالفن فى نهاية الفينومينولوجيا نفسها ليس كافياً وهو ابتسار واقتطاع من السياق. كل ذلك نتيجة لتعقد وعمق الفينومينولوجيا. الصورة الرسمية لفلسفة هيجل فى الفن مستمدة من المحاضرات والموسوعة والجزء المتعلق بالفن فى آخر الفينومينولوجيا، أى من المعالجة المذهبية للفن فى نسق هيجل باعتباره جزءاً من النسق. أما التحليل الفينومينولوجى لأشكال الوعى الفنى كما شرحنا فى بداية هذه الفقرة فشئ مختلف تماماً.
بالإضافة إلى الملامح الروائية العديدة فى الفينومينولوجيا هناك ملمح أساسى آخر وهو الوفاق والانسجام الذى تسعى إليه فى النهاية والذى يعبر عنه هيجل بمصطلح المطلق. وفضلاً عن الفينومينولوجيا فإن فلسفة هيجل كلها بما فيها المنطق تسعى لهذا الوفاق. وينظر هيجل لهذا الوفاق على أنه كل عضوى يشكل فيه الأفراد الأعضاء لا الذوات، ” وكما يدعم الكل كل جزء فيه ويثريه، فإن كل جزء يعمل على تدعيم الكل “( 9). هذا التشبيه مأخوذ عن التصور الرومانتيكى للطبيعة، أى من حركة أدبية طبقت بالفعل هذا التصور على أعمالها الأدبية. وإلى هذه الدرجة يرتبط هيجل والفينومينولوجيا بوجه خاص بحركة أدبية وهى الرومانتيكية.
ويمكننا الاستعانة بنظرية ليوتار فى السرديات الكبرى لمعرفة الطابع السردى لفينومينولوجيا هيجل. يتناول ليوتار شكلين من النماذج السردية المضفية للشرعية: الشكل الفرنسى والشكل الألمانى، أو الشكل التحررى والشكل التأملى. ويذهب ليوتار إلى أن فلسفة هيجل كانت إحدى صيغ الشكل التأملى. ” والفلسفة يجب أن تعيد الوحدة إلى المعارف، التى تناثرت فى علوم منفصلة فى المعامل وفى التعليم قبل الجامعى، ولا يمكنها تحقيق ذلك إلا فى لعبة لغة تربط العلوم معاً بوصفها لحظات فى تطور الروح، أى أنها بعبارة أخرى تربطها معاً فى حكاية عقلانية، أو ميتاحكاية وتحلل موسوعة هيجل (1817 - 1827) تحقيق مشروع إضفاء الكلية هذا، الذى كان موجوداً لدى فخته وشلنج فى شكل فكرة النظام “( 10). ليوتار إذن يصف فلسفة هيجل لا على أنها حكاية فقط بل على أنها ميتاحكاية، مؤسسة وشركة لكل الحكايات الأخرى. يعد هذا أيضاً تأكيداً على الطابع التعليمى البيداجوجى لفلسفة هيجل والفينومينولوجيا بوجه خاص. ويستمر ليوتار ويقول
” فقد لجأت المثالية الألمانية إلى ميتا - مبدأ يضع فى وقت واحد أساس تطور التعلم، والمجتمع، والدولة فى تحقيق ” حياة الذات “ التى سماها فخته الحياة المقومة وسماها هيجل حياة الروح. من خلال هذا المنظور، تجد المعرفة مشروعيتها داخل ذاتها أولاً إذ هى المؤهلة لقول ما هى الدولة وما هو المجتمع. لكنها لا يمكن أن تلعب هذا الدور إلا بتغيير المستويات، بالكف عن أن تكون مجرد المعرفة الوضعية بمرجعها (الطبيعة، المجتمع، الدولة، إلى آخره)، لتصبح إضافة إلى ذلك معرفة معرفة المرجع أى بأن تصبح تأملية. والحياة والروح هو أسماء تسمى بها المعرفة نفسها “( 11). تفسير بيداجوجى للمثالية الألمانية ينطبق أكثر على مثالية ما بعد كانط، فخته وشلنج وهيجل. لهذا السبب إذن كان هيجل يتحدث عن التأمل والانعكاس على الذات والوعى الذاتى، إنه يؤسس المعرفة وبقية العلوم. إنه مدخل بينى من نوع خاص. المثالية الألمانية إذن كانت مشروعاً بينياً، لا يقع بالطبع بين العلوم بل فوقها، إنه مشروع توحيدى تأصيلى.
والملاحظ أن ليوتار يطلق على فلسفات التاريخ والمثالية الألمانية والتقليد الجامعى الألمانى اسم السرديات الكبرى Grand narrative بما فيها فلسفة هيجل وخاصة الفينومينولوجيا. الفينومينولوجيا إذن باعتراف ليوتار هى من معالم هذه السرديات الكبرى ومن تعبيراتها الفلسفية. الطابع السردى إذن واضح فيها، بل هى من أسس السرديات الكبرى. الفينومينولوجيا الهيجلية إذن هى أصل الهرمينوطيقا لا فلسفة هوسرل.
ليست الفينومينولوجيا مرتبطة بالطابع السردى ولا تشكل أساساً لفلسفة فى السرد ونظرية فى الرواية لمجرد مشابهة بناءها للرواية ولطابعها السردى الواضح، بل لأنها أدخلت كل هذه العناصر فى سياق فلسفة خاصة وحلت بها إشكاليات ومعضلات فلسفية سابقة عليها. لا ننسى أن الفينومينولوجيا تنتمى لنموذج فلسفة الذات، والذى كان محل انتقادات عديدة إلا أن هذا النموذج نفسه هو ما يربط الفينومينولوجيا بالسرد.
تتبع الفينومينولوجيا الهيجلية أسلوباً سردياً باعتباره أسلوباً فلسفياً، وليس السرد هنا هو السرد الروائى المعروف، بل السرد بمعنى الوصف وتتبع المراحل والتغيرات، أو الحكى بوجه عام وليس المحاجة. وهيجل نفسه يشير إلى ذلك، فهو يذهب إلى أنه يقوم بوظيفة المراقب لحركة الوعى والواصف لها، والمراقبة والوصف هو ما يجعل أسلوب هيجل فى الفينومينولوجيا سردياً( 12). لاحظ مثلاً قوله أنه لا يتدخل فى عملية الوصف هذه، ولا يتدخل فى حركة الوعى الجدلية بل يترك هذه الحركة تكشف عن نفسها وتصف نفسها بنفسها، وهذا يعنى أمرين. الأول أنه يتخذ صفة الراوى، والثانى أن تحليله الفينومينولوجى هو على شاكلة فينومينولوجيا هوسرل التى لا تتدخل كذلك فى حركة الوعى بل تصفه فقط، وتصف ظهور الظاهرة فى الوعى وبناء الوعى لموضوعه، مع الفوارق الكثيرة بين هيجل وهوسرل بالطبع.
فى المؤلفات اللاهوتية الأولى يقدم هيجل تعريفاً للفردية إذا نظرنا إليه على أنه تعريف للهوية الفردية وجدنا أنه يصلح للمقارنة مع ريكور ومفهومه عن الهوية. يقول هيجل ” إن مفهوم الفردية يضم مواجهة مع متنوع لا متناهى (الوعى) وارتباط مع نفس هذا المتنوع فى ذاته (الوعى الذاتى) (المواجهة مع المتنوع إذن هى وعى، والارتباط معه فى ذاته هو الوعى الذاتى)، إن الشخص هو حياة فردية طالما كان شيئاً مختلفاً عن كل العناصر الأخرى، وعن لا متناهى الحيوات الفردية خارج نفسه، وهو حياة فردية طالما كان واحداً مع كل العناصر “( 13). الهوية إذن اختلاف ووحدة فى نفس الوقت، اختلاف عن كل العناصر الأخرى ووحدة معها أو بالأصح عبرها ومن خلالها. الهوية لا تتضح إلا إذا وضعت تحت الاختبار أى إذا أثبتت وحدتها أمام التنوع والآخر. إذا لم تخرج الذات عن نفسها وتحيا بين العناصر وتثبت وحدتها وهويتها عبر هذه العناصر وأنها لم تفقد ذاتها لهذه العناصر ووسطها فلن تكون حاصلة على هوية. هذا المفهوم فى الهوية غير موجود لدى ريكور، وهذا دليل على أن فلسفة هيجل أصلح لتأسيس هوية سردية من فينومينولوجيا هوسرل أو وجودية هايدجر.
والتطابق مذهل بين هيجل وريكور وخاصة فى قول ريكور عن أحد معايير الهوية:
” الاستمرار غير المنقطع فى تطور كائن ما من أول مرحلة إلى آخر مرحلة فى نموه. هكذا يمكن القول عن شجرة بلوط أنها الشئ نفسه منذ أن كانت بذرة حتى صارت شجرة فى ريعان نضرتها “( 14). لاحظ أن هيجل يستخدم نفس هذا التشبيه، لكن بالطبع فى سياق مختلف، سياق الوجود بالقوة والوجود بالفعل والتحقق الفعلى وما هو فى ذاته وما هو لذاته ... إلخ. لكن هناك اختلاف آخر كبير بينهما فى موضوع الهوية. فالفينومينولوجيا توضح لنا أن الهوية يمكن أن تتغير وتختلف من مرحلة إلى أخرى فى مراحل تطور الوعى. والأكثر من ذلك أن مفهوم هيجل عن الهوية أعمق من مفهوم ريكور الذى يحدد الهوية على أنها مطابقة Sameness. فهيجل يذهب إلى أن الهوية هى مساواة الذات فى الآخرية، أى المطابقة فى الاختلاف، أو بقاء الذات واحدة وبهوية واحدة وثابتة عبر الاختلافات والتمزقات والانقسامات، لاحظ كذلك أن هيجل يحدد الهوية على أنها عودة الذات إلى ذاتها بعد اغترابها، ونجاحها فى إعادة التوافق بعد حالة من الانقسام. كل هذه معايير جديدة وعميقة للهوية: مساواة الذات فى الآخرية، وحدتها فى الاختلافات، عودتها إلى ذاتها بعد اغترابها، توافقها بعد انقسامها. وكل هذا ليس غائب عن تحليلات ريكور.
اتصال هيجل مع البدايات الأولى للهرمنيوطيقا عند شلايرماخر :
ارتبط هيجل بالهرمنيوطيقا وتأويل النصوص الدينية عن طريق دراسته فى المعهد اللاهوتى فى توبنجن، فلا ننسى أن والده أدخله هذا المعهد ليصبح قسيساً، فتربية هيجل الأولى كانت تعليماً دينياً. ويحدثنا ديكى عن الإصلاح التعليمى فى فورتمبرج القديمة فى النصف الأول من القرن الثامن عشر ويقول أن التعليم اللاهوتى أصبح يتم لا من خلال الصيغ العقائدية والأرثوذكسية الثابتة والجامدة بل من خلال امتلاك المنهج الفيلولوجى - التاريخى فى التأويل( 15)، ونستطيع أن نقول أن هيجل تلقى تعليمه اللاهوتى بهذا المنهج، وتربى على امتلاك واستخدام هذا المنهج. هذه هى إذن علاقة هيجل المباشرة بالهرمنيوطيقا فى صيغتها أو شكلها الأول باعتبارها تأويلاً للنصوص الدينية.
كما أن هيجل قد تناول فلسفة شلايرماخر فى الدين فى محاضراته فى فلسفة الدين. ولهذا دلالة خطيرة بالنسبة لموضوعنا، ذلك لأنه احتكاك مباشر بين هيجل وشلايرماخر أحد مؤسسى الهرمنيوطيقا. ما الذى قاله هيجل عن منهج شلايرماخر وهرمنيوطيقاه ؟ الحقيقة أن فلسفته فى الدين هى الإجابة، لأنها تعد رداً من هيجل على شلايرماخر، أو البديل الذى يضعه هيجل لفلسفة شلايرماخر فى الدين، أو تطبيق مذهب هيجل على الدين. إذا أردنا تناول العلاقة بين فلسفة هيجل والهرمنيوطيقا فيجب علينا تناول فلسفته فى الدين. فلا ننسى أن الدين والنص الدينى كانا هما أول مجال تطبق فيه الهرمنيوطيقا. وهذا بالطبع بالإضافة إلى إشارة هيجل لشلايرماخر فى مقدمة مقاله الفرق بين مذهبى فخته وشلنج وحديثه عنه فى محاضراته فى تاريخ الفلسفة.
يذهب هيجل فى مقدمة مقاله ” الفرق بين مذهبى فخته وشلنج “( 16). أن كتاب مثل
” أحاديث فى الدين “ لشلايرماخر لا تهم الفلسفة التأملية وحاجاتها مباشرة، إلا أن مثل هذه الأعمال واستقبال الناس لها، بالإضافة إلى المكانة العالية التى بدأت تلحق بالشعر والفن، تشير إلى الحاجة إلى فلسفة تنقذ الطبيعة مما لحق بها على أيدى مذاهب كانط وفخته، وتعيد التوافق بين العقل والطبيعة. لقد كان هيجل على اتصال مباشر إذن بفلسفة شلايرماخر، إذ كان على علم جيد بالبداية الأولى للهرمنيوطيقا، وأشار إلى أن مثل هذه الأعمال واستقبال الجمهور لها يشير إلى حاجة إلى فلسفة أخرى ... إلخ. فلسفة شلايرماخر إذن لا تلبى هذه الحاجة بل هى تعبر عنها وحسب. هيجل إذن يقدم فلسفته على أنها هى التى تلبى هذه الحاجة التى لم تستطع هرمنيوطيقا شلايرماخر تلبيتها. لاحظ كذلك أن هيجل فى هذه المقدمة يتحدث عن حاجة معينة يشير إليها استقبال الناس لأعمال مثل عمل شلايرماخر وهذه الأعمال نفسها، وهو يعود فى المتن نفسه للحديث عن الحاجة إلى الفلسفة. فلسفة شلايرماخر إذن مجرد تعبير عن الوضع الفكرى الذى يطلب الفلسفة وكتابها، جزء من الحاجة إلى الفلسفة، وهى مع ذلك تكون أحد مظاهر الانقسام والتعارض الموجود على المستوى الفكرى.
وفى ” فينومينولوجيا الروح “ يستعين هيجل بأعمال أدبية مُدخِلاً إياها فى سياق تحليله للرحلة الجدلية للوعى، فعندما يأتى إلى تحليل دولة المدنية اليونانية ويفسر كيفية انهيارها بعد الانسجام والوفاق الذى كانت تعيش فيه يتكلم عن التناقض بين القانون البشرى والقانون الإلهى باعتباره قد تجلى فى قصة أنتيجون ويستخدم كتاب التراجيديا اليونانية مثل إيسخيلوس وسوفوكليس لتوضيح التناقض الذى حدث داخل المدينة اليونانية بين المجال الخاص للأسرة والمجال العام للمدينة الدولة وكيف توزعت ولاءات الفرد بينهما حتى أدى ذلك إلى إنهيار دولة المدينة اليونانية( 17). إن هيجل بذلك يدخل السرديات التراجيدية اليونانية الشهيرة فى تحليله كعلامة على الموقف الذى وصلت إليه الهوية فى العصر اليونانى، ويعد هذا ملمحاً هرمنيوطيقياً واضحاً لديه. هذا بالإضافة إلى استعانته بهاملت لشكسبير وآلام فوتو وفاوست لجوته باعتبارها أيضاً محطات تميز مراحل تطور الهوية الأوروبية، مُدخِلاً سرديات روائية شهيرة فى سياق تحليله الفينومينولوجى مما يجعل فينومينولوجيا الروح كلها سردية كبرى للهوية الأوروبية.
ثانياً - الهرمنيوطيقا والتحليل النفسى :
ينظر ريكور إلى التحليل النفسى الفرويدى على أنه تقنية هرمنيوطيقية أو تفسيرية، أسلوب فى التفسير وتأويل الأحلام، ولا ننسى أن كتاب فرويد الأساسى عنوانه ” تفسير الأحلام “. وانطلاقاً من هذه الوجهة فى النظر يعقد ريكور مقارنات بين التحليل النفسى باعتباره هرمنيوطيقا والفينومينولوجيا الهوسرلية، ويكتشف تشابهات وصلات عديدة فى البداية هادفاً دمج التحليل النفسى بفينومينولوجيا هوسرل لإقامة نظرة هرمنيوطيقية تضم البعد السيكولوجى وتكون قادرة على معالجة اللاوعى، لكنه خلال البحث يكتشف ان فينومينولوجيا أخرى هى الأنسب لتدعيم الهرمنيوطيقا وهى فينومينولوجيا هيجل، ويكتشف تشابهات وأوجه عديدة فى المقارنة تجعل هيجل من الممهدين للتحليل الفرويدى( 18)، بل يكتشف تحليلات شبيهه بالتحليل النفسى الفرويدى فى فينومينولوجيا هيجل وتستخدم مصطلحات شبه سيكولوجية وشبه فرويدية مثل الصراع من أجل الاعتراف، والموت والرغبة والوعى والوعى الذاتى وما هو فى ذاته وما هو لذاته، والصراع بين أخلاق الأسرة وقانون المدينة فى حالة أنتيجون التى هى حالة صراع مبكر فى شكل أسطورى قصصى بين الرجل والمرأة.
يعمل ريكور على الوصل بين فلسفة الانعكاس والتحليل النفسى وفلسفة التأويل، وذلك بأن يذهب إلى أن الأسباب التى تدفع الذات إلى أن تضع ذاتها على الطريقة الديكارتية والفختية هو الرغبة Desire، الذات إما أنها ترغب فى ذاتها أو فى الآخر أو فى الموضوع، وكل هذه الأنواع من الرغبة يصاحبها وضع ذاتى للذات. وبذلك يربط ريكور بين فلسفة التأمل والتحليل النفسى( 19)، فبما أن الدافع لوضع الذات لذاتها هو الرغبة فمن الممكن أن يتداخل التحليل النفسى مع فلسفة التأمل؛ الملاحظ هنا أن موضوع الرغبة هذا سبق وأن أورده هيجل فى الفينومينولوجيا، وبالذات فى الجزء المتعلق بالوعى الذاتى. هيجل إذن ربط الوعى الذاتى بالرغبة حتى قبل أن يربط ريكور بينهما، ومن هنا فإن فينومينولوجيا هيجل مرتبطة بشدة بمشروع ريكور الذى يحاول الربط بين فلسفة التأمل والتحليل النفسى.
هناك ارتباط آخر بين فينومينولوجيا هيجل والتحليل النفسى، وهما أنهما يلجئان معاً إلى الأساطير والمسرحيات اليونانية للعثور على أمثلة أو نماذج أولية للسلوك البشرى، مثل تفسير هيجل لأنتيجون فى الجزء المتعلق بقانون العقل وقانون القلب أو الرجل والمرأة، وفرويد فى عقدة أوديب، كلاهما ينظر إلى أنتيجون وأوديب على أنهما نماذج أولية أو مثالية للسلوك البشرى عبر العصور، أنماط عامة أو أطر تحدد السلوك البشرى، وخاصة فى علاقة الرجل والمرأة، هذه العلاقة ينظر إليها هيجل نظرة اجتماعية روحية إنسانية فى حين ينظر إليها فرويد نظرة نفسية جنسية، وهذا هو الفرق الأساسى، لكن الاتفاق الرئيسى هو حول اللجوء إلى المسرح اليونانى للعثور على نماذج أولية عامة لعلاقة الرجل والمرأة.
يؤكد فرويد ومعه ريكور، على أن اللاوعى هو لا زمانى timeless وبالتالى فإن الهو أيضاً لا يعرف الزمان، وبلك يكتشف فرويد منطقة فى الذات الإنسانية لا تعرف الزمان بجانب الأنا( 20). ذلك الذى أكد هايدجر على طابعه الزمانى بشدة، وكذلك هوسرل فى محاضرات الزمان. ما هى النتائج المترتبة على هذا الاكتشاف ؟ إن الهو يحتاج إلى فينومينولوجيا أخرى غير الفينومينولوجيا الهوسرلية، يحتاج إلى تقنيات التأويل والتفسير، لأن اللاوعى يستخدم العلامات والرموز ويستخدم شفرة معينة تحتاج للتفكيك. ومن هنا يمكن النظر إلى التحليل النفسى الفرويدى على أنه فينومينولوجيا للهو، لا للوعى أو للأنا، فينومينولوجيا للاوعى وللهو، لا للوعى وللأنا. وكثيراً ما يصف فرويد منهجه فى التحليل النفسى بأنه تفسير، مثل تفسير الأحلام، والتفسير قريب من التأويل بالطبع.
يذهب ريكور إلى أن الإنعزال أو الشعائر الثقافية التى أشار إليها بالتشابه مع السلوك الجنائزى تأخذ مكان الجدل الهيجلى بين السيد والعبد، كما أن التماهى والتوحد مع الأب يتيح لنا عقد مقارنة بينه وبين مفهوم هيجل عن الاعتراف( 21). لاحظ هنا أن ريكور يبتعد أكثر عن فينومينولوجيا هوسرل وذلك بإبراز وتعميق الاختلاف بينها وبين التحليل النفسى الفرويدى وفى نفس الوقت يقترب أكثر من فينومينولوجيا هيجل باكتشافه لأوجه تشابه عديدة بين هيجل وفرويد وأولها وجه التشابه السابق.
لقد استطاع هوسرل الصمود أمام نوع من علم النفس وأن يؤسس فلسفته على أساس نقده له، لكن هل تستطيع الفينومينولوجيا الهوسرلية أن تصمد أمام نوع آخر من علم النفس وهو التحليل النفسى الفرويدى ؟ هذا هو ما بحث فيه ريكور. والحقيقة أنه يتوصل إلى أنها لا تستطيع الصمود، وعند هذه النتيجة نجد ريكور يتحول إلى فينومينولوجيا هيجل ليجدها أكثر قرباً من فرويد.
على الرغم من أن ريكور يبدأ كتابه عن فرويد وفى ذهنه هوسرل وفينومينولوجيا هوسرل، وفى ذهنه كذلك فينومينولوجيا الدين التى فهمها على أنها قريبة من هوسرل، إلا أنه ينتهى أثناء الكتاب وفى آخره إلى الدخول فى مقارنة بين فرويد وهيجل، لا فرويد وهوسرل كما نعتقد لأول وهلة فى أولى صفحات الكتاب. يكتشف ريكور أن هيجل أقرب لفرويد، وبالتالى للهرمنيوطيقا من هوسرل، ذلك لأن فينومينولوجيا هيجل تحتوى على فكرتين هامتين موجودتين لدى فرويد بوضوح: الرغبة هى الوعى الذاتى، أو بمعنى أدق، الوعى الذاتى يبدأ على أنه رغبة، وكذلك البينذاتية الهيجلية وصراع الأنا والآخر من أجل الاعتراف المتبادل وجدل السيد والعبد كلها تتضمن الرغبة. والعنصر الثانى لدى هيجل، أو المبدأ الثانى هو ما يطلق عليه ريكور
The duplication of consciousness in self Consciousness وهذا هو الطريق الأصيل والأصح للهرمنيوطيقا، لا من فينومينولوجيا هوسرل كما ذهب هو فى مقالاته فى ” من النص إلى الفعل “.
وينطلق ريكور من فرويد لتأسيس فينومينولوجيا جديدة.فهو يذهب إلى أن لدى فرويد إبوخية، لكنه يختلف عن الإبوخية الهوسرلى، إذ هو رد من الوعى إلى اللاوعى، فى حين أن الإبوخية الهوسرلى هو رد إلى الوعى. ويتضح لريكور من ذلك أن الفينومينولوجيا الهوسرلية حسب التحليل النفسى غير ممكنة، لكن لا الفينومينولوجيا بوجه عام، ذلك لأنه يذهب إلى إمكانية تأسيس فينومينولوجيا أخرى( 22). الفينومينولوجيا التى يهدمها التحليل النفسى هى فينومينولوجيا الوعى، تلك التى تواجه بين الذات والموضوع وتنظر إلى الموضوع على أنه يقف أمام الذات فى تضاد. يقول ريكور فى تحديده لمعالم الفينومينولوجيا الجديدة: ” يجب أن نتخلى عن الموضوع باعتباره ما يقف ضد الوعى وعن الذات نفسها باعتبارها وعياً وذلك كى يفسد الامساك بالموضوع باعتباره الموجه الترانسندنتالى guide والذات باعتبارها الأنا المنعكسة والمتأملة “( 23). ريكور إذن يتخلى عن الذات باعتبارها وعياً فى سبيل الذات باعتبارها أنا منعكسة ومتأملة. والحقيقة أن هذا بالضبط هو ما يبعد ريكور عن فينومينولوجيا هوسرل نحو فينومينولوجيا هيجل لأنها تتجاوز وجهة نظر الوعى وتدرسه من منظور أعلى منه، ذلك الذى يسميه هيجل بالمعرفة المطلقة.
ثالثاً - تصور ريكور عن الأصول الفلسفية للهرمنيوطيقا :
نظر ريكور إلى الهرمنيوطيقا على أنها تعيد صياغة تراث الفلسفة التأملية كلها ابتداء من ديكارت مروراً بكانط وانتهاء بهوسرل وهايدجر.
يذهب ريكور إلى أن ديكارت شك فى الأشياء لكنه لم يشك فى الوعى، فالوعى كان هو النقطة التى انطلق منها لإرساء كل اليقينيات. أما ماركس ونيتشه وفرويد فقد شكوا فى الوعى هو الآخر. وفى حين أن ديكارت انتصر على الشك فى الأشياء بيقين الوعى، فقد انتصر هؤلاء على الشك فى الوعى بتفسير للمعنى. ” فابتداء منهم أصبح الفهم هرمنيوطيقا، وبالتالى فالسعى نحو المعنى لم يعد الإعلان عن (التمسك بـ) وعى هذا المعنى، بل الكشف عن تعبيراته ....... “( 24). الحقيقة أن هؤلاء الثلاثة ليسوا هم أول من مارس الشك فى الوعى، بل هيجل فى الفينومينولوجيا هو أول من قام بذلك. وفينومينولوجيا هيجل باعتبارها أصلاً لنقد الأيديولوجيا معروفة ومشهورة. وإذا رجعنا إلى ما وراء هيجل قليلاً سنجد أن كانط هو الآخر نقد نوعاً من الوعى هو الوعى الميتافيزيقى وذلك فى الجدل الترانسندنتالى، ونقد ما أسماه بالوعى الترانسندنتالى. إذا كان ماركس ونيتشه وفرويد يشتركون فى ذهابهم إلى أن الوعى ليس كما يعتقد فى نفسه أو كما يفهم نفسه فسوف نجد أن هيجل وكانط قد عالجا نفس الموضوع. يقسم ريكور الهرمنيوطيقا إلى هرمنيوطيقا للمعنى وأخرى للشك، والحقيقة أن فينومينولوجيا هيجل مثال جيد على هرمنيوطيقا الشك قبل هؤلاء الثلاثة الذين يتكلم عنهم ريكور.
يذهب ريكور إلى أن الهرمنيوطيقا مدينة لثورة كانط الكوبرنيقية، كما أن
” امتثال القواعد الخاصة بتفسير النصوص المقدسة وفقه اللغة لإشكالية الفهم العامة مماثل لبحوث كانط الكوبرنيقية ... من هذا المنظور يمكن لنا أن نقول بأن الكانطية تشكل الأفق الفلسفى الأقرب إلى التأويل “( 25). فريكور ينظر إلى هذا القرب من حيث أن الكانطية طرحت موضوع الفهم وميزت بينه وبين الكينونة، وجعلت من الفهم وسيلة المعرفة الوحيدة مع الحس. ” ونعرف أنه فى مناخ كانطى أمكنت صياغة مشروع إلحاق قواعد التأويل لا بتنوع النصوص والأشياء الواردة فى هذه النصوص، بل بالعملية المركزية التى توحد المختلف من التأويل “ الحقيقة أن هذا ما يدعونا إلى مساءلة الهرمنيوطيقا فى الأسس الكانطية التى تستند عليها، وفى الجو الكانطى الجديد الذى نشأت فيه. إن استنادها على إشكاليات كانطية مثل البحث عن قواعد التأويل وعن نظرية عامة فى التأويل المشابهة لبحث كانط فى الشروط القبلية للخبرة والمعرفة العلمية وبحثه عن أورجانون للعقل المحض، كل ذلك يجعلها عرضة للنقد الهيجلى للكانطية. الهرمنيوطيقا إذن معرفة لنقد هيجلى لاستنادها على فينومينولوجيا هوسرل وعلى ابستمولوجيا كانطية وإشكاليات وتساؤلات كانطية فى نفس الوقت.
من بين الأسباب التى تجعل ريكور يعتمد على فينومينولوجيا هوسرل والأفكار التى يضمها فى فلسفته الهرمنيوطيقية مفهوم عالم الحياة المعاشة باعتباره مصدراً لمخزون من المعانى وفائضاً للمعنى بالنسبة للتأويل ومصدراً أيضاً لاستخلاص دلالات من الهرمنيوطيقا بالنسبة للعلوم التاريخية والاجتماعية( 26). فالهرمنيوطيقا بتبينها لهذا المفهوم سوف يمكن تطبيقها على العلوم الاجتماعية أو الإنسانية أو التاريخية، فسوف تصبح أساساً فلسفياً لها بمجرد إشارتها إلى مطلق أو بداية أولى أو وحدة أصلية تنبثق عنها كل صور النشاط الإنسانى الذى تدرسه العلوم الإنسانية المختلفة. مفهوم معالم الحياة المعاشة هذا يوجد ما يوازيه أيضاً فى فلسفة هيجل، إنه الحياة الأخلاقية المطلقة إذا أولناها تأويلاً سوسيولوجيا باعتبارها الجماعة الأولية، أو هى روح الشعب لديه.
ماذا فعل ريكور بالهرمنيوطيقا بعد أن صاغها وأسسها على بعض عناصر فينومينولوجيا هوسرل ؟ ما هى الموضوعات التى طبق فيها هذه الهرمنيوطيقا ؟ إنها نقد الأيديولوجيا والتحليل النفسى الفرويدى وكتابه الضخم عن الزمان والسرد، وهى كلها موضوعات هيجلية فى الصميم. فهو فى الزمان والسرد يتناول موضوع الزمانية الهايدجرى لكن ذو الأصل الهيجلى الواضح، وفى نقد الأيديولوجيات يتناول موضوع الخيال والخيال الاجتماعى والوعى والوعى الزائف، وهى كلها موضوعات هيجلية، وهو فى مقالاته عن نقد الأيديولوجيا وكتابه عن الأيديولوجيا واليوتوبيا لا يمارس النقد الأيديولوجى بالمنهج الهرمنيوطيقى لكن يقوم بشئ آخر مختلف تماماً. إنه يقوم بدراسة هرمنيوطيقية لنظريات نقد الأيديولوجيا لدى ماركس وألتوسير وهابرماس ومانهايم وفيبر وجيرتز. إنه يمارس الوعى النقدى ذاته العامل فى مجال الأيديولوجيات. إنه تحليل لخبرات الوعى بموضوع معين هو الأيديولوجيا، أى باختصار فينومينولوجيا لخبرة الوعى بموضوع الأيديولوجيا، ويسمى هذه الفينومينولوجيا هرمنيوطيقا. يسميها ما يشاء لكنها فى النهاية فينومينولوجيا. أنظر كيف يحلل مراحل تطور نقد ماركس للأيديولوجيا فى ثلاثة فصول ابتداء من مخطوطات باريس وعبر الأيديولوجيا الألمانية. إنه وصف فينومينولوجى لتطور وعى ماركس بموضوع الأيديولوجيا. ما نريد قوله باختصار فى هذه الفقرة أن الموضوعات التى استخدم فيها ريكور منهجه الهرمنيوطيقى هى موضوعات هيجلية فى الأساس. يعتقد ريكور أنه بتحليله للنصوص إنما يمارس هرمنيوطيقا، لكنه يمارس تحليلاً فينومينولوجيا للوعى من خلال النصوص. إنه كما قال بنفسه لا يهتم بالنص لدلالته أو قيمته اللغوية أو باعتباره عملاً لغوياً، بل باعتباره كاشفاً عن معنى. وهولا يهتم بقصد أو نية المؤلف، فبماذا إذن يهتم ؟ إنه يهتم بخبرته وتطور وعيه. إنه وصف فينومينولوجى لخبرة الوعى لا لقصد ونية المؤلف.
هناك ملامح هايدجرية واضحة فى معالجة ريكور للعلاقة بين السرد والزمان، فهو يقول فى الجزء الأول: ” إن العالم الذى يكشفه كل عمل سردى هو عالم زمانى دائماً “( 27)، العالم يظهر فى صورة زمانية بفضل وضع البشر له فى صورة سردية، وهو ما يتفق مع هايدجر، والأكثر من ذلك تصريح ريكور التالى ” يصبح الزمان إنسانياً إلى الحد الذى يتم تنظيمه فى شكل سرد. والسرد من ناحية أخرى لا يصبح ذا معنى إلا إذا رسم ملامح الخبرة الزمانية (الإنسانية فى الأساس) “( 28). لكن هنا يختلف ريكور عن هايدجر قليلاً، ذلك لأن هايدجر ينظر إلى الزمان على انه المحدد الأنطولوجى للوجود الإنسانى ويعتبره إنسانياً منذ البداية وبعد السرد غائب عنه، أما ريكور فلا ينظر إلى الزمان على أنه مقولة أنطولوجية مستقلة عندما يتصف بها الدازاين يصبح وجوداً إنسانياً، فالزمان عند ريكور لا يصبح إنسانياً وذا معنى إلا إذا وضع فى إطار سردى، إلا إذا أصبح الزمان إطاراً لحكاية إنسانية، وهذا هو الذى يجعل الزمان إنسانياً: كونه إطاراً للسرد، لا كونه محدداً أنطولوجياً للوجود الإنسانى. والحقيقة أن ريكور بذلك يقترب من هيجل أكثر من هايدجر، ذلك لأن هيجل هو الذى أوضح كيف يكون للزمان معنى إنسانى من خلال حكاية تطور الروح فى الزمان حتى وصولها إلى الوعى بذاتها باعتبارها روحاً، هذا بالإضافة إلى أن بنية فينومينولوجيا الروح بنية روائية وتحتوى على حبكة، ذلك لأنها تحكى تطوراً يحدث للوعى وبها بداية ونهاية وبها تطور للأحداث حتى الوصول إلى هذه النهاية. كما توضح الفينومينولوجيا مدى الارتباط بين السرد وقضايا الإبستمولوجيا ذلك لأنها المرة الأولى التى يعالج فيها قضايا إبستمولوجية من خلال بنية سردية، أى وعى يصل إلى الحقيقة عن طريق تطور معرفى، من بين أنواع أخرى عديدة من التطور.
خاتمـــــة :
تكشف فلسفة ريكور عن عودة أخرى إلى فينومينولوجيا هيجل؛ فعلى الرغم من اعتقاد ريكور أنه يمارس تعديلاً على فينومينولوجيا هوسرل بأن يجعلها تنفتح على قضية الهوية السردية للذات، فإنه فى الحقيقة يعود بالفينومينولوجيا إلى طابعها الهيجلى الأصلى، إذ كانت الفينومينولوجيا الهيجلية هرمنيوطيقا تروى قصة بناء الذات الغربية لهويتها فى الزمان الخاص بها، الزمان الذى تخلقه بنفسها والذى هو تاريخها الخاص. وبذلك يمثل ريكور اكتمال الدائرة الفينومينولوجية بالعودة إلى هيجل مرة أخرى بعد أن ابتعدت فينومينولوجيا هوسرل عنه تماماً، ثم أخذت مذاهب هايدجر وسارتر تبتعد بالتدريج عن الفينومينولوجيا الهوسرلية، وفى ابتعادها هذا كانت تقترب حثيثاً نحو هيجل، حتى شكلت هرمنيوطيقا ريكور العودة النهائية الصريحة التى أثبتت مركزية الفلسفة الهيجلية بالنسبة للفكر المعاصر.

( 1) Paul Ricoeur: Freud and Philosophy: An Essay on Interpretation. Translated by Derise Savage (New Harm: Yale University Press, 1970), P. 37.
(2 ) Ricoeur: Time and Narrative. Translated by Kathleen Mclaughin and David Pellauer (Chicago: The University of Chicago Press, 1985), P. 60 - 64.
)3 ( بول ريكور: الوجود والزمان والسرد. ترجمة وتقديم سعيد الغانمى، المركز الثقافى العربى، الدار البيضاء 1999، ص 254.
)4 ( المرجع السابق: ص 251 - 252.
( 5) Hegel: Phenomenology of Spirit, Op. Cit, P. 180, 191, 212, 386.
(6 ) Harris: Hegel s Development, Op. Cit, P. 71 - 78.
(7 ) Hyppolite: Genesis and Structure of Hegel s Phenomenology, Op. Cit, P. 149 - 150.
(8 ) Ibid: P. 186.
(9 ) Ibid: P. 187.
) 10( جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثى. ترجمة أحمد حسان، دار شرقيات 1999، ص 53.
) 11( المرجع السابق: ص 54.
(12 ) Hegel: Phenomenology of Spirit, P. 18.
(13 ) Hegel: Jugende Theologische Schrifften, ذكره
Robert Pippin: Hegel s Idealism, Op. Cit., P. 79.
) 14 ريكور: الوجود والزمان والسرد، ص 253.
(15 Laurence Dickey: Hegel. Religion, Economics, and the Politics of Spirit (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), P. 79.
(16 ) Hegel: The Difference Between Fichte s and Schelling s, P. 83.
(17 ) Hegel: The Phenomenology of Spirit, P. 280 - 311.
(18 ) Ricoeur: Freud and Philosophy, P. 35.
(19 ) Ibid: P. 36.
(20 ) Ibid: P. 195.
(21 ) Ibid: P. 197.
(22 ) Ibid: P. 121 - 122.
(23 ) Ibid: P. 122.
) 24ريكور: من النص إلى الفعل. أبحاث التأويل. ترجمة محمد برادة وحسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية 2001، ص 33.
25( المرجع السابق: ص 60.
) 26 المرجع السابق: ص 49.
( 27 Ricoeur: Time and Narrative, P. 3.
(28 ) Ibid: P. 4 - 5.
د. أشرف حسن منصور