الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)*

محمد علي الشبيبي
2012 / 10 / 9

لا أخفي على القارئ الكريم تخوفي وتهيبي من قدرة الكتابة عن الشهيد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) وقد أفشل في تقديمه للقارئ بما يتناسب مع نشاطه الوطني والصحفي وتكللهما بصموده الاسطوري في التعذيب ومن ثم شهادته اسوة برفاقه الشهداء من قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين سبقوه أو ساروا على خطاه في الشهادة. لذلك ارجو من القارئ الكريم ان يستميحني عذرا إذا ما قصرت في تغطية بعض من جوانب حياة الشهيد ونشاطه، فهذه المهمة الجليلة أجدر أن يتبناها رفاقه ومن عاش بينهم وعرفوا الشهيد عن قرب.
ولد الشهيد في البصرة- محلة المشراق- عام 1920، نشأ وترعرع فيها ودرس في مدارسها. أنهى دراسته الثانوية بتفوق ورشحته وزارة المعارف في بعثة للدراسة الى إنكلترا، ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية حال دون ذلك. فقرر السفر إلى بيروت ليكمل دراسته الجامعية في الجامعة الامريكية. تخرج من الجامعة الامريكية متخصصا في الفيزياء ومارس تدريسها في المدارس الثانوية. ولشدة ولعه ببعض الجوانب الفلسفية فبادر لدراستها فاهتم بدراسة فلسفة سقراط. وكان لابد لدراسته للفيزياء والفلسفة أن تعمقا طريقته في التفكير والتحليل للواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان شعبنا يعاني منه فترة النظام الملكي. فعلم الفيزياء هو العلم الذي يجيب على لماذا وكيف ومتى لدراسة الظواهر الكونية، فتكون الاجابة دائما عليها علمية ومنطقية، وهذا ما ساعده على البحث عن أسباب ومعاناة شعبنا وما هي الحلول الضرورية لمعالجة تلك المشاكل. إن تعشيق الفيزياء ومنطقها وتحليلاتها العلمية مع الاسلوب الفلسفي في التفكير(1) لتفسير الظواهر الاجتماعية في مختلف المجالات، إضافة لما عايشه الشهيد من مآسي شعبنا في ظل النظام الملكي الذي كبل شعبنا بمعاهدات غير متكافئة استرقاقية، ومن هجوم بشع على المناضلين المطالبين بالحرية والتحرر والاستقلال من قبل النظام الملكي الذي كللها بجريمة إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي وما أعقب ذلك من هجوم على القوى الوطنية .... كل هذا أحدث انعطافا جذريا في تفكير الشهيد الخالد فالتحق بصفوف الحزب الشيوعي العراقي، وحدد موقفه بوضوح وجرأة وشجاعة، أثبتت الأيام صلابته وقوة قناعته من خلال صموده في التعذيب الذي مارسه البعثيون خلال حكمهم الدموي بعد انقلابهم في 8 شباط 1963 فوهب حياته دون تردد من أجل قضيته المقدسة.
بعد تخرجه من الجامعة الامريكية عام 1943 عاد الى الوطن ، فمارس تدريس الفيزياء في اعدادية بعقوبة ثم استاذا في كلية الملك فيصل حتى اغلاقها عام 1948 بسبب انتماء الكثير من طلبتها للحزب الشيوعي وللقوى المناهضة للنظام الملكي إضافة الى مساهمات طلبتها النشيطة في وثبة 1948.
وبدأ نشاطه السياسي غير هيابا حال عودته للعراق. فعمل في اواسط الاربعينات -1946- في صفوف "حزب الشعب" الذي كان يرأسه عزيز شريف، وكانت إلى جانبه ابنة عمه -زوجته ورفيقته- في النضال المحامية الراحلة نظيمة وهبي. ثم انتمى للحزب الشيوعي العراقي عام 1948 وكان حينها مدرسا في ثانوية الأعظمية.
ساهم بنشاط في الحياة السياسية والاجتماعية، فنشط في حركة السلم العراقية. وقد ذكر الدكتور فاروق برتو في مقالة له عن بدايات حركة السلم العراقية وتشكيل أول لجنة تحضيرية لأنصار السلام في تموز 1950 برئاسة محمد مهدي الجواهري وكان باكورة نشاط اللجنة إصدار بيان إلى الشعب العراقي نشر في الصحف بتوقيع عدد من رجال الفكر والشخصيات الاجتماعية المعرفة، يدعو البيان إلى تأييد نداء ستوكهولم وإلى مساندة الدعوة لنشر السلام العالمي ومقاومة أخطار الحرب. وكان من بين الموقعين على هذا البيان محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب محمود (نقيب المحامين في العراق) والمحامي توفيق منير والشاعر بدر شاكر السياب والفنان يوسف العاني والشاعر محمد صالح بحر العلوم والمحامي عامر عبدالله والدكتورة خالدة القيسي والدكتور عبدالله إسماعيل البستاني، وكان أيضا من ضمن الموقعين الشهيد عبد الجبار وهبي.
كما ساهم في عمل ونشاط المنظمات المهنية والديمقراطية، حتى انه انتدب لحضور مهرجان الشباب والطلاب العالمي في وارشو (تموز 1955) وكان برفقته كريمته نادية (الفنانة أنوار عبد الوهاب) مع شقيقها سعد.
ولم يسلم الشهيد من الاجهزة القمعية فأصدر المجلس العرفي -1952- حكما غيابيا عليه بالسجن مدة 15 عاما، وذلك لنشاطه في حركة السلم والتضامن ولإصداره كتابا بعنوان (السلام العالمي)، إضافة الى دوره في انتفاضة عام 1952. ولم يثنيه هذا الحكم الجائر عن مواصلة النضال، فواصل الشهيد نشاطه السياسي والحزبي متخفيا عن أعين التحقيقات الجنائية التي كانت الرقيب والسيف المسلط على القوى الوطنية أيام العهد الملكي. ومع اشتداد الحملة المسلطة على الحزب وجماهيره قرر حينها - عام 1953- مغادرته الوطن سرا إلى سورية بجواز سفر يحمل اسم (الحاج محسن عبد) مصطحبا معه ابنته نادية وابنه سعد، تاركا زوجته المناضلة نظيمة وهبي تقضي ما تبقى من محكوميتها في سجن النساء في بغداد، بسبب إصدار كراس "أغاني السلم والحرية"(2)!. غادر وهو يحمل في داخله هموم الشعب العراقي، ومعاناة مناضليه ورفاقه الشيوعيين واليساريين وهم يقبعون في زنزانات النظام الملكي، ويتعرضون للمجازر والتصفيات والتنكيل والإهانات. غادر وأصوات رفاقه في السجن من خلال مكبراتهم البسيطة والمصنوعة من الكارتون وهم يهتفون بحياة الشعب والحزب ويناشدون القوى الخيرة في العالم لإنقاذهم من مجازر وحشية يعد لها النظام الملكي وقد نفذها فعلا، وواجهوا هذه المجازر غير آبهين للرصاص الموجه لصدورهم في سجن بغداد وسجن الكوت أو في تظاهرات الشعب ضد المعاهدات الاسترقاقية التي خطط لها الانكليز مع عميلهم (الباشا نوري السعيد). نعم أصوات رفاقه تناديه لينشر قصة نضالهم وجرائم النظام الدموية بحقهم وإيصالها للرأي العام العراقي والعربي والعالمي. فانكب الشهيد في سورية ليصور باسلوبه المتميز مأساة السجناء الشيوعيين في سجون النظام الملكي ويفضح من خلال ما يكتبه أساليب النظام البربرية في مكافحة الفكر الوطني، فكتب كتابه (من أعماق السجون في العراق)، وهو يصور بدقة الأحداث المأساوية التي حدثت في سجون النظام الملكي وبإشراف وأوامر (الباشا نوري السعيد).
واصل الشهيد نشاطه الفكري والإعلامي في الصحافة السورية واللبنانية، وكان أهم ما كتب في تلك السنوات كتابه (من أعماق السجون في العراق) الذي طبعه باسم مستعار (محمد راشد) في حزيران عام 1955، وللأسف كان نشر الكتاب خلال تلك السنوات محدودا بسبب الظروف التي تعاني منها دول المنطقة فجميعها تقريبا كانت تعاني من قهر الانظمة الاستبدادية والتابعة وكانت حرية النشر والتوزيع محدودة. فقرر توزيع كتابه خلال مشاركته في مهرجان الشباب والطلبة المنعقد في وارشو عام 1955/ تموز، وبذل جهودا لترجمته باللغة الانكليزية لإطلاع الوفود الاجنبية المشاركة في المهرجان على انتهاكات النظام الملكي لحقوق الانسان والواقع المر الذي يعيشه شعبنا.
سمع الشهيد أخبار ثورة 14 تموز 1958، وكان من ضمن الوفد المقرر مشاركته –كان ضمن الوفد ايضا الشهيد صفاء الحافظ- في مؤتمر نزع السلاح والتعاون الدولي في العاصمة السويدية –ستوكهولم-. بعد مشاركته في أعمال المؤتمر بتأريخ 16 تموز 1958 عاد الى أحضان وطنه ليساهم بحيوية ونشاط في الحياة السياسية الجديدة. بعد عودته واجازة صحيفة الحزب الشيوعي (اتحاد الشعب) أصبح عضوا نشطا وفعالا في هيأة تحريرها، ومارس الشهيد كتاباته الصحفية على صفحاتها، واشتهر بعموده اليومي (كلمة اليوم) في الصفحة الأخيرة. كان هذا العمود بأسلوبه المتميز بقوة المعنى وعمق الفكرة وبساطة الجملة ذا وقع عظيم في نفوس ومشاعر ابناء الشعب، وكان له تأثير قوي عاصف في عقول الناس حتى يقال أن الزعيم عبد الكريم قاسم قال عنه: (رصاص رأس القرية ولا كتابات عبد الجبار وهبي). كان ذو مقدرة عالية في تشخيص السلبيات واختيار مواضيعها وربطها بحكايات شعبية ليشد القارئ إلى الهدف الذي يكتب عنه. كان اسلوب الشهيد في تناوله للظواهر والممارسات السياسية السلبية (خاصة تلك التي تمس هموم الشعب) وقع كبير وجرئ بحيث أن الزعيم عبد الكريم قاسم فضل رصاصات رأس القرية يوم محاولة اغتياله على العمود اليومي للشهيد –ابو سعيد-!. وما زالت مواضيعه تحتفظ بقيمتها لغاية اليوم، إنها مواضيع حيوية تتناول بأسلوب نقدي لاذع وساخر الواقع المأساوي الذي يعيشه شعبنا، ولو نشر عموده المعنون (سارق الأكفان) في يومنا هذا لتصور البعض أن كاتب العمود يعيش معنا اليوم، وهو حقا يعيش معنا خالدا بكتاباته وأفكاره العاكسة بصدق ودقة لهموم الناس. ومن كتاباته الصحفية: (أبو شوارب) ، (كان أمس)، (اقطاب وأذناب)، (شائعات وأشياء أخرى) ومقاله الشهير (اسأل الشرطة ماذا تريد وطن حر ونوري السعيد!؟) وغيرها من كتابات ناقدة للاوضاع السياسية والاقتصادية ولحالة التردي في الوضع السياسي.
لم تتحمل أجهزة الزعيم عبد الكريم قاسم القمعية عمود الشهيد (كلمة اليوم) فضايقته وزجت به في المعتقل (حجز)، بأمر الحاكم العسكري رشيد مصلح دون أن توجه له أية تهمة قانونية سوى "انه يشكل خطر على أمن الجمهورية"!؟. وتنقل في الحجز بين مديرية الأمن العامة وسجن رقم واحد في معسكر الرشيد. لكن الشهيد لم يستسلم لهذه الضغوطات وخرج من المعتقل في أواخر 1961 بتأثير الضغط الجماهيري، ليعيش في أحضان شعبه وملهمه الأول في كتاباته، وهو أكثر تصميما على مقارعة الدكتاتورية والحفاظ على مكاسب ثورة 14 تموز وفضح قوى الردة التي أحكمت سيطرتها على جميع مؤسسات الدولة الأمنية.
ولكن يوم الجمعة 8 شباط 1963 سيطر الانقلابيون البعثيون على الحكم، وبدأت مرحلة جديدة دموية في حياة الشعب العراقي. وتعرض الحزب الشيوعي إلى هجمة بربرية للقضاء عليه، وأقدمت سلطة البعث على اعتقال الالاف من الشيوعيين وأصدقائهم وتعريضهم لشتى صنوف التعذيب البربري وتصفية المئات منهم تحت التعذيب وفي مقدمتهم قادة الحزب (سلام عادل ورفاقه)، كل ذلك في محاولة يائسة في تصفية الحزب الشيوعي. لقد أفشل الشعب العراقي وشجاعة وتصميم القيادات الحزبية الناجية من الاعتقال، محاولات الانقلابيين اليائسة، فاحتضن الشعب كوادر وقيادات الحزب ووفرت لهم الملجأ الآمن لإعادة تنظيم صفوف الحزب وتضميد جراحه وقيادة الجماهير مجددا. وكان عبد الجبار وهبي ورفاقه جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي قد شكلوا مركزا جديدا للحزب لقيادته وإعادة نشاط منظماته وتجميع أعضائه الذين نجوا من الاعتقال. فنشطوا وعملوا بجد وحذر في الخفاء لإعادة بناء الحزب وجمع كوادره ومنظماته وقيادة النضال من أجل اسقاط الانقلابيين. لكن شدة وشراسة الهجمة وهستيريا الانقلابيين وخيانة بعض الضعفاء بعد فشل حركة الشهيد حسن سريع ساهمت في اعتقال قيادة الحزب الجديدة ممثلة بجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي. واعتقل القادة الشجعان يوم 7 تموز 1963 في دار والد الدكتور عطا الخطيب وأعلن عن إعدامهم يوم 19 تموز 1963(3).
يروي المؤرخ الراحل د. علي كريم سعيد نقلا عن محمد علي سباهي شراسة وبربرية التعذيب الذي لاقاه الشهيد عبد الجبار وهبي ورفيقيه، فيكتب: {يقول الضابط محمد علي سباهي الذي كان عضوا وأحد مؤسسي المكتب العسكري لحزب البعث العربي الاشتراكي قبل 8 شباط: "في عام 1963 زرت في قصر النهاية عمار علوش وكان مشرفا على التحقيقات، فرأيت عنده عبد الكريم الشيخلي -وزير خارجية فيما بعد- وأيوب وهبي وخالد طبرة، وفوجئت بالصحفي عبد الجبار وهبي ممدوداً على الأرض وكان على وشك الموت ويطلب الماء، ويجيبه خالد طبرة -مدير عام فيما بعد-: "ها كواد تريد مي –ماء-!!"، ولم يعطه}. ويضيف الراحل د. علي كريم سعيد فيكتب في نفس الصفحة: {وكان الدكتور فؤاد بابان قد أخبرني بمدينة السليمانية عام 2001 قائلا: "كنت معتقلا في قصر النهاية، فرأيت عبد الجبار وهبي -أبو سعيد- منشور الرجل من تحت الركبة بآلة نشر خاصة، وكان إلى جانبه شخص آخر لديه يد واحدة معلق منها}(4).
وبعد أن روى الكاتب علي كريم سعيد ما ذكره له بعض المسؤولين البعثيين عن تعذيب الشهيد عبد الجبار وهبي، يواصل كتابته ليروي بعض ما سمعه من هؤلاء البعثيين وشهادتهم على أحداث وجرائم الانقلابيين في 8 شباط في حق القيادة الجديدة للحزب (جمال الحيدري محمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي) وما لاقوه من تعذيب بربري وعن مواقفهم البطولية الشجاعة، فيكتب: {وقد روى لي الدكتور حامد أيوب العاني عن شركاء سجن محمد صالح العبلي بأنه، أي العبلي، كان مازال على قيد الحياة عندما اُذيع نبأ إعدامه، وكان الهدف من إبقائه حيا يوماً آخر هو مساومته، فقد جاء وزير الدفاع صالح مهدي عماش وأسمعه نبأ إعدامه مذاعا من إذاعة بغداد، وساومه قائلاً: "لقد اذيع خبر إعدامك، وأصبح في علم الناس جميعاً انك في عداد الموتى." وأخرج من جيبه شيكا موقعاً على بياض وقال: "ضع المبلغ الذي تشاء وبلا حدود، واختر البلد الذي ترغب أن تعيش فيه، وأنا شخصيا أضمن لك ذلك، مقابل ترك العمل". وحتما كان يقصد بترك العمل والاعتراف أيضا. وبالنسبة لمحمد صالح العبلي كان ذلك أسوأ من الموت، رفض فقتل. وقد روى خالد طبرة –عضو هيئة التحقيق ومدير عام بعد 1968- لصفاء الفلكي –سفير في أكثر من بلد، وعضو في حزب البعث وشارك في كل المراحل السابقة- قائلا: "حفرنا أنا وسعدون شاكر –وزير داخلية ومدير أمن عام بعد ناظم كزار- قبراً لمحمد صالح العبلي، وأنزلناه الى القبر –الحفرة- وبعد مَدِّه بداخله، طالبه سعدون شاكر بالاعتراف أو الموت!؟ فرد العبلي بشجاعة واتهمنا بخيانة الوطن. فأطلق عليه سعدون شاكر فوراً دون أن يعترف أو يتنازل، وحصل الأمر نفسه مع الضابط مهدي حميد وحمزة سلمان الجبوري}(5) .
كان بودي أن أوثق كتاب الشهيد (من أعماق السجون في العراق) بالصور المتنوعة عن حياة ونشاط الشهيد، بما فيها صوره مع عائلته وأبنائه، إضافة لبعض مخطوطاته اليدوية من كتابات ورسائل تبادلها مع عائلته أثناء ابتعاده عنهم أو خلال مرافقته لهم. فاتصلت بكريمته السيدة الفاضلة نادية (الفنانة أنوار عبد الوهاب) أسألها أن تزودني بما تمتلكه العائلة من تلك الصور والكتابات. فأخبرتني بألم وحزن يتقطع له القلب، وهذا ما لم أتفاجأ به، بأن الأنقلابيين البعثيين في 8 شباط 1963 دخلوا بيت الوالد وأتلفوا ونهبوا كل موجوداته بما فيها الصور والرسائل العائلية ولم نتمكن استعادتها من بعد!؟ وكل ما تملكه صورة وحيدة (الصورة المنشورة بزي التخرج الجامعي)، والصورة كانت مهداة للراحل الوطني فريد الأحمر، وقد أعادها للعائلة بعد أن عرف ان الفاشيين لم يتركوا أي أثر لذكريات العائلة عن الشهيد!. ربما سيقرأ مقالتي هذه زملاء أو رفاق للشهيد جمعتهم صورا لهم معه فأرجو شاكرا ارسالها على عنواني لأضمها في كتابه.
بهذه الشراسة والهمجية الفاشية تعامل البعثيون، قادة انقلاب 8 شباط 1963 الدموي، مع القيادات الشيوعية وأصدقائهم بهدف القضاء عبثاً على الحزب الشيوعي وتنظيماته. وقد أثبتت لهم القيادات الناجية من بطش البعث وحرسه القومي انها قادرة على إعادة تنظيم الحزب وقيادة نضال الشعب، وبذلك أكدت صحة مقولة الخالد فهد (الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق). لا الارهاب وممارسة ابشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، ولا التصفيات الجسدية التي مورست مع قيادات وكوادر وأصدقاء الحزب، جميع هذه الممارسات لم تكن قادرة لإشاعة الرعب والخوف والحط من معنويات الناجين من الشيوعيين لمواصلة المسير. ولم تثن هذه الممارسات عبد الجبار وهبي ورفيقيه البطلين جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي من تشكيل مركزا حزبيا لقيادة الحزب، متحدين بذلك همجية الانقلابيين، لمواصلة جمع الصفوف وتنظيمها والعمل من أجل مصالح الشعب. هكذا كان الشهيد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) ورفاقه العبلي والحيدري. فلتعش ذكراهم منارا ينير الدرب لكل من يناضل من أجل عراق ديمقراطي حر مستقل، والمجد والخلود لكل شهداء الحركة الوطنية.

محمد علي الشبيبي
alshibiby45@hotmail.com
السويد ‏10‏/09‏/2012

*- مصادر المعلومات عن الشهيد –ابو سعيد- مستقاة من مجموعة كتابات وحوارات نشرت في الصحافة والمواقع الالكترونية عن حياة الشهيد.
(1)- الفلسفة كلمة مشتقة من اللفظ اليوناني وتعني محبة الحكمة أو طلب المعرفة. وتوصف الفلسفة أحيانا بأنها "التفكير في التفكير"، أي التفكير في طبيعة التفكير والتأمل والتدبر والميل للبحث والتساؤل والتدقيق في كل شيء والبحث عن ماهيته ومختلف مظاهره وأهم قوانينه./ من (وكيبيديا الموسوعة الحرة)
(2)- هذا ما ذكرته المناضلة نظيمة وهبي في مقالة نشرت في مجلة "الفكر الجديد" عام 1978.
(3)- د. علي كريم سعيد/ العراق البرية المسلحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 صفحة 59.
(4) و (5) – نفس المصدر السابق صفحة 62.