سياسة الزواج الاستراتيجي في العلاقات اليمنية السعودية

رياض حمادي
2012 / 10 / 2

أذكر أن هيكل علق على طرد السادات للخبراء السوفيت قبل حرب 73 بالقول أن السادات أغضب السوفيت ولم يكسب ود الأمريكان وبتعبير آخر إن جاز , قرار كهذا كان يمكن للأمريكان أن يدفعوا مقابله لكن وبما أن القرار قد تم فإنه في علم السياسة - والسياسة الأمريكية على وجه التحديد - لا يُدفع للقرارات السياسية آجلا . قرار كهذا كان يراد به كسب ود الأمريكان بغض النظر عن التبريرات التي قيلت حوله وهو قرار يعده خبراء السياسة اعتباطيا ومتسرعا ولا يمت بصلة للقرارات السياسية القائمة على قانون ينص على أن المصلحة هي الاستراتيجيا الوحيدة والسرمدية في علم السياسة .تلك الاستراتيجيا لخصها تشرشل بقوله :
لا يوجد أعداء دائمين أو أصدقاء دائمين يوجد مصلحة دائمة .

قاعدة المصلحة هو ما تعمل به أميركا وسائر الدول المتقدمة أو تلك التي تسير قدما نحو التقدم أما في المنطقة العربية فهذه السياسة ما زالت غريبة على نحو ما ويتم تأويلها أو تفسيرها بطرق أكثر غرابة منها أن السلام " خيارنا الاستراتيجي " مع طرف لا يقيم للسلام وزناً . ومنها أن مصلحة دول الخليج والسعودية على وجه التحديد تكمن في إغضاب العرب من أجل كسب ود الأمريكان وحليفتها إسرائيل فهذه المحميات ترى أن بقاء عروشها مرهون بيد أمريكا وليس بيد شعوبها وهي محقة في ذلك كون الذي أسسها قادر على إسقاطها. والسعودية ترى أيضاً أنه ليس من مصلحتها كسب ود اليمنيين فسياستها الاستراتيجية قائمة على إغضابهم الدائم منذ تأسيس المملكة .

وعلى هذا المنوال التأويلي الغريب لإستراتيجية المصلحة - الذي يخلط أو لا يفرق بين العلاقات بين الدول والعلاقات الزوجية الكاثوليكية - سار علي عبدالله صالح وعلى هديها يسير خلفه هادي فيما يتعلق بالعلاقات السعودية اليمنية شعارهم في ذلك " ليس من مصلحة اليمن عداء السعودية أو إغضابها " حتى لو لم يتم كسب ودها .

قد يرد معترض بأن المصلحة هي ما يحكم العلاقات اليمنية السعودية . وقد يكون في اعتراضه نوع من الصحة فلعله من مصلحة " الشقيقة " أن تعمل على خنق الاقتصاد اليمني وتنغيص حياة اليمنيين طوال هذه العقود . وقد يكون من مصلحتها منع أو تهديد شركات تنقيب البترول الأجنبية من التنقيب عن البترول في اليمن طوال فترة الثمانينات كما ذكر رياض نجيب الريس في أحد كتبه . وقد يكون من مصلحتها طرد أكثر من مليون عامل في تسعينات القرن العشرين . وقد يكون من مصلحتها العمل على إفشال عدة مشاريع تنموية في اليمن . وقد يكون من مصلحتها قتل الحمدي بما يحمله من رؤية تقدمية مستقبلية لليمن. وقد يكون من مصلحتها الوقوف في وجه جميع الثورات التي قامت في اليمن وإفشال أهدافها بكل السبل . لكن في المقابل ما هي مصلحة اليمن في كل ما سبق من أمثلة وهي غيض من فيض هذه العلاقات " الأخوية " ؟!!

" هادي يرفض لقاء نجاد في نيويورك " بهذا العنوان العريض أراد هادي أن يؤكد ويجدد أواصر الزواج الكاثوليكي المقدس مع " الشقيقة " السعودية . قرار رفض عبد ربه اللقاء بنجاد لم يكن بإيعاز من السعودية - بعد أخذ الإذن منها - فنحن لنا إرادتنا وقراراتنا الإستراتيجية أيضا ولا نحتاج لطلب إذن اتخاذها من أحد طالما وأن القرار سيرضي " الشقيقة " وأمريكا. لكن أحيانا سياسية إرضاء " الشقيقة " يكون على مبدأ " ملكي أكثر من الملكيين " حينما يذهب أو يلعب قادتنا دورا أبعد مما هو مطلوب منهم .

تبرير رفض لقاء هادي لنجاد سببه " نشر إيران للفوضى والتدخل في الشئون اليمنية " إذا كان هذا هو السبب الحقيقي فإن السعودية تعيث في اليمن فسادا وتتدخل في شئونها الصغيرة والكبيرة منذ عقود والطائرات الأميركية بدون طيار تحلق في سماء اليمن بكل حرية وتقتل من تشاء ممن تشتبه فيهم من اليمنيين فلماذا لا تتخذ اليمن نفس السياسة إزاء " الشقيقة" وأمريكا إلا إذا كانت العلاقة علاقة زواج وليس علاقة سياسة قائمة على المصلحة فإنه في هذه الحالة من الطبيعي أن يغار الزوج على زوجته من لقاء الغرباء .
كان من مصلحة علي صالح استمرار علاقة الزواج الكاثوليكي بين اليمن والسعودية لأنه يرى فيه مصلحة شخصية وأُسرية كما يمكن تبرير استمرار نفس العلاقة بظروف المرحلة الانتقالية التي تمر بها اليمن لكن على قادتنا أن يدركوا أن مصلحة اليمن لا تكمن في الطلاق البائن ولكن في الجمع بين زوجتين بشرط العدل بينهما. خصوصا وأن الزوج لديه الفحولة اللازمة للتعدد .

الاتجاه نحو إيران سيمنح اليمن فرصة تجريب " زواج المتعة " السياسي مع إيران بعد عقود من الزواج الكاثوليكي مع " الشقيقة ". هذا القرار سيغضب السعودية ولكنه سيجعل من اليمن رجل - مذكر كما اسمه - يحظى بزوجتين تتنافسان على شرف إرضاءه .

لا أدري إلى متى سيستمر هذا التأويل لسياسة المصلحة الإستراتيجية وإن كانت المؤشرات تشير إلى أنه سيستمر طويلا إلى أن يقيض الله لليمن قائد أو قادة يفهمون المعنى الحقيقي لهذه السياسة. وعندما يحين ذلك الوقت سيعون أن السعودية وإيران بحاجة لليمن وليس العكس وأن مسك العصا من النصف هو التفسير الحقيقي لهذه السياسة . فليس ضروريا أن تكسب عداء الدولتين إذا لم تكسب ودهما. والسبب أن مصطلح " الود " و " الحب "مصطلح دخيل على السياسة ومجاله العلاقات الزوجية وليس العلاقات بين الدول وعلم السياسة .

لا يمكن الربط بين العلاقات السياسية والزوجية إلا على سبيل الاستعارة والتشبيه وذلك مثل ما فعل الدكتور سعد الدين إبراهيم - في مقال قديم له أغضب طرفي العلاقة خصوصا السادات - عندما استعار العلاقات الزوجية - حب وود وخصام وفراق وطلاق - ليتساءل إلى أين وصلت العلاقة بين أمريكا ومصر في عهد السادات.
حتى العلاقات الزوجية التي تتم وفقا للشرع الإسلامي يمكن لها أن تنتهي ويمكن للود والحب أن يتغيرا إلى النقيض فيكون الخصام والفراق والطلاق أما في السياسة فالعلاقة الوحيدة كما أسلفنا هي علاقة المصلحة ولا مكان لها لمثل هذه المصطلحات إلا على سبيل الاستعارة والتشبيه .

أذكر أيضا فيما قرأت أن هيكل علق على فترة الحرب الباردة بين القطبين أمريكا والسوفيت بأنها كانت فترة وفرصة مناسبة للعرب كي يستغلوها للحصول على حقوقهم. كما كانت فرصة كفيلة بحل قضية فلسطين لو كان العرب يفهمون أو يُعَرِّفون العلاقات السياسية بين الدول خلافا لفهمهم للعلاقات الزوجية الكاثوليكية . ونحن نعيش في ظل حرب باردة وساخنة من نوع آخر بين الشيعة والسنة إيران والسعودية وأميركا ووضعنا الجيوبوليتيكي يتيح لنا إمكانية استغلال هذا الصراع لمصلحتنا . استغلال مثل هذا الصراع مباح أيضا في السياسة والعلاقات بين الدول لكن ما ينقصنا ليس الفتاوى الفقهية بقدر ما ينقصنا الإرادة السياسية .