الطريق الثالث: يسار عالمي جديد أم تنظير لهيمنة قادمة؟

حكمت الحاج
2012 / 10 / 1

أطلقه بيل كلينتون وتلقفه الإنكليز وروج له نادي الأغنياء - الطريق الثالث: يسار عالمي جديد أم تنظير لهيمنة قادمة؟


بعد عصر التصنيع، انقسمت الحضارة الإنسانية إلى طريقين اثنين: طريق يفترض إن بناء الحضارة جاء في إطار السياق الطبيعي للاقتصاد بفضل النمو المتواصل للرأسمالية التي أفرزت الوفرة والحرية والديمقراطية. أما الطريق الثاني فهو الذي اختار ضرورة التغييرات السياسية لإعادة تعريف المِلْكية والإنتاج وذلك بهدف تجذير الاشتراكية التي هي شرط تحقيق المساواة المثالية. وقد كان القرن المنصرم تتويجا لهذا المسار الذي يبحث في حضارة مثالية تنقسم وجهتها إلى طريقين مختلفين.
ولكن السنوات الأخيرة من القرن العشرين كانت زمن عدم الرضا على هذين الطريقين اللذين سلكتهما الحضارة. واليوم ينطلق الكثير في الدفاع عن طريق ثالث هو ليس اشتراكية الخمسينات الحقيقية كما انه ليس الرأسمالية التحررية الجديدة لنهاية القرن. إنه طريق يوفق بين المنزعين بعودته المندمجة في اتجاه الماضي نحو الرأسمالية القريبة من التحررية الجديدة ونحو الاشتراكية الطوباوية القريبة من التوجه السوفياتي. وإزاء فشل السياسات الليبرالية الجديدة وما صاحبها من زيادة التوتر الاجتماعي الناجم عن تصاعد حدة الإضرابات العمالية التي أصبحت ظاهرة متكررة في بعض البلدان الصناعية المتقدمة خيم على مفكري الغرب شعور عميق بالقلق وكان لابد من البحث عن سياسة اجتماعية بديلة وطريق جديد. ولقد تصدى لهذه المهمة تيار يسار الوسط الذي نادى بالطريق الثالث.
يناقش هذا المقال مفهوم "الطريق الثالث" The Third Way القائم على فكرة تحديث الاشتراكية الديمقراطية حتى يمكنها التخلص من المعتقدات "الجامدة" لليسار القديم، والذى تبلورت معالمه - لأول مرة - في قمة الدول الصناعية السبع الكبرى عام 1996، قبل أن تتبناه حكومة العمال البريطانية بزعامة تونى بلير عام 1997 ليكون إطاراً فكرياً لبرنامجها الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة الليبرالية التاتشرية التي غرست جذورها في بريطانيا فترة طويلة نسبياً من الزمن، وليصبح "الطريق الثالث" كذلك هو البرنامج الذى تتبناه الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية غداة فوزها بالحكم في دول أوروبية كثيرة، وفى أعقاب هزيمة اليمين الليبرالي الجديد الذى جثم على أنفاسها حقبة تزيد على عشرين عاماً.
لقد كان الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون" هو أول من طرح مقولة الطريق الثالث، إذ ظهر هذا الاصطلاح للمرة الأولى في خطابه الرئاسي السنوي الذي ألقاه في كانون الثاني يناير 1993. ومنذ ذلك الحين وهذا الفكر الجديد يكتسب تأييدا متزايدا في البلاد الغربية. ففي بريطانيا تلقف هذا الفكر بحماس "توني بلير" وعندما تولى زعامة حزب العمال أعلن عن تبني الحزب في توجهه الجديد أيديولوجية الطريق الثالث. ولقد تبنى هذا الفكر أيضا معظم قوى يسار الوسط في بلاد أخرى في مقدمتها ألمانيا وإيطاليا. ولكن "توني بلير" قد ذهب شوطا أبعد عندما خصص العديد من كتاباته لهذا الموضوع ولا شك ان من أهمها كتابه الصادر عام 1998 بعنوان: "الطريق الثالث سياسة جديدة للقرن الجديد".
ولعل الناطق الرسمي بأفكار الطريق الثالث في بريطانيا اليوم هو الدكتور "ستيوارت وود" Stewart Wood الأستاذ في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة والعقل المدبر للسياسة الفكرية لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق "توني بلير" وخَلَفِهِ "غوردون براون". ويقول بعض المراقبين عن مساهمة "ستيوارت وود" إنها متميزة شاملة وعميقة في نفس الوقت من حيث إنها توضح لنا السبيل وتمكننا من معرفة موقعنا من هذه التحولات المتسارعة. ان الأيديولوجيات لم تمت واذا استشهدنا بما قاله "ستيوارت وود" فإن الطريق الثالث هو تنظيم لإيجاد تنظير لليسار الجديد الذي سوف يواجه العولمة ولم تبق له ثوابت كبرى.


المبادئ الأساسية للطريق الثالث

يقول الدكتور "ستيوارت وود" عن الطريق الثالث انه اصطلاح خرج من غياهب الظلمات ليصبح على كل لسان دون أن يمر بمرحلة اكتساب المعنى. وهناك اليوم اهتمام دولي حقيقي بالطريق الثالث بل يمكن القول انه بات يمثل حركة فكرية عالمية غير انه يستدرك قائلا في محاضرته الشهيرة في أوكسفورد بعنوان مفهوم وأبعاد الطريق الثالث والتي اعتمدناها كلية في هذا المقال إضافة لكتاب أنطوني غيدينز عن الموضوع نفسه، انه لا تزال ثمة تساؤلات تحوم حول ماهية الطريق الثالث وقيمها وأولوياتها وسياساتها الرئيسية. يقول البعض ان الطريق الثالث لا يعدو أن يكون تعبيرا عن تحول اليسار في وقت متأخر ولكن بصفة كلية نحو ليبرالية السوق. ويقول آخرون ان هذه العبارة فارغة من كل محتوى، خاوية من أي مضمون فلسفي ولا معنى لها سوى أنها مجرد تبرير لما يعتقد "توني بلير" و"بيل كلينتون" و"غيرهارد شرودر" انه كان يمثل على الصعيد السياسي حلا وقتيا في بلدانهم هم بالذات.
بيد ان هناك أناسا آخرين من أمثال "أنطوني غيدينز" Anthony Giddens الذي يعد من أبرز دعاة الطريق الثالث يرون ان هذا الاتجاه يحمل في طياته بذور تجدد "الديمقراطية الاشتراكية". واشتهر غيدينز وهو عالم اجتماع إنجليزي معاصر لوضعه نظرية الهيكلة Theory of structuration وهو صاحب الكتاب الرائد "الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية الاجتماعية" (1998). وإذا كان "غيدينز" على صواب فإن الطريق الثالث يوفر للديمقراطيين الاشتراكيين نوعا من الخلاص الأيديولوجي بعد ربع قرن عانت فيها الأسس الانتخابية والاقتصادية والسوسيولوجية للمشروع الديمقراطي الاشتراكي التقليدي معاناة شديدة. وواضح من مساهمة "ستيوارت وود" انه في سياق إمكانية إيجاد تعريف للطريق الثالث يكون جامعا مانعا فإن النقطة المرجعية بالنسبة إليه كمنظر وباحث هي الجدل الجاري في بريطانيا بشأن مفهوم الطريق الثالث منذ انتصار "توني بلير" في انتخابات عام 1997. إن الدافع الرئيسي إلى الجدل حول الطريق الثالث يتمثل كما يستشهد باحثنا بأنطوني غيدينز في تجديد الديمقراطية الاشتراكية مع الحفاظ على قيمها الجوهرية. وإن ما جعل هذا التجديد ضروريا في أوروبا الغربية هو فقدان الثقة في الأسس العقلانية للفكر الديمقراطي الاشتراكي خلال فترة الثمانينات. لقد ناصرت أحزاب اليمين بقيادة "مارغريت تاتشر" اقتصاد السوق وحرية المبادرة والحرية الفردية. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991 ساد الشعور لدى اليسار واليمين معا بأن ليبرالية السوق قد قضت على الاشتراكية. وكان على الديمقراطيين الاشتراكيين أن يستسلموا لهذه الهزيمة ويواجهوا أحد خيارين: إما التخلي عن قيمهم وإما الحفاظ عليها وإعادة صياغة السياسات النابعة منها. وكان الطريق الثالث كما يقول "وود" هو أنجح محاولة للإبقاء على حياة الديمقراطية الاشتراكية وملاءمتها في عالم مختلف جدا. وهنا يتساءل الباحث الإنكليزي قائلا: ما هو بالضبط الشيء المختلف في هذا العالم وفي الموقف الفلسفي الذي يجب على اليساريين أن يتخذوه إزاءه؟ وعلى الفور يجيب "ستيوارت وود" قائلا: إن الإجابة على هذا السؤال تتوقف طبعا إلى حد كبير على المكان الذي تجد نفسك فيه. ففي بلدان مثل السويد وفرنسا وهولندا وبلجيكا لم يعان اليسار قط معاناة حقيقية من الهزيمة الماحقة والفشل الأيديولوجي مثلما حدث له في بريطانيا وألمانيا. ففي بريطانيا أجبر النصر الفكري والانتخابي الذي حققته "مارغريت تاتشر" قوى اليسار وبالأخص حزب العمال على تغيير نظرته إلى العالم. وهذه الرؤية الجديدة للعالم يمكن تقسيمها حسب "ستيوارت وود" إلى ثلاثة محاور أساسية اقتصادية وسوسيولوجية وثلاثة محاور أساسية أخرى فلسفية.


الرؤية الاقتصادية والسوسيولوجية للعالم

أولا والأكثر أهمية يتعين على اليسار أن يواجه تأثيرات العولمة "Globalization" وهذه هي نقطة البداية بالنسبة إلى الطريق الثالث. فالعولمة قد فتتت كل اليقينيات القديمة التي اعتمد عليها اليسار. ان عولمة الاقتصاد تعبير عام يشير إلى عدد من التطورات منها توسع التجارة الدولية بشكل رهيب عبر العالم ومنها ظهور شركات متعددة الجنسية فائقة القوة وحركة أكبر لرأس المال الاستثماري بفضل التطور التكنولوجي وتزايد أهمية المضاربين على العملات في أسواق الصرف الدولية. وأصبحت الحكومات تواجه ضغوطا كبيرة فيما يتعلق بمستويات الضرائب والإنفاق التي تستطيع فرضها دون أن "تعاقب" إن صح التعبير من قبل السوق أي من قبل مضاربين يبيعون عملة البلد وشركات تنتقل إلى مناطق أخرى واستثمارات أجنبية تشح. وهكذا فإن انتصار ليبرالية السوق يجبر اليسار من باب الضرورة على إعادة النظر في سياساته بخصوص قضايا توزيع الثروة وتدخل الدولة والملكية العامة.
ثانيا إن اليسار قد أصبح مضطرا إلى مواجهة الضغوط السياسية على برامجه التقليدية ولم يعد بوسع اليسار أن يعتبر نفسه تحالفا لغير المحظوظين ضد المحظوظين. ولأسباب كثيرة اكتسب اليسار سمعة لدى الناخبين الأهليين بأنه لا يجيد إدارة الاقتصاد. ان الطريق الثالث منشغل بالحاجة الناتجة عن هذا الوضع إلى طمأنة الناخبين على كونه قادرا على إدارة الاقتصاد بنجاح دون تمويل برامجه عبر مستويات اقتراض مضرة أو من خلال زيادة الضرائب على الطبقات المتوسطة والثرية.
ثالثا يرى اليسار ان المفتاح لتحقيق الازدهار الاقتصادي في ظل هذا الاقتصاد العالمي الجديد إنما يكمن في "رأس المال البشري" أي بعبارة أخرى في المواهب والمهارات وتدريب العمال. ففي حقبتي الخمسينات والستينات كان النمو الاقتصادي متلائما تماما مع مستويات التشغيل العالية في صفوف ذوي المهارات المتواضعة أو عديمي المهارات. أما في عالم اليوم فلم يعد هذا الأمر ممكنا فأن سوق العمل العالمي قد انقسم إلى قسمين: من يتمتعون بتعليم أساسي جيد ومهارات عالية وهم الذين تتزايد حظوظ تشغيلهم وتحسين دخلهم. ومن لا يمتلكون مهارات وهم الذين تتضاءل أمامهم فرص العمل وتوفير الدخل وبالتالي سيجدون أنفسهم مضطرين إلى الاعتماد على الدولة لتأمين عيشهم ويعتبر الطريق الثالث هذا النمط الاستقطابي لمكافآت التعليم المتغيرة بمثابة ميزة من ميزات الاقتصادات الحديثة التي لا مفر منها.


الرؤية الفلسفية للعالم

بعد الإشارة لمعطيات الحياة السياسية والاقتصادية الثلاث التي يجب على اليسار أن يواجهها اليوم فإن الطريق الثالث من الناحية الفلسفية يمثل أيضا رؤية عالمية مختلفة جدا عما تعنيه الديمقراطية الاشتراكية. فأولا يرفض الطريق الثالث نظرة الاشتراكية العلمية إلى العالم على انه مقسم إلى طبقات متناحرة حتما حيث الرأسماليون وأرباب العمل من جهة والعمال من جهة أخرى. بل ان للطريق الثالث نظرة أكثر تسامحا إلى الطريقة التي تنتظم بها المجتمعات. فهو يرى ان هناك توافقا كبيرا في المصالح بين مختلف الفئات الاجتماعية ومختلف المجموعات العرقية أيضا إذ يمكن للمجتمعات أن تسعى إلى مصالح مشتركة وأن تزدهر سوية. وبالتالي فإن السياسة لم تعد تتمثل في خدمة مصالح مجموعة على حساب مجموعة أخرى ولا في أخذ الأموال والفرص من مجموعة وتوزيعها على مجموعة أخرى. كما ان السياسة القائمة على التعاون والتشاور بالنسبة للحكومة مع مجموعات المصالح الواسعة مثل نقابات العمال تفقد الكثير من مبرراتها من وجهة النظر هذه. وثانيا ينظر الطريق الثالث إلى المواطنين بطريقة مختلفة عن نظرة اليسار القديم واليمين الجديد. ومن الناحية التقليدية كان الديمقراطيون الاشتراكيون وأنصار ليبرالية السوق يؤكدون على حقوق الأفراد في الحرية الشخصية وكذلك في الحصول على إعانات اجتماعية في حالات البطالة أو المرض. ويسعى الطريق الثالث إلى موازنة هذه الرؤية بالقول بأن على الأفراد الذين يتمتعون بحقوق أن يتحملوا المسؤوليات التي تصاحب هذه الحقوق. وهذا معناه في لغة السياسات الاجتماعية ان على الأفراد أن يكونوا على استعداد لمساعدة الذين يعانون من حرمان نسبي ليسوا مسؤولين عنه. ويعلق "ستيوارت وود" قائلا ان هذا يعني أيضا ان على أولئك الذين يتلقون هذه المساعدات من أبناء وطنهم أن يلتزموا مستقبلا ببعض الشروط المصاحبة لها أكثر مما هو حاصل الآن. وأخيراك يؤكد الطريق الثالث على مركزية العمل بعدد من الوسائل. فالعمل هو الوسيلة الوحيدة التي تؤمن الدخل للأفراد. والعمل المتدني الأجر أفضل من تبعية الإعانة الاجتماعية. وهنا ينوه الباحث بأهم مقولات "توني بلير" في هذا الصدد. فأن تعمل هو أنبل لك وأسلم اقتصاديا من أن تكون عاطلا معتمدا على مساعدة الدولة. وفي حين كان اليسار القديم يرى في السياسة الاقتصادية وسياسة الرفاه مجالين منفصلين يتعلق الأول بالثروة ويخص الثاني إعادة توزيعها يرى الطريق الثالث ان تشجيع العمل وتوسيعه أمر من شأنه أن يوحد بين السياسة الاقتصادية وسياسة الرفاه.


أهداف الطريق الثالث

تلك إذن هي الكيفية التي ينظر بها الطريق الثالث إلى العالم. وهي طريقة مختلفة جدا عن تلك التي كانت سائدة في سنوات الخمسينات والستينات وما بعدها. فما هي أهداف الطريق الثالث التي تنبع من تلك الكيفية وكيف تختلف عن الأهداف القديمة؟ يقول "ستيوارت وود" ان النقطة الأولى الواجب ملاحظتها هي ان الطريق الثالث لا يبالي بالمساواة بين البشر وهو بهذا المعنى يقطع الصلة بالاشتراكية وبالديمقراطية الاشتراكية وكل ما يهم الطريق الثالث هو إتاحة المزيد من الفرص لأولئك الذين يجدون أنفسهم في أسفل سلم المداخيل وأحط درجات سوق العمل. وبدلا من المساواة ينادي الطريق الثالث بفضائل "الاندماج". فالناس يصبحون في حالة إقصاء عندما لا يشاركون في الحياة الديمقراطية الجماعية وعندما لا يشاركون في النشاط الجمعياتي على المستوى المحلي. وأكثر من ذلك عندما يحرمون من الفضاء المدني في المدن التي يعيشون فيها. ان كل أشكال الإقصاء هذه يجب التغلب عليها بواسطة العمل القيادي الحكومي. وهنا يستدرك "ستيوارت وود" مرة أخرى قائلا انه ليس الهدف من تدخل الدولة هو تحمل المسؤولية عن حياة الناس كما كان يفعل الديمقراطيون الاشتراكيون القدامى في غالب الأحيان بل الهدف هو إيقاف الناس على أقدامهم من جديد بأسرع ما يمكن. وهذا ينطوي على هدفين آخرين بحسب ما يذكر "ستيوارت وود" وهما: إعادة رسم الحدود بين مجال النشاط الحكومي وأنشطة المجموعات والأفراد وهذا ليس معناه بأن على الدولة أن تلقي بمسؤولية المشاكل الملحة على كاهل السوق أو الأفراد بل ان ما يتصوره الطريق الثالث هو كما يعتقد "ستيوارت وود" ما يمكن تسميته بدولة لماحة وذكية وذات نفوذ وفاعلية وعارفة بالمهمات التي ينبغي لها أن تضطلع بها بنفسها وبتلك التي من الأفضل أن تتولاها جهات أخرى. هذا هو الهدف الأول الناتج عن التأكيد على "الاندماج". أما الهدف الثاني فهو تحقيق أقصى حد من التشغيل. ولكن خلافا للديمقراطية الاشتراكية التي لم تلق بالا إلى أهمية المهارة في التشغيل الذي أتاحه توسعها الاقتصادي فإن الطريق الثالث يولي بالغ الاهتمام إلى النهوض بالموارد البشرية وتحسين مستوى جودتها. وهذا طبعا هو سبب تمسكه بالتعليم وبالكثير منه في وقت ما. أما الهدف الأخير وهو حقا الهدف الذي يؤطر تحقيق كافة الأهداف الأخرى فهو يتمثل في ضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ويسعى الطريق الثالث إلى إعادة مصداقية اليسار بوصفه قادرا على تسيير اقتصاديات مستقرة.


أصوات المؤامرة مرة من جديد

وإذا كانت أفكار الطريق الثالث - رغم ما تواجهه من تحديات - ملائمة للدول الرأسمالية المتقدمة في الغرب ولتحفيز دورها في بناء التوازن الاجتماعي، الذى تصدع بفعل العولمة، فماذا عن الوضع في العالم العربي؟ هل تنسحب الدولة في النظام العربي وهى لم تستنفد بعد دورها التاريخي في استكمال شروط التنمية وتوحيد سوقها القومي وتحقيق العدالة الاجتماعية؟ وهل تستجيب أفكار الطريق الثالث - التي نُحتت في واقع مغاير هو واقع الرأسمالية الناضجة في الغرب - لمتطلبات الدولة في الوطن العربي واحتياجاتها المتنامية؟ وهل يُبشر الطريق الثالث بعولمة جديدة ذات طابع إنساني مقبولة من الجميع؟ وهل هي خيار مستقبلي وحيد للألفية الثالثة أم أن الأفق مفتوح لخيارات أخرى؟
لقد حدثت تغيرات كبيرة في منطقتنا العربية ولا شك ان من أهمها ما حدث بعد ربيع تونس في 14 جانفي كانون الثاني 2011 لكن السؤال بقي هو هو نفسه الذي كان مطروحا قبل ذاك الربيع فلماذا لا تزال مجتمعاتنا تعاني من شدة انتشار الفقر والأمية وعدم المساواة بين الجنسين وسوء التغذية وارتفاع نسب الوفيات بين الأطفال والتشرد والبطالة؟ هل لأن معظم بلداننا تواصل أنظمة الحكم الموروثة عن الدول الاستعمارية السابقة والدكتاتوريات العسكرية اللاحقة؟ أم لأن أنظمة وأساليب حكمنا تتسم بالتغيير المستمر؟ إن الطريق الثالث الذي يروج له نادي الأغنياء والأقوياء هو آخر مشروع ونحن على عتبة القرن الحادي والعشرين يدخل حلبة السباق وسيكون من الخطأ تجاهل أو ازدراء معالم هذا الطريق.
ان الحاجة تدعو إلى المزيد من العمل فيما يخص آراء الطريق الثالث المتعلقة بقضايا الإصلاح الهيكلي والعولمة. ان مسألة كيفية الإصغاء إلى صوت العالم النامي وهمومه وأخذها بعين الاعتبار ضمن نموذج الطريق الثالث تستحق اهتماما خاصا. ولكن هنالك في الغرب نفسه من لا يخفي بعض التخوف من الطريقة التي يتصرف بها القادة الديمقراطيون الجدد فطريقهم الثالث قد يؤدي في النهاية إلى تعزيز نفوذ الدول القوية.
وقد قفزت هذه المخاوف إلى المواقع الأولى ضمن الاهتمامات بفعل العولمة وكذلك بفعل الانعكاسات الاجتماعية والثقافية التي قد تتسبب مظاهرها السلبية في تهميش قطاعات كاملة من السكان بل وحتى في إقصائها. ومما يزيد هذا الأمر خطورة ان ضحايا هذه العوامل السلبية هي البلدان النامية في العالم الثالث التي ما زالت توازناتها الاجتماعية بحاجة إلى التدعيم.
انه في مثل هذا المحيط العالمي يتعين على الأحزاب السياسية ولا سيما تلك التي تضطلع بمسؤولية الحكم أن تقوم بدور هام سواء فيما يتعلق بتحديد اتجاهاتها السياسية أو في مستوى مهماتها التعبوية والتوعوية إزاء الجماهير بخصوص الرهانات والتحديات المستقبلية.
ان التحدي الأكبر الذي سيواجهه رجال الفكر في العـــالم الثالث قبل رجال السياسة فيه هو إلى أي مدى يبدو الطريق الثالث أقرب إلى الطريق الوسط الذي دعت إليه حركة عدم الانحياز كفلســـفة ســـياسية واقتصادية وما هو الفرق بين طريق ابتدعته الدول الغنية كنموذج جديد للتنمية والإدارة في العالم وبـــين طريـــق تعرض للانتقاد اللاذع بــــعد فشله وكان صوتا لشعوب العالم النامي الفقيرة المناضلة التي لا صوت لها؟